ثقافة

التنمية المستدامة وبناء الإنسان: تغييب الثقافة عن العمل التنموي يجعله حرثا في البحر

“إحنا بنحرث في البحر” هكذا عبرت الدكتورة هويدا عدلي مستشار العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، عن خلاصة تجربتها مع العمل التنموي والثقافي في صعيد مصر منذ بداية عام 2007. مشاعر الإحباط تلك التي عكستها كلمات الدكتورة هويدا، جاءت خلال تناولها لقضية التنمية الثقافية المستدامة أمام إحدى جلسات المؤتمر الدولي “التنمية الثقافية المستدامة وبناء الإنسان” والذي نظمه المجلس الأعلى للثقافة خلال الفترة من (20-22 يناير 2019). حيث أوضحت أن ما تم إنفاقه من أموال على مشروعات التنمية في صعيد مصر، لا يوازي ما تحقق في هذا الصدد، رغم أن الصعيد يضم مؤسسات تنموية تعمل في مجال التنمية منذ أكثر من ستين عاما.

الدكتورة هويدا عدلي

وقد عزت الدكتورة هويدا إخفاق وتعثر جهود العمل التنموي في صعيد مصر، إلى جملة من الأسباب المختلفة من بينها، عدم دمج الثقافة كمكون أساسي في عملية التنمية المستدامة بسبب تركيز  صناع القرار على السياسات الاقتصادية والاجتماعية دون مراعاة البعد الثقافي، وهو ما تسبب في فشل العديد من تلك التجارب التنموية، على اختلافها. أما السبب الثاني لفشل تلك التجارب التنموية من وجهة نظر الدكتورة هويدا عدلي، فيتمثل بالأساس في انعدام الرؤية الشمولية الكلية، وتغلب فكرة القطاعات، التي تعمل في جزر منفصلة ومنعزلة بعضها عن بعض. وتضرب مثالا على ذلك بقطاعات الصحة والتعليم والبيئة، والتي يعمل كل قطاع منها منفردا، دون تنسيق مع غيره من القطاعات، ودونما أي مراعاة للبعد الثقافي الذي قد يدعم أو يعوق عمل أي مشروع تنموي، ذلك لأن تراثنا الثقافي ،وفقا لهويدا عدلي، محمل بالكثير من القيم بعضها إيجابي يمكن الإعتماد عليه خلال عمل أي من المشروعات التنموية، وبعضها سلبي قد يعوق المشروع التنموي.

 وتضيف دكتور هويدا عدلي سببا آخر لتعثر العمل التنموي ويتعلق بالتمويل الأجنبي، والذي يأتي مصحوبا بتصورات ومؤشرات تقييم كمية في الأساس، لا تراعي دمج البعد الثقافي خلال المشروع التنموي.

الفن والحرف التقليدية طريق النجاة:

 وفي مقابل هذه الرؤية المتشائمة نوعا ما عن واقع العمل التنموي في مصر، طرح الشاعر والكاتب محمد بغدادي أمام المؤتمر نفسه “مشروعا تنمويا طموحا يستهدف بشكل خاص دمج الشباب تنمويا وثقافيا، من خلال استغلال امكانيات  650 قصر ثقافة ومكتبة عامة تتبع هيئة قصور الثقافة منتشرة في المحافظات المختلفة. وقال إن مشروعه الذي جاء تحت عنوان “نحو مشروع قومي للتنمية الثقافية”، يشكل أحد أدوات المواجهة الثقافية ضد التطرف الفكري والإرهاب وانتشاره بين الشباب .

الشاعر والكاتب محمد بغدادي

 الفكرة الأساسية للمشروع  والتي شرحها بغدادي، تقوم  محاولة دمج الشباب بمختلف محافظات مصر، من خلال تدريبهم على حرف ومهن تقليدية يدوية ذات طابع فني، حيث أن هناك نحو 350 حرفة يدوية وتقليدية يمكن إحياؤها عبر الاعتماد على جهد مشايخ الصنعة بتلك الحرف، والاستعانة بهم كمدربين محترفين.

ويهدف المشروع لاستغلال مقار قصور الثقافة للقيام بهذه المهمة، بحيث يتلقى الشباب تدريبهم الحرفي في الفترة الصباحية على يد مشايخ الصنعة، وفي المساء يشارك هؤلاء الشباب في الأنشطة والعروض الثقافية، من مسرح وسينما وموسيقى وفن تشكيلي، ومناقشة أعمال أدبية، وغيرها من الفنون والآداب، التي تهدف بالأساس لخلق حالة من الدمج والوعي الثقافي لدى هؤلاء الشباب.

أما عن تسويق المنتج الناتج عن مشاركة الشباب في هذا المشروع، فيقترح بغدادي تأسيس شركة قابضة، تهدف إلى التسويق عبر الإعتماد على الأسواق العالمية، وفي هذا السياق يشير بغدادي إلى تجربة الصين، التي تمكنت من جعل 60 في المائة من عملتها الصعبة يأتي من عائدات تلك الصناعات الإبداعية الصغيرة، ويضرب بغدادي المثل بفرنسا التي بلغ حجم إستثماراتها في تلك الحرف والصناعات الفنية، ثمانية أضعاف حجم إستثماراتها في صناعة السيارات.

 ويرى بغدادي ضرورة النظر إلى هذا المشروع بإعتباره مشروعا قوميا، تشترك فيه وزارات الثقافة والصناعة، والشؤون الاجتماعية، مع المحليات والشباب والرياضة، عبر مجلس قومي أعلى يقوم بضخ الأموال اللازمة لدعم هذا المشروع، ومن ثم تأتي شركة التسويق التي تعمل على تقديم المنتج بأفضل صورة ممكنة. ويقترح بغدادي تطبيق المشروع في ثلاث محافظات كمرحلة تجريبية أولى، يتم بعدها تعميم المشروع بمختلف محافظات مصر، والمحافظات الثلاث الأولى التي يراها مناسبة هي محافظة كفر الشيخ، حيث تنتشر صناعة السجاد والكليم اليدوي، والوادي الجديد، حيث يتنشر الخوص والبلح وصناعة الحصير والأقفاص، وإحدى محافظات الصعيد مثل قنا أو الأقصر أو أسوان، حيث تنتشر الصناعات اليدوية المحبوبة والمطلوبة على مستوى العالم أجمع.

وتعليقا على مشروع  محمد بغدادي  قال الدكتور سعيد المصري، رئيس المجلس الأعلى للثقافة، إن هذا المشروع، مثله مثل غيره من المشروعات الثقافية، سيتم عرضه ومناقشته داخل تلك اللجان النوعية بالمجلس، والتي بدورها ستتولى تقديم تقرير يتم رفعه لمختلف المسئوليين بالدولة.

الدكتور سعيد المصري

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: