ثقافة

ثروت عكاشة.. الرجل الذي أوكلت إليه مهمة صياغة الوجدان الوطني

على يده ولدت فكرة اقامة معرض القاهرة الدولي للكتاب، فكان طبيعيا أن يتم اختياره شخصية الدورة الذهبية لهذا المعرض الذي يحتفل هذا العام، بمرور نصف قرن على تأسيسه. إنه الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة الأسبق الذي أوكل اليه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر مهمة تشكيل الوجدان الوطني والثقافي للمصريين، فأسس أول سياسة ثقافية لمصر ما بعد ثورة يوليو 1952.يعتبره كثيرون أعظم وزير تولى وزارة الثقافة في تاريخها، بينما يصفه آخرون بأنه العسكري الذي أسس الثقافة المصرية.. ومواكبة للاحتفاء بالدكتور عكاشة وعطائه الثقافي الحافل، ينشر موقع “أصوات أونلاين” هذا المقال للكاتب محمد سيد ريان، والذي يسلط فيه الضوء على مسيرة الرجل الذي وضع البنية الأساسية للثقافة المصرية الحديثة”

كانت الثقافة بعد قيام ثورة يوليو أحدى أدوات العهد الجديد لتثبيت دعائمه وقدرته علي إدارة شئون البلاد، وكان الاعتماد في ذلك علي وزارة الإرشاد القومي التي كانت تضم بداخلها وزارة الثقافة بشكلها الحالي قبل أن تنفصل عنها بعد ذلك، وكان الكتاب والادباء والمفكرون في تلك الفترة يعتبرون الوزارة بمثابة المُنفّذ لمباديء الثورة في المجال الثقافي. وكانت تلك النظرة واضحة عند الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الذي قال لثروت عكاشة، وفقا لما رواه عكاشة نفسه في مذكراته، “إن مهمتك هي تمهيد المناخ الثقافي لإعادة صياغة الوجدان الوطني والقومي والأخلاقي.. وبناء الإنسان أصعب جدا من بناء المصانع”.

وتعد الفترات التي فيها عين فيها ثروت عكاشة وزيرا للثقافة سواء في الوزارة الأولي (١٩٥٨ – ١٩٦٢) أو حين جاء مرة أخري كنائب رئيس الوزراء ووزير للثقافة في عامي (1966- 1970) من أهم الفترات في تاريخ الوزارة.

وعن الوضع القائم قبل توليه منصب وزير الثقافة وتأسيس نواة الوزارة الأساسية يقول عكاشة فى مذكراته “وما إن أخذت أمضى فى مهمتى حتى تبين لى من الدراسات الأولى أنه لم يكن ثمة جهاز ثقافى قائم له تقاليده العريقة بحكم امتداد عمره الطويل عبر التاريخ إلا فى مجالين اثنين هما الكتاب والآثار، أعنى دار الكتب ومصلحة الآثار، أما ما عدا ذلك فلم يكن سوى نواتين إحداهما أدبية وأخرى فنية، أما النواة الأدبية فقد غرستها وزارة التربية والتعليم بإنشائها إدارة عامة للثقافة انضمت بعد بهيئاتها المختلفة إلى وزارة الثقافة، وأما النواة الفنية فهى مصلحة الفنون التى أنشأها سلفى”فتحى رضوان”كما قدمت لترعى فنون المسرح والسينما والفنون التشكيلية، واستحدث من هذه المصلحة الوليدة جهازا له من المرونة والقدرة على الانطلاق والتحرر من القيود النمطية المعتادة ما يتيح له الانفساح وسط الحقول الثقافية العريضة على النحو الذى يفى بتطلعات شعبنا وحاجاته”.

ثروت عكاشة وزير الثقافة يكرم الفنانين والادباء وعلى رأسهم عبد الحليم حافظ وفريد الاطرش

عكاشة والسياسة الثقافية لمصر

وعلى الرغم من الأعمال العديدة  والجليلة التي قام بها الدكتور ثروت عكاشة خلال فترة توليه مسئولية وزارة الثقافة، إلا أن أعظم اعماله بلا شك كانت محاولته في وقت مبكر جداً وضع سياسة ثقافية للمصريين، لتكون بمثابة خطا عاما يحدد خطوات مصر الثقافية بكل ثبات وثقة نحو مستقبل أفضل.

ويشير مصطلح السياسات الثقافية بشكل مختصر إلى أنه مجموعة القيم والمبادئ التي تُوجِّه المجتمع في شئونه الثقافية. ومفهوم السياسة الثقافية مفهوم جديد ظهر بالتحديد سنة ١٩٦٠، حين بدأت بعض الدول الاعضاء في اليونسكو- منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة – في فصل الثقافة وشئونها عن متطلبات التربية، لأن الموضوعين وإن اتفقا في الجوهر والهدف، فإنهما يختلفان في المكونات والعناصر. وقد انتبهت وقتها كثير من الدول ومن بينها مصر، لضرورة وضع سياسة ثقافية، وهى فكرة وليدة للتخطيط  لميادين اخرى مثل سياسة الاقتصاد والتنمية الزراعية وسياسة الاسكان وغيرها من المجالات.

وهذا ما جعل منظمة اليونسكو تأخذ الموضوع بجدية، بما يحمل من خطورة وأبعاد كثيرة، فعقدت عدة مؤتمرات على مستوى كل مناطقها الجغرافية، بحثا عن وضع سياسات ثقافية تجمع العناصر الاساسية لكل مجموعة من الدول التي لها طابعها الخاص بها واحتراما للهوية الثقافية.

 وفي مذكراته يوضح ثروت عكاشة أهمية وضع سياسة ثقافية أو ما أسماه الإطار العام للعمل الثقافي بعد أن استقر الاتجاه العالمي علي أن السياسة الثقافية يجب ان ترتبط بالخطة الشاملة للتنمية، وبمعني أخر ترتبط السياسة الثقافية بالسياسة الإقتصادية للمجتمع وبالتطور العلمي والتكنولوجي فيه. وفي سبيل تحقيق  ذلك عقد عكاشة سلسلة من اللقاءات مع كبار المثقفين حتى لا تكون سياسة وزارة الثقافة، سياسة فوقية يتخذها الوزير مع نفر من أعوانه، وقد خلص بعد هذه اللقاءات  إلى أن أنسب شكل يستطيع من خلاله التعرف على مشكلات الواقع الثقافي في مصر، هو حشد أكبر عدد من المفكرين والأدباء والنقاد والفنانين في مؤتمر عام للثقافة. كان من نتائجه اكتشاف الرؤية الثقافية كاملة على لسان أصحابها. وكأنه بذلك قد انطوى عزمه على ألا يتخذ قرارًا إلا إذا كانت الشورى رائدة له، ولغيره، ومن هذا تركزت في ذهنه فكرة ثقافية متكاملة في جملتها وتفصيلها، وهي أنه لا ازدهار لثقافة قومية إلا إذا عبرت بصدق عن فئات المجتمع كله.. القرية والمدينة، ولا يمكن قيام ثقافة جامعة إلا إذا أتيح للجميع الارتشاف من المناهل الثقافية العالمية، ولا يمكن تصور قيام أي نهضة ثقافية قبل محاولة إزالة الحواجز والحدود بين طبقات المجتمع.

ويعتبر البيان الذى ألقاه الدكتور ثروت عكاشة أمام لجنة الخدمات بمجلس الأمة فى 16 يونيو 1969 ، ونشره بعد ذلك في مطبعة دار الكتب تحت عنوان (السياسة الثقافية) هو أهم الوثائق في هذا المجال على الإطلاق. ويوضح فى هذا الشأن أن السياسة الثقافية ليست قالباً تصب فيه الأشياء، كما أنها ليست كياناً مادياً يمكن أن يقاس بالطول أو العرض او العمق.

ثروت عكاشة وزير الثقافة يسلم أم كلثوم جائزة الدولة التقديرية

الثقافة والجماهير العريضة

 وقد أشار ثروت عكاشة في بيانه إلى نقطة غاية في الأهمية وهى أن أي سياسة ثقافية مهما بلغت دقتها وسموها لن تستطيع في أية دولة أن تعد بأن تقدم للناس عبقريات او شوامخ ك”بيتهوفن” أو شكسبير. أما ماتستطيع أن تعد به وزارة الثقافة من خلال سياستها الثقافية، فهو إنجازات ثقافية للجماهير العريضة من الناس على قدر طاقتها، وعلى قدر معاونة المثقفين لها فى تضحية وإنكار للذات، ولعل هذه الإنجازات تتفتق عنها العبقريات والشوامخ .

غير ان اهم ماجاء في بيان السياسة الثقافية هو التوقف عند مشاكل التطبيق فيبين ثروت عكاشة أن “ما يفرضه المنطق في هذا المجال أن نحصر احتياجات المجتمع الثقافية، ثم نحصر مالدينا من إمكانيات مادية وإنسانية قادرة على العطاء، وبعملية حسابية بسيطة نتبين إحتياجنا إلى إستكمال اجهزتنا”.

ربما ساعدت الظروف ثروت عكاشة، فقد كانت الإتجاه العام للمثقفين المصريين فى ستينات القرن العشرين، يسير بإتجاه تطبيق الأفكار الإشتراكية فى المجال الثقافى، ومن هنا بدأت حوارات عديدة تدور حول ” ثقافة الكادر والجماهير” ،

د. ثروت عكاشة وزير الثقافة في احتفالية إنقاذ آثار معبد فيلة

وعلى الرغم من أن فكرة الاهتمام ب”الثقافة الجماهيرية” تعود لما قبل ثورة يوليو 1952 حيث أشار إلي أهميتها الزعيم محمد فريد ثم الكاتب الكبير أحمد امين، إلا أن المناداة لتحويل الفكرة لكيان مؤسسي على الأرض يعود للكاتب الصحفى سعد كامل، وفور عودة الدكتور ثروت عكاشة إلى الوزارة مرة أخرى عام 1966 طلب من كامل البدء بوضع مشروعه موضع التنفيذ حيث أصبح لقصور الثقافة التي عمت الكثير من المدن والقرى المصرية دور كبير في هذه الفترة.

لقد كانت السياسة الثقافية تسير وفق مفهوم وحدة الفكر والهدف على المستوى الوطني، بحيث تدور الثقافة مع حركة المجتمع، وأن التجربة الثورية فى الميادين الإقتصادية والإجتماعية لابد وأن يواكبها نفس الشيء فى الميدان الثقافي، سواء أتفقنا مع هذا الأمر أم لا فلابد من وضع الأمور ضمن السياق التاريخى لتلك المرحلة من تاريخ مصر.

 لقد استطاع ثروت عكاشة أن يحقق قبل نحو خمسين عاماً ما نحتاجه الآن وهو ضرورة وضع إستراتيجية مستقبلية للثقافة المصرية، وتمهيد طريق للتقدم انطلاقا من الثقافة والمعرفة الحقيقية.

تحريك ومونتاج: عبد الله إسماعيل
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق