منوعات

فتحي غانم.. خيانة مشروعة لـ«صاحبة الجلالة»

عقب محاولة اغتيال جمال عبد الناصر في الإسكندرية نهاية عام 1954، استدعى على أمين صاحب “أخبار اليوم” الصحفي الشاب فتحي غانم، وكلفه بالذهاب إلى منزل محمود عبد اللطيف المتهم باغتيال عبد الناصر، وكتابة صورة قلمية لما يراه في البيت باعتباره “قصاصا وبيفهم في الأدب”.

ذهب غانم إلى حي بولاق ووصل إلى منزل المتهم ورسم ما شاهده بقلمه:‏ “سلم في بيت قديم متآكل.‏.‏ حجرة بها سرير فوقه مفرش كاروهات.‏.‏ مشنة عيش.‏.‏ ترابيزة خشب متواضعة.‏.‏ امرأة صغيرة السن تحمل طفلا رضيعا في عيونها ذهول وخوف شديدان ،ومن حولها أعداد ضخمة من رجال الأمن‏”.

نشرت “أخبار اليوم” القصة في الصفحة الأولى، فقامت الدنيا على غانم والجريدة، واعتبره البعض متعاطفا أو ذا ميول إخوانية، ووصل الأمر إلى أن جمال عبدالناصر رأى أن ما كتبه ذلك الصحفي قد أثار التعاطف مع المتهم‏،‏ ألا أن علي أمين نفى عن محرره تلك الصفة.

كان محمد حسنين هيكل رئيس تحرير “آخر ساعة” آنذاك، قد عرض على غانم العمل في “آخر ساعة” إحدى إصدارت “أخبار اليوم”، وقدمه إلى علي أمين، فعهد إليه الأخير بمجموعة من المجلات النسائية الأجنبية، وقال له‏:‏ “دور لي فيها علي مادة تصلح بعد تمصيرها للنشر في آخر ساعة وأعمل على تقديم أفكار لأبواب جديدة‏..‏ أزياء وتجميل وطب ومشكلات صحية نسائية،‏ وترجم لي من الفرنسية والإنجليزية قصص قصيرة لركاب الترام بين المحطات‏،‏ ورد لي علي رسائل القراء،‏ وهات لي معاك شوية أخبار”.

نجح غانم، في كل ما طلبه منه علي أمين، إلا جمع الأخبار، فالرجل لم يكن “إخبارجي” بطبيعته، والجانب الأدبي كان يطغى على شخصيته وعمله أكثر من الجانب الخبري.

فتحي غانم وعلي أمين

سر طلاق النحاس

بعد فترة استدعاه علي أمين مرة أخرى، وطلب منه متابعة قصة زعيم “الوفد” مصطفى النحاس، الذي تردد أنه طلق زوجته زينب الوكيل وترك بيت الأمة وأقام في فندق مينا هاوس. توجه غانم مع زميلته الصحفية في “آخر ساعة” إيزيس فهمي، إلى “مينا هاوس”، انطلقت الصحفية الشابة تستقصي وتجمع شتات الأقوال‏،‏ ووقف الصحفي التائه بعيون زائغة لا يعرف من أين يمسك الخيط‏،‏ وعندما أسقط في يده توجه لصالون الحلاقة داخل الفندق ليضيع الوقت في قص شعره وتلميع الحذاء‏، وقبل أن ينتهي من الحلاقة كان الحلاق قد حكي له كل شيء،‏ من زار النحاس؟، وماذا أكل؟، ومن اتصل به تليفونيا؟، ومن قام بزيارته فور قدومه علي عجل الخ‏..‏ باختصار حكى له كل ما جرى‏، فعاد وكتب قصة صحفية مكتملة بأسلوبه الأدبي المميز، بحسب ما أوردت الكاتبة الصحفية سناء البيسي في كتابها “سيرة الحبايب”.

سناء البيسي سيرة الحبايب                                      مصطفى باشا النحاس

وتضيف البيسي: طوال عمل فتحي غانم بالصحافة علي مدى ‏40‏ عاما لم يجر سوي ثلاثة أحاديث صحفية لا غير، أولها مع الكاتب سومرست موم‏،‏ والثاني مع الكاتب وليم فوكنر،‏ والثالث في استوديوهات “فوكس” في هوليوود مع نجمة الإغراء الأمريكية جين راسل التي كانوا يطلقون عليها لقب الصدر الأعظم‏..‏ فوجئ بها غانم أنحف بكثير مما تخيل‏،‏ وأثناء تناولهما الطعام، تحدثت راسل لا عن الجمال والأنوثة وأسرارهما كما كان يرجو وإنما عن دورها الاجتماعي والإنساني في المجتمع الأمريكي‏،‏ واهتمامها برعاية الأطفال الفقراء واليتامى بصرف النظر عن لون بشرتهم أو جنسيتهم‏،‏ وصرحت بالخبر المهم عن أنها قررت أخيرا تبني طفلة ستعتبرها ابنة لها”.

من الوزارة إلى “آخر ساعة”

وعن مشوراه في بلاط صاحبة الجلالة، يقول فتحي غانم “1924-1999″، في مقال بمجلة “صباح الخير” عام 1970: “عقب تخرجي في كلية الحقوق عملتُ في إدارة التحقيقات بوزارة المعارف، وكان يعمل معي بنفس الوزارة عبد الرحمن الشرقاوي، وأحمد بهاء الدين وكانت جلستنا كثيرًا ما تحوي مناقشات في الأدب والفن والفكر.. وجودنا معا خفف عليّ كثيرا من أعباء روتين الوظيفة، حدث ذلك عام 1947، وكان محمد حسنين هيكل محررًا صغيرًا عمره 23 سنة، كان يتردد علينا في الإدارة ليأخذ أخبار الوزارة، ووقتها كانت لي صداقة بإحسان عبد القدوس.

“في نفس الوقت كان أحمد بهاء الدين مشرفا على مجلة “الفصول” لصاحبها محمد زكي عبد القادر، ولاحظ اهتمامي بالأدب فطلب مني أن أكتب شيئا للفصول، فكتبت مقالات في النقد والتاريخ وكانت كلها إرضاء لبهاء فقط”، يقول غانم ،ويضيف في مقاله: تكررت لقاءاتي بإحسان، وذات يوم قال لي أنا سامع إنك بتكتب مقالات ونقد ماتيجي تكتب عندنا في مجلة روز اليوسف.

وتابع: “في عام 1952 صار هيكل رئيسًا لتحرير آخر ساعة، وبدأ مصطفى وعلي أمين تطوير المجلة، وطلبني هيكل بالتليفون وعرض علي العمل بالمجلة، وقدمني إلى آل أمين.. وقال لي مصطفى: قرأت ما كتبته عن شارلي شابلن في مجلة الغد التي يصدرها الشرقاوي وحسن فؤاد وصلاح حافظ وزهدي، وأسعدني أسلوبك فلماذا لا تكتب معنا في مجلتنا؟.. بدأت العمل في آخر ساعة وتعلمت فيها حرفية العمل الصحفي وجوهره، فكتبت في كل الموضوعات الموضة والعلاج والماكياج والحمل والرضاعة.. وأحيانا كنت أوقع باسم أخصائية جمال.

عبد الرحمن الشرقاوي                    محمد حسنين هيكل                         أحمد بهاء الدين

“كان عمري 23 سنة وعوملت معاملة أني كاتب من أول لحظة، ولم أوضع تحت الاختبار فبدأت أكتب في الأدب بتوقيع فتحي غانم”

يعترف غانم بأن الصحافة كانت طريقا إلى نشر روايته، “إذا كان هناك عيب في عملي الصحفي فهو أنني لم أخلص للصحافة كصحافة، لكني استفدت من وضعي الصحفي لأنشر الروايات”.

وروى ما دار بينه وبين هيكل عن الصحافة والأدب، وقال: “كان هيكل يقول دائمًا وبقناعة مطلقة إن الحاكم محتاج لصحفي يعبر عنه، وسأكون أنا هذا الصحفي، وكنت أقول له إن الأدب أبقى وأفضل من السياسة فكان يضحك ويقول لي: خلاص أنت بتاع الصفحة الأخيرة، وأنا بتاع الصفحة الأولى”.

استغلال الصحافة

 ويعترف غانم مرة أخرى بأنه استغل عمله في بلاط صاحبة الجلالة ليحقق طموحه في الرواية والأدب وبالتالي فهو لم يخلص للصحافة: “لا يهمني على الإطلاق لقب رئيس تحرير أو رئيس مجلس إدارة ولكن ما يهمني في البداية والنهاية أن تتم محاسبتي وتقييمي على أساس ما كتبت من روايات وقصص، الصحافة أعطتني مساحة لنشر رواياتي وهذا شيء مهم جدًا، وكان في حسابي دائمًا، وإذا كان هناك عيب في عملي كصحفي، فهو أنني لم أخلص للصحافة كصحافة، ولكنني استفدت من وضعي الصحفي لأنشر رواياتي، وحتى عندما كنت أصل إلى مركز صحفي كبير- رئيس تحرير أو رئيس مجلس إدارة- فقد كان ذلك يعنى وصولي إلى مركز أستطيع من خلاله نشر رواياتي، لأن فرصتي في نشر رواياتي عن طريق الصحافة أكبر مما لو لم أكن أشتغل بالصحافة”، يقول غانم.

لم تؤثر الصحافة علي انتاج غانم الأدبي فقد كان من أكثر الروائيين انتاجا، فله أكثر من تسعة عشر كتابا ما بين رواية وقصة قصيرة، منها “الجبل” و”تلك الأيام” و” من أين؟” و”البحر” و”الساخن والبارد” و”الغبي”، و”بنت من شبرا” و”حكاية تو” و”أحمد وداود”‏.‏

في عام 1965، فتحت نقابة الصحفيين باب الترشح لانتخاباتها، وترشح غانم في مواجهة حافظ محمود النقيب التاريخي الذي أرادت بعض دوائر السلطة إزاحته من منصبه، فدعمت غانم بشكل معلن. حسم حافظ محمود المعركة بفارق كبير، وبعد النتيجة أثنى على موقف منافسه “كان موقفا مشرفا من فتحي غانم بعد إعلان النتيجة وفوزي بمنصب النقيب، حين قال: يشرفني أن أكون عضوا تحت رئاستك”.

واعتبر حافظ محمود تعيين فتحي غانم رئيسا لمجلس إدارة دار التحرير التي يعمل بها نوعا من التضييق عليه، لكنه أردف “كان الرجل كريما وظل يعاملني كرئيس له في النقابة، وكان يقول عني: نقيبنا، ولما طلب منه علي صبري أن يفصلني، قال له: كيف أفصل نقيب الصحفيين؟.. تبقى فضيحة، فقال علي صبري: إذن حافظ لا يكتب الافتتاحية، فقال فتحي غانم: ومن يكتبها؟ فقال علي صبري: أنا أكتبها!”.

ممنوع بقرار ساداتي

مع رحيل عبد الناصر وصعود السادات إلى رأس هرم السلطة بدأ غانم صفحة جديدة من حياته، فعزل من عمله ومنع من الكتابة أكثر من مرة. فعند عودته من أحدى رحلاته الصحفية إلى موسكو استدعاه عبد القادر حاتم وزير الإعلام حينها، وأخبره بأن الظروف السياسية تقتضى أن يترك منصبه كرئيس مجلس إدارة دار التحرير ورئاسة تحرير الجمهورية.

 ويروى غانم جانبا عن ذكرياته في هذه الفترة فيقول “جاء الصديق مصطفى بهجت بدوى يزورني في نفس اليوم في بيتي، وقال لي: كل شيء سيكون على ما يرام وأنى أستطيع أن أكتب، وأرسلت مقالاً إلى الصحيفة التي كنت رئيسًا لتحريرها منذ أيام، وبعد يوم جاءني في الليل بعض العمال ومعهم بروفة المقال، وقالوا لي: عرفنا أنهم أخبروك بأن العمال رفضوا جمع المقال، وهذا كذب، ها هو المقال تم جمعه وتصحيحه، لكنهم يمنعون النشر ولا يريدون الاعتراف بذلك”.

ويضيف:” ابتسمت ..كنت أعلم أن هذه هي الرقابة على طريقة السادات.. المهم أنني جلست في منزلي، وفى هذه الفترة كتبت رواية “زينب والعرش” ثم “حكاية تو” وفى نفس الوقت عدت إلى مقاهي الشطرنج”.

أنور السادات                                               فتحي غانم

في  هذا الوقت كان عبدالرحمن الشرقاوي قد تولى رئاسة مجلس إدارة “روز اليوسف” ويرأس تحريرها وهو صديق حميم وقديم لغانم، ويذكر له أنه عندما صدرت الأوامر بمنعه من الكتابة ورفضت الرقابة طبع ونشر روايته “الفلاح” ومسرحيتيه “الحسين ثائرا” و”الحسين شهيدا”، أن غانم تحدى قرار المنع ونشر الرواية والمسرحيتين فى “الجمهورية”.. فأراد الشرقاوي أن يرد الجميل ويدعو غانم إلى العمل في “روز اليوسف”، لكنه لم يفلح في  ذلك .

 وعن تلك الواقعة يقول فتحي غانم في شهادته عن مناخ الحرية الزائف ،الذي حاول السادات أشاعته: “ثبت أن ما يستطيع كاتب أن يفعله على مسئوليته في عهد عبدالناصر لا يستطيع أن يفعله أحد على مسئوليته في عهد السادات” مضيفا ” اتصل بي الشرقاوي يرجوني أن نلتقى في فندق شبرد وقال لي ونحن نحتسى القهوة إنه يرى ألا أذهب إلى روز اليوسف لفترة قد تطول، ولكنه يحتاج إلى بعض الوقت لإزالة عقبات تحول دون السماح لي بدخول المبنى أو تحول – طبعاً – دون الكتابة”.

بعد حرب أكتوبر تمكّن الشرقاوي من إقناع السادات بالاستعانة بصديقه فتحي غانم ثم بضم صلاح حافظ إلى “روز اليوسف”، لكن السادات لم يحتمل بقاء الثلاثة معا فقرر الإطاحة بهم بعد موقف “روز اليوسف” من أحداث 18 و19 يناير عام 1977، واعتبر أنه تلقى “طعنة من الخلف”، فالمجلة أصرت على وصف الانتفاضة بـ”الشعبية” أو “الخبز” متحدية وصفه لها بأنها “انتفاضة حرامية”، وانتهى الأمر بعزل الشرقاوي وحافظ وغانم.

هيكل و”الرجل الذي فقد ظله”

اجتهد البعض في تفسير روايتي “زينب والعرش” و”الرجل الذي فقد ظله” لفتحي غانم بحثا عن ملامح لهيكل بين أبطالهما، خاصة وأن الروايتين تدوران في كواليس عالم الصحافة بكل ما فيه من براعة وشراسة، ألا أن غانم أنكر ذلك في مقال كتبه قبل وفاته في مجلة “صباح الخير”، في يناير عام 1999 وقال: كان يوسف عبدالحميد السويفي بطل رواية (الرجل الذي فقد ظله) شخصية بريئة وماكرة وانتهازية في نفس الوقت، وكان قد مضى على ثورة 23 يوليو أكثر من ثماني سنوات فسقطت خلال هذه السنوات هالات أحاطت برجال الثورة كانت ترفعهم إلى مصاف الأبطال الأسطوريين وظهرت بينهم أعراض الضعف الإنساني.. ومن هنا كان تفكيري في براءة يوسف وطفولته من ناحية وأمانته في النفاق من ناحية أخرى، وكان لابد أن يكون قد شق طريقه إلى القمة بعد معارك اقتحمها ببراءته ومكره ونفاقه. كنت أتصوره الصحفي الأول في مصر، ومن هنا قلت لجمال كامل وهو يسألني عن شخصية يوسف ليرسمها، أنه محمد حسنين هيكل لأنه كان الصحفي الأول في مصر، وكان مقربا من جمال عبدالناصر، لكنه كان أبعد ما يكون عن شخصية يوسف عبدالحميد التي أريد كتابتها ولا يقتصر البعد عن اختلاف حياة كل من يوسف وهيكل فلا صلة بين وقائع حياة الشخصية الروائية ووقائع حياة الشخصية الحقيقية.

ويكمل غانم: كانت الصداقة التي جمعتني بهيكل تعود إلى بداية حياته كصحفي، وكان يتعامل في عالم الصحافة بيقظة شديدة وانتباه مستمر لكل ما يدور حوله وكان سلاحه الذي ينتصر به هو الخبر الذي يحصل عليه، ولذلك كان بعيدا تماما عن مفهوم البراءة والمكر والنفاق عند يوسف.. وللحقيقة لم يصل هيكل إلى القمة بالطرق التي لجأ إليها يوسف

ويرى غانم أن العلاقة توطدت بين هيكل وعبدالناصر لأنه اعتمد على كفاءته ولا شيء آخر، “هذا هو هيكل الذي عرفته وهو يختلف تماما عن يوسف السويفي مظهرا ومخبرا فلا صلة بين الاثنين سوى أن كليهما يحتل المركز الأول المقرب من الزعيم”.

ويتابع: فاجأني محمد التابعي وأنا في بيته قائلا: هل اتصلت بهيكل.. فقلت: لا، فقال: أفضل أن تتصل به لأنه سألني إذا كانت الرواية التي أكتبها عنهما… التابعي وهيكل أم ماذا؟. وذهبت إلى هيكل في مكتبه بـ (الأهرام) فقابلني ضاحكا في سخرية قائلا بالإنجليزية: أهلا بالرجل الذي فقد عقله.. ولم يستغرق الأمر أكثر من دقيقة لنضحك معا، لأنه يعرف أن يوسف شخصية أخرى.

ما أثار اللغط حول ارتباط شخصية السويفي بهيكل أن جمال كامل عندما رسم لوحة الكتاب الرابع في رباعية (الرجل الذي فقد ظله)، وضع في صدر اللوحة شابا في مقتبل الحياة وفي الركن الأسفل للوحة كتب تاريخ ميلاد الشاب 23 سبتمبر 1923 وهو تاريخ ميلاد هيكل، و”هكذا ساهم جمال بطريقة ما في اشاعة العلاقة بين يوسف وهيكل”.

وفي هدوء رحل فتحي غانم، في ليل 24 فبراير من عام 1999، تاركًا روايته الأخيرة “ست الحسن والجمال”، لينهي ما يقرب من خمسة عقود من الكتابة في الأدب والصحافة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: