منوعات

إطلالة تاريخية في مئويتها.. 1919 ثورة شعب من أجل الاستقلال والدستور (2)

حين نطّل على الفترة الممتدة من مارس سنة 1919 حتى أبريل سنة 1923 سنكتشف من الوهلة الأولي أننا أمام فترة تبدّت فيها روح النضال والتوحد بين عناصر الأمة، في مواجهة مع ثنائي القهر والاستبداد، القهر المتمثل في الاحتلال، وروح الاستبداد المتأصلة في حكام أسرة محمد علي، كانت الوحدة الوطنية في أوج تجسيدها، وكانت الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال والدستور قد بدأت تحقق انتصاراً تلو الآخر، رغم الكثير من العقبات الطبيعية والعقبات المصنوعة، سواء تلك التي جاءت من قبل الاحتلال والقصر، أو تلك العقبات الناشئة عن اختلاف الرؤى والأهداف داخل الصف الوطني المصري.

 ولا شك أن إصدار دستور سنة 1923 كان الإنجاز الأكبر لثورة سنة 1919، وقد جاء تتويجاً لمرحلة طويلة من النضال الوطني، وشكَّل بداية مرحلة جديدة استمرت حتى قيام ثورة 1952، وهكذا هو التاريخ المصري حلقات متتابعة، وموجات مد وطني، تخفت حيناً وتثور أحياناً، تحقق إنجازات، وتخفق أحيانًا في الوصول إلي أهدافها، ولكنها أبداً لا تتوقف عن التواصل والاستمرار.

لجنة دستور 1923

 كما جاء دستور 1923 خلاصة لحركة دستورية تعود إلي ستينيات القرن 19، ولكفاح وطني ضد سلطة الاحتلال تمثل في ثورة 1919، لذلك أكد هذا الدستور أن جميع السلطات مصدرها الأمة واستعمالها يكون علي الوجه المبين بهذا الدستور، وقد اعتبر أغلب الفقهاء دستور 1923 خطوة مهمة في التطور الدستوري والسياسي لمصر. فقد نقل نظام الحكم فيها من مرحلة الحكم المطلق إلى مرحلة الحكومة الدستورية والحكم الملكي المقيد، وأكد مفهوم الدولة القانونية التي تقوم على توزيع السلطات العامة بين الملك والوزارة والبرلمان، كما عبر عن انتقال مصر من وضع الدولة التابعة إلى وضع الدولة المستقلة قانونياً ومن ثم نصت المادة الأولي منه علي أن مصر دولة ذات سيادة وهي حرة مستقلة . كما أنه كان  أكثر ارتباطاً بالمبادئ الدستورية والنيابية الحديثة عما سبقه من الدساتير المصرية، وقد تأثرت اللجنة التي قامت بوضعه بعدد من الدساتير الأوروبية، وخاصة الدستور البلجيكي.

الملك فؤاد وولي العهد الامير فاروق

  وقد كان دستور 1923 تعبيراً دقيقاً عن توازن القوى في المجتمع المصري، والتي توزعت بين الاحتلال من ناحية والقصر الملكي من ناحية ثانية، وقوة الشعب المتطلعة إلى إقرار عقد اجتماعي ينقل البلاد إلى حكم دستوري حقيقي من ناحية ثالثة. وكما شّكل هذا الدستور نقلة نوعية على مسار النضال الشعبي من أجل الديمقراطية، فقد جاء خطوة مهمة في التطور الدستوري والسياسي لمصر، فقد نقل نظام الحكم فيها من الحكم المطلق إلى مرحلة الحكومة الدستورية والحكم الملكي المقيد، وأكد مفهوم الدولة القانونية التي تقوم على توزيع السلطات العامة بين الملك والوزارة والبرلمان، ولا يمكننا أن نعزل دستور سنة 1923 عن الأفكار الرئيسية التي كانت سائدة في فترة وضعه، خاصة تلك المتعلقة بالتيار الليبرالي الذي كان يتطور تطوراً واضحاً عبر دول العالم، والذي يؤسس للحرية الفردية سياسياً واجتماعياً وثقافياً، وأن تكون سلطة الدولة مركزة في مسائل الدفاع ضد القوى الخارجية والأمن الداخلي والقضاء، ثم كانت هناك الأفكار التي تتبنى مبدأ سيادة الأمة، والذي كانت ترجمته الدستورية أن الأمة مصدر السلطات، وأنها تمارس سلطتها عن طريق برلمان منتخب، وجعل السلطة التشريعية خالصة للبرلمان، وقصر دور الملك على حق الاعتراض، الذي يقتصر بدوره على إعادة دراسة التشريع، وليس إلغاءه، أو رفضه، وعلى هذا الأساس نفسه تأسس مبدأ آخر لا يقل أهمية عن أن تكون الأمة هي مصدر السلطات، وهو إقرار مسئولية الوزراء مسئولية جماعية وفردية أمام البرلمان، وحقه في سحب الثقة من أحد الوزراء، أو من الوزارة كلها.

صورة ذات صلة

البرلمان

ولا شك أن الضلع الثالث من أضلاع الأفكار التي بنيت على أساسها نصوص دستور سنة 1923 هو مبدأ الفصل بين السلطات: التنفيذية، والتشريعية، والقضائية، وتحقيق التوازن بين هذه السلطات الثلاث بقدر الإمكان، ولقد أرسى دستور سنة 1923 عدة مبادئ أصبح الرجوع عنها صعباً من بعده، وخاصة تلك التي تتعلق بأن الأمة هي مصدر السلطات، والمساواة بين المصريين أمام القانون، وأن تكون ولاية المناصب مقصورة على المصريين، وكفالة الحريات الشخصية والعامة وحرية الصحافة، وحرمة المساكن وحرمة الملكية الشخصية وحظر نفي المصريين خارج البلاد، ومجانية التعليم الأولى وجعله إلزاميا.

وكان من بين أهم ما قرره دستور سنة 1923 مبدأ رقابة البرلمان على أعمال الحكومة وحقه في سحب الثقة من الحكومة أو الوزراء، وتأكيده على استقلال القضاء، وأن تكون ولاية الملك لسلطاته بواسطة الوزراء، إضافة إلى عدم جواز تعطيل أي حكم من أحكام الدستور إلا في حالات خاصة حددها.

الملك فاروق

كان دستور 1923 إذن خطوة مهمة للحياة الديمقراطية، لكنه لم يخل من أوجه النقد، خاصة أنه أعطي الملك الحق في حل البرلمان وإقالة الوزارة، فمكّن الملك وهو صاحب السلطة التنفيذية من التحكم في السلطة التشريعية وهي البرلمان. فأكثر ما يعيب دستور سنة 1923 أنه صيغ على أساس كونه منحة من الملك،. ولذلك فقد استمرأ الملك  دائماً العدوان على الدستور، أو تعطيل أثر أحكامه، أو العبث بها بألاعيب السياسة والحكم، وظل الشد والجذب قائماً بين رغبة الملك في توسيع سلطاته على حساب الدستور، وبين الرغبة الوطنية في الحفاظ على الدستور وعدم المس بأحكامه. ومن أول يوم وعقب انتهاء اللجنة القانونية التي أعدته ،عهد الملك إلى اللجنة التشريعية لوزارة الحقانية ( العدل) تعديل مشروع الدستور لتوسيع سلطات الملك على حساب الشعب، ولم يطرح مشروع الدستور للاستفتاء العام، ولكنه صدر بأمر ملكي ليبقى راسخاً أن الدستور منحة ملكية يستردها وقتما شاء.

ثم جاءت التجربة الواقعية على الأرض لتكشف كيف أن الملك والاحتلال بالتحالف بينهما مرات، وبالتنافس مرات أخرى أضعفا عن عمد وسابق تصميم التجربة النيابية الدستورية، وحولاها في بعض الأحيان إلى أسوأ نموذج لحياة نيابية، واتخذ الملك لنفسه أحزاباً جعلها جزءاً من أدواته في التحكم في الحياة السياسية، وحوّل التنافس الطبيعي بين الأحزاب إلى اقتتال حزبي على المصالح الضيقة التي ضيعت المصالح العليا للبلاد، وكانت الممارسات الانتخابية في الحقبة المسماة بالليبرالية قد مسخت جوهر النظام الليبرالي، وبذلك كله لم يحقق دستور سنة 1923 حياة نيابية سليمة.

عانت الحياة البرلمانية المصرية في أعقاب دستور سنة 1923 من تدخلات الملك فؤاد التي لم تتوقف لحظة واحدة، في محاولة دائمة ودؤوب من أجل تقليص صلاحيات وسلطات المجلس النيابي وتعظيم سلطته في مواجهة سلطة البرلمان، ولم تتوقف ألاعيب الملك فؤاد، وبدأت في عهده سُنة تزوير الانتخابات لصالح حزب أو ضد حزب بعينه، وجاءت ذروة التزوير في انتخابات سنة 1928م الذي زورها محمد محمود باشا لإسقاط الوفد بناءً علي رغبة القصر، واستغل القصر ومعه حكومات الأقلية الأحكام العرفية التي قاموا بفرضها في معظم الأوقات لتكميم الصحافة وإرهاب أحزاب المعارضة في مجلس النواب لمنعها من انتقاد الحكومة.

محمد محمود بين أعضاء وزارته

لم يستطع الملك فؤاد أن يتحمل دستور سنة 1923 وما تمخض عنه من حكومة أغلبية وفدية ومجلس نيابي قوي يسيطر عليه الوفد، فعمد إلي إنشاء أحزاب موالية للقصر لتوازن قوة الوفد وحزب الأحرار الدستوريين في الانتخابات وفي المجلس، فنشأ حزب الاتحاد الموالي للقصر، ولكنه مني بهزائم متوالية في الانتخابات، وحين لم تفلح لعبة الأحزاب الموالية لجأ الملك إلي استخدام الداهية إسماعيل صدقي وكلفه بتشكيل الوزارة، التي اعتبرت أكثر الوزارات اعتداء علي الدستور وامتهاناً للحياة النيابية. وهي الوزارة التي قامت بإلغاء دستور  1923، وأصدرت دستور سنة 1930، الذي حقق للملك ما كان يصبو إليه، فأعطاه صلاحيات واسعة، حتى سمي بدستور الملك في مقابل دستور 1923م الذي سمي بدستور الشعب.

احتجاج الشعب على دستور 1930

كان الأساس الذي يدور حوله قرار إلغاء دستور سنة 1923 ووضع دستور سنة 1930 هو تعظيم سلطات الملك وصلاحياته، وتقليص السلطات الأخرى، ليبقى دور الملك فوق كل الأدوار، ومتحكما فيها ،ويتضح  ذلك من مراجعة سريعة لأهم ما جرى تعديله في الدستور الجديد:

* أعطى دستور سنة 1930 للملك سلطة إلغاء الدستور وقتما شاء بدون التقيد بالقواعد الدستورية، وكان من اللافت أن دستور سنة 1923 ألغى بالأمر الملكي الذي صدر به الدستور الجديد، وكلا الأمرين، إلغاء دستور، وصدور دستور جديد، بهذه الطريقة، يشيران إلى أن الدستور منحة ملكية، وليست حقا أصيلاً من حقوق الأمة.

*حصن دستور سنة 1930 ضد أي تعديل فيه خلال العشر سنوات التالية لصدوره، ليضمن بقاء أحكامه حتى ولو جاءت إلى الحكم حكومة وبرلمان يتطلعان إلى إعادة التوازن إلى نصوص الدستور، بتقليص صلاحيات وسلطات الملك وتوسيع صلاحيات الحكومة والبرلمان.

* وضع دستور سنة 1930 قيوداً كثيرة على حق المجلس النيابي في سحب الثقة من الحكومة، ليحصن أوضاع حكومات الأقلية في مواجهة برلمانات تتحكم فيها الأغلبية الوفدية.

* على خلاف دستور سنة 1923 الذي كان يلزم السلطة التنفيذية بتحديد يوم محدد لإجراء انتخابات مجلس النواب في حالة حل المجلس، وكذا تحديد يوم محدد لانعقاد المجلس الجديد، فإن دستور صدقي باشا جعل هذا الأمر مطاطا بتحديد فترة ثلاثة أشهر تجرى فيها الانتخابات وأربعة أشهر لانعقاد المجلس.

* أعطى دستور  1930 للسلطة التنفيذية حق التشريع وحق تقرير اعتمادات مالية جديدة مدة سبعة شهور في السنة في غيبة البرلمان، كما أعطى للسلطة التنفيذية حق نقل اعتماد مالي من باب إلى آخر في الميزانية بدون الرجوع للبرلمان.

*زاد دستور 1930 نسبة الأعضاء المعينين في مجلس الشيوخ من 40% إلى 60%، فأصبحت أغلبية مجلس الشيوخ من المعينين من الملك.

*نص دستور سنة 1930 على إمكانية تعطيل الصحف بقرار من محكمة الاستئناف في جلسة سرية.

* ألغى دستور سنة 1930 النص الذي كان يلزم المجلس النيابي بإقرار الميزانية قبل فض الدورة، وأعطى حق اقتراح القوانين المالية للملك منفردا دون مجلس النواب.

ـ*أعطى دستور سنة 1930 الحق للملك إذا لم يوافق على مشروع قانون أن يتركه لمدة شهرين بدون رد، ولا يجوز للبرلمان النظر في المشروع المرفوض في نفس دور الانعقاد، بينما كان دستور 1923 ينص على أنه إذا لم يرد الملك التصديق على مشروع قانون أقره البرلمان، فإنه يرده إليه في خلال شهر لإعادة النظر فيه، وإذا لم يرده اعتُبِر هذا تصديقا عليه، أما إذا رُد وأقره البرلمان مرة ثانية بأغلبية الثلثين صار له حكم القانون ويصدر.

*جعل دستور سنة 1930 تعيين شيخ الأزهر منوطاً بالملك وحده، وأضاف إلى ذلك شيوخ المذاهب الأربعة وشيوخ الكليات، بينما كان دستور سنة 1923 ينص على أن تعيين شيخ الجامع الأزهر يكون طبقا للقانون، وقد حدد القانون أن يكون هذا التعيين بأمر ملكي بناء على ما يعرضه رئيس مجلس الوزراء.

متظاهرات ضد دستور صدقي في قسم أول طنطا 17 مايو 1931

جاء دستور الملك مرسخاً للاستبداد وسالباً من الأمة مكتسباتها التي حققتها بعد نضال طويل بدأ منذ عام 1795، ولعل أسوأ ما كان في ذلك  الدستور، دستور فؤاد وصدقي، إنه عاد بمصر إلى الوراء كثيرا عندما جعل الدستور منحة من الملك لا عقدا بين الأمة والملك، لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد ،بل كانت نصوص الدستور نفسها نكوصا وتراجعا عما حققه المصريون في دستور سنة 1923.

ويرصد المؤرخون الذين أرّخوا لتلك الحقبة وفي مقدمتهم: عبد الرحمن الرافعي الذي كان معاصرا للأحداث، والدكتور عبد العظيم رمضان والدكتور ضياء الدين الريس، مثال ذلك الدستور في عدة نقاط:

 -أولها: أنه قيد المسئولية الوزارية، أي حق مجلس النواب في طرح الثقة بالحكومة وجعل ممارسة هذا الحق الذي يعد أساس أي نظام برلماني سليم أمرا مستحيلا، وقد اقتبست كل الدساتير التي وضعت بعده هذا المنطق من إسماعيل باشا صدقي، ذلك المنطق الذي حول المجالس النيابية إلى مجالس منزوعة القوة.

-وثانيها: أن سلطة الملك في حل البرلمان لم تعد مقيدة بتحديد موعد لإجراء الانتخابات الجديدة يتضمنه قرار الحل، كما لم يعد واجبا على الملك دعوة البرلمان لدورة انعقاد طارئ متى طلب ذلك أغلبية الأعضاء مثلما كان عليه الحال في دستور 23، بل ترك الأمر كله لتقدير الملك، كما أنه جعل أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ معينين بعد أن كانت أغلبيتهم من المنتخبين، مما أضعف سلطة البرلمان.

-وثالثها: أنه وسع من حقوق السلطة التنفيذية ومنحها حق التشريع طوال فترة غياب البرلمان والتي تمتد لسبعة أشهر، كما قيد من سلطات البرلمان في مراقبة الميزانية ومنح الحكومة حق تعديلها دون الرجوع إلى البرلمان، بل حرم البرلمان من حق اقتراح القوانين المالية وقصر هذا الحق على الملك وحده! كما جعل للملك حق إهمال أي قانون يقره البرلمان واعتبر الدستور الجديد أن عدم تصديق الملك على القانون لمدة شهرين يعتبر رفضا له، ولا يجوز للبرلمان النظر فيه مرة أخرى إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلسين، وأعطى كذلك للملك وحده حق تعيين شيخ الأزهر والرؤساء الدينيين في مصر، بعد أن كان هذا حقا للحكومة الحائزة على ثقة البرلمان المنتخب، أي حق من حقوق الأمة من خلال ممثليها.

أما أخطر التجاوزات في دستور صدقي  فهي تقنينه للتعدي على الحريات العامة، عندما “دستر” تعطيل الصحف بقرار من محكمة الاستئناف، في جلسة سرية. وحتى هذا النص الشاذ لم يلتزم به صدقي، فقد لجأ إلى تعطيل الصحف بالطرق الإدارية منذ بداية عهده، ففي يوليو 1930 وعقب مظاهرات الإسكندرية التي سقط فيها 20 شهيدا، أغلقت الحكومة صحف كوكب الشرق والبلاغ واليوم إغلاقا نهائيا، مع قرار مسبق بتعطيل أي صحيفة جديدة تكون غطاء لواحدة من تلك الصحف المعطلة. وكانت تلك الصحف الثلاث من صحف الوفد، لكن انتهاك الحريات طال بعد ذلك صحف حزب الأحرار الدستوريين عندما انضم الحزب بقوة إلى الوفد في معارضة دستور 30، فعطلت الحكومة جريدة السياسة لسان حال الأحرار، كما عطلت أيضا المؤيد الجديد وصدى الشرق والأحرار الدستوريين، وغيرها من الصحف.

عبد الرحمن الرافعي                 الدكتور عبد العظيم رمضان              الدكتور ضياء الدين الريس

واستكمالا لمقومات الاستبداد حلّ الملك جميع مجالس المديريات، وأصدرت حكومة صدقي قانونا جديدا للانتخابات ملحقا بالدستور، ألغى مبدأ الانتخاب المباشر، وجعل الانتخابات على مرحلتين، في الأولى يختار الناخبون مجمع انتخابي، ثم يقوم أعضاء هذا المجمع بانتخاب البرلمان نيابة عن الناخبين، كما رفع القانون سن الناخب إلى 25 سنة، واشترط في عضو المجمع الانتخابي شروطا مالية وتعليمية استبعد بها معظم المواطنين، كما حرم جميع المشتغلين بالمهن الحرة من محامين وأطباء ومحامين وصحفيين ومهندسين من خارج القاهرة حق ترشيح أنفسهم لعضوية البرلمان.

وفي فبراير 1931 عدّلت الحكومة قانون العقوبات لتستحدث نصوصا تعاقب على التعبير عن الرأي من خلال الصحافة، ومن تلك النصوص التي ما زالت آثارها قائمة إلى يومنا هذا، عقاب من ينشر أخبارا  بشأن تحقيق جنائي قائم، ومن ينشر أمورا من شأنها التأثير في القضاة أو رجال النيابة أو غيرهم من الموظفين المكلفين بالتحقيق، أو التأثير في الرأي العام.

وبعدها بأشهر قليلة عدلت الحكومة قانون العقوبات مرة أخرى لتشدد العقوبات على “جرائم” النشر التي تقع عن الطريق الصحف وغيرها من طرق النشر، واستحدثت مصطلحات تحكمنا إلى يومنا هذا مثل “الإضرار بالمصلحة العامة” ، و”الإخلال بالنظام العام”،” و”التحريض على قلب نظام الحكومة” ، “والتحريض على كراهية النظام أو الازدراء به”. كما وضعت الحكومة قانونا جديدا للمطبوعات تضمن شروطا تعجيزية لإصدار الصحف، وكان صدقي قد أكمل ديكور نظامه الجديد بتأسيس حزب يسانده مثلما فعل زيور باشا في الانقلاب الدستوري سنة 1925 عندما أسس حزب الاتحاد، وأسمى صدقي حزبه حزب الشعب زورا وبهتانا، فقد كان أبعد ما يكون عن الشعب.

هكذا تبلورت الأزمة التي لخصها المؤرخ الكبير محمد شفيق غربال بقوله: “إن ما حاوله صدقي باشا في دستوره الجديد انتقاص من حقوق حصل عليها الشعب، وإنه من الطبيعي ومن المشروع أن يدافع الشعب عن تلك الحقوق، وقد حاول صدقي باشا أن يحمله على الإذعان، فكانت واحدة من أهم وأروع المعارك التي خاضها الشعب في مواجهة العدوان على الدستور.

محمد شفيق غربال

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: