منوعات

حفيد عبد الناصر: مؤسسات التمويل الدولية «استعمار جديد ناعم»

كان الحنين غلّابا في تلك الليلة التي خصصتها مكتبة الأسكندرية لمناقشة صدور الطبعة الثالثة من كتاب “وثائق ناصر” الذي أشرف على تحريره جمال خالد عبد الناصر، متضمنا وثائق بخط يد جده الزعيم الراحل عن أخطر مراحل حياته والخلفيات التاريخية لقرارات أصدرها، ورأي عبد الناصر من أوراقه فيما جرى في حرب 1948 وفي “الميثاق الوطني” وكتاب “فلسفة الثورة” و بيان 30 مارس 1968 الذي حدد خطوات العمل الوطني في أعقاب النكسة. لكن  تجربة عبد الناصر في السياسة والتنمية والاستقلال الوطني، والاستعمار الجديد، وقضايا الحاضر طغت على موضوع الكتاب، الذي صار منطلقا للنقاش لا محوره كما أرادت الندوة.

المكان: بيت السناري.. قد تسمع كثيرا عن هذا البيت التاريخي الأثري، الذي يرجع تاريخ إنشائه إلى عام 1794، وقد تقرأ عن أنشطة متعددة يقوم بها في أخبار سريعة لا تفي المكان أهميته ومهابته، فأنت هنا لم تبرح عصرا قديما بكل معالمه، الحوائط التي تحتفظ بطابعها المملوكي، السلالم الضيقة التي تصعد من خلالها لدور ثان متسع يضم عدة حجرات، اللوحات الفنية المعلقة المتسقة مع طابع المكان القديم، الإضاءة الموزعة بهدوء، ثم روائح البخور التي يحرص مديرو البيت علي أن تكون حاضرة لتضيف مزيدا من الجمال و الألفة مع الزائرين.

كانت الأخبار عن الندوة تؤكد أنها ستبدأ تمام السادسة مساء، لكن حين دقت السادسة بالضبط لم يكن أحد من المتحدثين قد حضر. في الخارج كانت هناك قوات أمن لتأمين حضور حفيد رئيس الجمهورية الأسبق والدكتور مصطفي الفقي مدير مكتبة الاسكندرية، وفي الداخل كان الحضور خليطا من مثقفين وكتاب ومواطنين بسطاء للغاية، قال لي أحدهم “أنا جاي اشوف حفيد جمال عبد الناصر وأبلغه أني لم أحب أحدا كما أحببت جده و أيامه “.

في السابعة والربع حضر جمال خالد عبد الناصر، مرتديا ملابس في غاية البساطة، لتبدأ الندوة بطلب من الدكتور خالد عزب رئيس قطاع المشروعات بمكتبة الإسكندرية أن يحدّث جمال الحضور قليلا عن ذكرياته مع والده “خالد جمال عبد الناصر” فقال إنه كان مؤمنا بالعروبة، وأن اهم ما فعله في حياته هو تأسيسه تنظيم ” ثورة مصر ” وقيامه بنفسه باستهداف عملاء الموساد في مصر ومحاولة وقف كارثة التطبيع معها. وأضاف: “ربما لا يعرف الكثيرون أن والدي عاش ومات فقيرا رغم عروض كثيرة لدعمه ماديا في محنة قضيته.. كان متدينا ومحبا للفن وجادا قليل الكلام جدا”

بعد ذلك تحدث جمال خالد عبد الناصر عن صدور الطبعة الثالثة من كتاب “وثائق ناصر” والتي قال بداية لعمل كبير تستهدفه “دار الفالوجة” للنشر التي يرأس مجلس ادارتها في حفظ تراث جمال عبد الناصر، وفي محاولة تجديد الفكر القومي وحث الأجيال الجديدة على التعرف على تاريخ يراد تزييفه.

وعن اختيار اسم الدار قال إن” الفالوجة ” ترتبط عند الناس بحصار الاسرائيليين للقوات المصرية في حرب ٤٨، لكن الحصار الخطر الاكبر يأتي الأن من حصار منظمات التمويل والمؤسسات المالية الدولية لاقتصاد الدول النامية، مضيفا “من خلال عملي شاهدت كيف تحركت شركات كبري كانت تعمل داخل مصر لرفع قضايا تحكيم دولي والتهديد بالخروج من السوق المصري لأنه جري الحديث في اعقاب ثورة ٢٥ يناير عن تحديد حد أدني للأجور.. هم يريدون عمالة رخيصة.. و موارد متاحة.. وتشريعات تسهل الحصول علي الفائدة الأكبر من اقتصاد الدول التي يعملون فيها.. أحد كبار المستثمرين الدوليين قال لي ذات مرة: مستر ناصر تقومون بالتوقيع علي اتفاقات معنا فستكون هناك استثمارات وفرص عمل، أو يحدث في بلدكم اضطراب اقتصادي كبير.. هو يقصد الشروط التي لا تحقق لمصر أي نهوض حقيقي.. لا يريد لا هو ولا غيره من المؤسسات المالية الدولية وجود صناعة او زراعة او تكنولوجيا.. يريدون اقتصادا تابعا لا اكثر.” وعن الرأي الذي يحمّل سياسات جده مسئولة كبيرة عما تعانيه مصر اليوم، كان جواب خالد جمال عبد الناصر: “كان هناك مساران عكس بعضهما مائة في المائة.. مسار مصر عبد الناصر ومسار سياسات ما بعد عام ١٩٧٤، و نحن نحصد ثمار سياسات ما بعد ٧٤. أما إلي يوم وفاة عبد الناصر عام ١٩٧٠ فقد كانت مصر تسير في اتجاه مشروع يستهدف الاستقلال الاقتصادي والسياسي وعدم تمكين اسرائيل من مقدرات العرب “.

الدكتور مصطفي الفقي، والذي حضرا متأخرا نحو الساعة عن موعد الندوة، وبعد أن اعتذر للحضور عن التأخير، تحدث عن الكتاب قائلا: حضرت حفل توقيع الطبعة الأولى والثانية وها أنا أحضر إطلاق الطبعة الثالثة تقديرا لجهود جمال خالد عبد الناصر الذي تربطني به و بعائلة الزعيم الراحل علاقة طيبة للغاية، مضيفا أن “جمال عبد الناصر تجربة استثنائية في التاريخ المصري، وجهود إعادة قراءة تاريخه لابد أن تنال اهتماما كبيرا من الجميع”

مصطفي الفقي

السؤال الوحيد الذي وجه خلال الندوة، إلى جمال خالد عبد الناصر عن مضمون الكتاب نفسه، كان عما خرج به وهو يقرأ وثائق جده عن حرب ٤٨، وعن الميثاق و”كتاب فلسفة الثورة” وكان جوابه: “خرجت بأن المشروع السياسي الأمثل لمصر لابد وأن يستهدف دائما عدة ثوابت هي تأكيد الهوية العربية لمصر وتعزيز الوحدة الوطنية وإرساء مفهوم الانتماء المتعدد لمصر عربيا وافريقيا واسلاميا، والأهم التأكيد علي استحالة قوة مصر والعرب والتغاضي عن خطر اسرائيل في نفس الوقت”. وكأنه أراد بذلك أن يقول أن مشروع عبد الناصر السياسي هو المشروع الأصلح لمصر حاضرا ومستقبلا، وهل كان مضمون  مشروع ناصر سوى ما قال حفيده؟.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: