منوعات

العبودية الجديدة: نعمل لنحيا أم نحيا لنعمل؟؟

هل نحيا لنعمل؟ أم نعمل لنحيا؟ سؤال بات يؤرق الكثيرين ممن دخلوا دائرة سوق العمل المفرغة حتى تحولوا لآلات فاقدة للروح والشغف، وهو ما يقود إلى سؤال آخر عن حقيقة انتهاء زمن العبد والسيد، وإذا ما أدى تطور المجتمعات فعلًا لتوفير بيئة أكثر استقلالية وحرية للإنسان المعاصر؟.. الإجابة هي “كاروشي” وهو مصطلحً ياباني ظهر عام 1970 ويعني الموت من كثرة العمل، حيث يبدو أن البشرية تخلصت بالفعل من العبودية القهرية، ليُستعبد الموظفون في هذا العصر بشكل اختياري بواسطة الشركات.

تبدأ رحلة التوظيف بتقدير قيمة البضاعة، وبالبضاعة أعني أنا وأنت، حيث تتفاوت المرتبات والأجور وفقا للمستوى التعليمي ومقدار الخبرة، إضافة إلى المهارات المطلوبة، وأحيانًا يمكن أن يلعب السن والحالة الاجتماعية دورًا، يتم التفاوض على الراتب لتقليله قدر الإمكان، ومن ثم بدلًا من أن تبيع نفسك تمامًا كالعبيد، تؤجر لهم جزءا كبيرا من وقتك وحياتك.

يبدو ذاك اتفاقًا مقبولًا فالموظف يحتاج لجهة العمل كمصدر دخل، وجهة العمل تحتاج إلى قوى عاملة، ولكن المشكلة أن الموظف يكتشف أن دخله يكفيه بالكاد حتى نهاية الشهر، كما أنه يقضي ساعات عمل كثيرة بحيث يتحول عمله من كونه جزءا من يومه إلى محور حياته، ولا تخص تلك المشكلة دولة أو شركة بعينها، فنظام قائم بالفعل في غالبية دول العالم ويقع معظم الناس تحت وطأته.

تتمثل الصورة الذهنية للموظف المثالي عالميًا في ذلك الشخص الذي يقضي ساعات عمل أكثر من المتفق عليه، وفي الوقت نفسه لا يأخذ إجازاته السنوية. فوفقَا لدراسة أمريكية لم يأخذ أكثر من 50% من الموظفين الأمريكيين إجازاتهم السنوية، حيث تعتبر الولايات المتحدة الوحيدة بين دول العالم الأول التي لا توفر للموظفين إجازات مدفوعة الأجر.

وتماشيًا مع ذلك، تحاول بعض الشركات المصرية –خاصة الناشئة – أن تخلق بيئة عمل مرحة وأسرية، بداية من التصميمات الجذابة، وحتى توفير مساحة للاستراحة والغفوة، ليقضي الموظف بها معظم يومه وبالتالي – ودون أن يدري- يصبح عمله هو حياته، وحتى وإن تمكن من العودة لمنزله في موعده، فبفضل التكنولوجيا أصبح بإمكانه أن يعمل بشكل إضافي من المنزل، أو على الأقل يتفقد بريده الإلكتروني عبر الهاتف.

ولكن ما معنى العمل؟ يمكن تلخيص مفهوم العمل بأنه المجهود البدني أو الذهني الذي يبذله الأشخاص بشكل متكرر مقابل أجر معين، لذا فإن العمل هو ثمرة جهد الإنسان والذي من خلاله تقوم الشركات وتُبنى الدول، وبالتالي فإن من يوهب جهده ويفني عمره يحتاج أن يتقاضى أجرًا يسد حاجاته وزيادة، حيث يتطلع من يعمل إلى أن يرتقى بحياته ويتمكن من توفير ولو مبلغ صغير من المال. لكن ما يحدث واقعيًا لأغلب العاملين هو أنه يظل في عبودية مستمرة للأجر، يصارع للبقاء حتى نهاية الشهر ليكرر العملية مرة أخرى وهكذا لبقية حياته.

علاوة على هذا، من المفترض أن يطور الإنسان من مهاراته في كل سنة إضافية يقضيها في مكان عمله، فعلى عكس المتوقع يشعر الناس بالإحباط والاكتئاب إذا أدركوا أن وظائفهم لا قيمة لها، حتى وإن كانوا يتقاضون مرتبات مجزية، فوفقًا لمسح أجراه عالم الأنثروبولوجيا المعروف “ديفيد جرايبر” أعرب حوالي 40% من البريطانيين الذين شملتهم الدراسة  عن اعتقادهم بأن وظائفهم بلا أي معنى.

ديفيد جرايبر

وفي مقالته التي نشرت في موقع “ذا هيل” في شهر أغسطس من العام الماضي، أوضح “جرايبر” أن العديد من الموظفين يشغلون وظائف لا معنى لها تتطلب عمل لمدة ساعة أو اثنتين فقط أسبوعيًا، وباقي الوقت يقضيه الموظف في اللعب على الكمبيوتر أو حتى دون أن يفعل أي شيء على الإطلاق، ولكنهم مضطرون لادعاء أنهم يعملون وأن وظائفهم مفيدة، لأنه ببساطة ليس هناك بديل آخر لهم.

على الجانب الآخر يقول “جرايبر” إن من يعملون في وظائف مكتبية مفيدة فعلًا بالولايات المتحدة أوضحوا في تقرير صدر عام 2016 أنهم يمضون –على أقصى تقدير- نصف يومهم فقط وهم ينجزون مهام متعلقة بوظائفهم الفعلية، بينما يذهب باقي الوقت في إجراءات واجتماعات ورسائل لا فائدة منها، وهي الملحوظة ذاتها التي أكد عليها الأطباء والمعلمون.

ولحل مشكلة الوظائف الوهمية، وقضاء الناس حياتهم في أماكن لا تضيف لهم ولا هم يضيفون لها شيء، وتستنزفهم مقابل توفير أساسيات الحياة دون تقدم أو طموح، يرى “جرايبر” أن الحل يكمن في صرف مرتبات لجميع المواطنين تكفي لسد الاحتياجات الضرورية فقط، وهو ما سيفسح المجال لظهور خيارات الناس الحقيقية، واختفاء ظاهرة الوظائف الشكلية.

للوهلة الأولى يبدو ما دعا إليه “جرايبر” اقتراحا يمكن تطبيقه فقط في المدينة الفاضلة، لكن هذا ما يحدث بالفعل في دول شمال أوروبا تحديدًا مجموعة الدول الإسكندنافية، التي تضم الدنمارك والنرويج والسويد إضافة إلى فنلندا وآيسنلدا، حيث توفر تلك الدول لمواطنيها رعاية صحية مجانية وتعليما مجانيا بما في ذلك المرحلة الجامعية، إضافة إلى الإجازات مدفوعة الأجر السنوية.

ورغم أن معدلات الضرائب مرتفعة في تلك الدول حيث تتجاوز ال50 في المائة من الدخل، إلا أن الحكومة تصرف رواتب شهرية للطلبة ما بين 18 و25 سنة، إضافة إلى الآباء والأمهات الجدد، أما إن  كنت مواطنًا دنماركيًا – على سبيل المثال – وفقدت عملك لأي سبب فإن الحكومة ستصرف لك راتبا لمدة عامين حتى تجد عملًا آخر، لذا لا يمكن أن تجد من يتذمر من دفع الضرائب الباهظة هناك.

ولذلك ليس غريبا أن تحتل تلك الدول المراكز الأولى في تقرير السعادة العالمي الذي تصدره الأمم المتحدة سنويًا منذ عام 2012، حيث حظيت فنلندا بالمركز الأول لعام 2018، في حين كانت النرويج أسعد دولة لعام 2017، أما عام 2016 فكان من نصيب الدنمارك، وهو ما يرجع إلى توازن حياة تلك الدول ما بين العمل والحياة الاجتماعية التي يقدسونها، إضافة إلى انخفاض مستوى الفساد، واتساع حرية  الرأي.وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة  – على سبيل المثال – أغنى من معظم تلك الدول، إلا أن سوء توزيع الثروة، والمشاكل السياسية، وعدم توفر المزايا الاجتماعية الموجودة في الدول الإسكندنافية أدى إلى تراجعها للمركز ال18 في تقرير السعادة العالمي.

ولكن ذلك لا يعني بالطبع أن دول شمال أوروبا هي المدينة الفاضلة أو العالم المثالي، حيث يعاني بعض مواطنيها أيضًا من الاكتئاب والحزن، وهو ما يرجع ربما إلى شتائهم الطويل الذي يمتد معظم العام تقريبًا، وظلامهم الممتد وعدم رؤيتهم للشمس إلا قليلًا، أو حتى شعورهم بالوحدة، ولكن على الأقل فإن نظام حياتهم إنساني وإن لم يكن مثاليا.

ربما سيكون من الصعب أو المستحيل، أن تجد نظامًا مماثلًا في بلدان الشرق الأوسط، لكن على الأقل أحرص على أن تخلق لنفسك حياة آدمية، يمكنك فيها الاستمتاع بحياتك وقضاء الوقت مع أسرتك دون التقصير في العمل. فعلى الرغم من أن العمل هو أحد أهم جوانب الحياة، إلا أنه ليس الحياة بأسرها، لذا فإجابة السؤال المطروح في البداية هي بوضوح: نحن نعمل لكي نحيا، لا نحيا لكي نعمل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: