دار الكتب

«جمهورية الضحك الأولى».. مائة عام من «التنكيت السياسي»

قرابة ٢٥ عاما قضاها “طايع الديب” صحفيا في ظل “غرف التحرير المركزي” بعيدا عن الكتابة بنفسه لنفسه، مكتفيا بأن يكون واحدا من أشطر صنايعية ” الديسك ” في صحف كبري و صغري ومجهولة وتجارب عشوائية لم تستمر هي بينما استمر هو، إلي أن أصدر أول كتبه “جمهورية الضحك الأولى” متزامنا مع معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الذهبية.

بقراءة سريعة لقوائم إصدارات دور النشر يمكن أن نعتبر “جمهورية الضحك الاولي. سيرة التنكيت السياسي في مصر” واحدا من أهم هذه الاصدارات وأكثرها جدية رغم أن موضوع الكتاب هو السخرية .. كما أنه كتاب ممتع رغم كم المساخر التي يناقشها ويعرضها بأسلوب رصين ولغة منضبطة تجمع بين أساليب قدامي الساخرين العربية الفصيحة، وبين سلاسة اللغة الصحفية.

الكتاب الذي اصدرته مؤسسة بتانة ” للنشر في 196 صفحة، يقدم علي لسان مؤلفه محاولة  للإلمام بأحوال التنكيت السياسي في مصر من خلال عرض يبدأ مع حكم ثورة 23 يوليو 1952.. منذ عبد الناصر مرورا بالسادات ثم مبارك وصولا إلى الوقت الراهن.

لا يبدأ طايع كتابه ولا ينهيه بعبارات تقليدية عن السخرية التي هي سلاح المظلومين، بقدر ما يحرص علي أن يقدم صورة لمن حكموا مصر من زاوية علاقتهم بالتنكيت والسخرية. فعبد الناصر مثلا نجح المؤلف في تقديم صورة موضوعية عن شخصيته.. وإذا كان أنيس منصور وثروت اباظة و جماعة الإخوان المسلمين وغيرهم من كارهي عبد الناصر ، صوّروه  ديكتاتورا دمويا يتلذد بتعذيب البشر، فإن المؤلف وإن كان لا يميل لحكم عبد الناصر إلا أنه نجح في التقاط جانب المرح والحيوية وخفة الروح و الظل غير المفتعل التي تميز بها ناصر و لم يلق عليها الضوء.. يروي مثلا أن الفنان أحمد مظهر، والذي كان من الضباط الأحرار، دعا زملاءه من خريجي الكلية الحربية ” دفعة 1938″ للاحتفال عام 1965 بمرور 27 عاما علي تخرجهم، ووجه الدعوة إلى عبد الناصر الذي تخرج معه في نفس الدفعة وقد حضر عبد الناصر في موكب بسيط وصافح زملاء الدفعة واحدا تلو الأخر وعندما جاء الدور علي الفنان الشهير صافحه عبد الناصر قائلا “والله يظهر إن أنت الوحيد اللي فلحت فينا يا مظهر “.

    أحمد مظهر                                               جمال عبد الناصر

أما الرئيس السادات في الكتاب، قد كان نكتة رئاسية تجسدت في رجل حكم مصر أكثر من عشر سنوات ملأ مصر خلالها بالمؤامرة والنكت علي شخصه وعصره وقراراته .. ويرصد المؤلف عشرات النكات و السخريات النادرة التي قيلت في حق الرئيس الأسبق ” وهي نكت جرفت معها هيبته المزعومة .. والزبيبة التي ميزته.. وعلاقته بأمريكا وانبهاره بالزي النازي.. و الديمقراطية التي تبناها . ومن هذه النكات أن السادات سأل النبوي اسماعيل وزير داخليته عن أسم مناسب للبرلمان هل هو مجلس الامة أم البرلمان أم مجلس الشعب؟ فأجاب النبوي: نسميه باتا يا افندم.. عشان نجيب من كل دايرة انتخابية “جوز”

أنور السادات

ويرصد المؤلف أيضا أن عصر السادات كان الاكثر انتاجا للنكت والمسخرة من واقع خطاباته حتي في أكثرها غضبا وحدة  وهنا يقول “في إحدى أشهر الخطب التي عرج فيها السادات إلي أعالي الفراغ جمع الرجل بمعجزة بين عمر التلمساني مرشد جماعة الاخوان والبابا شنودة بطريرك الاقباط و قال:  أنا قلت للبابا أ أ أ أ.. عيب اللي بتعمله يا تلمساني”.

وبالنسبة لعصر مبارك فإن المؤلف يلاحظ ان النكتة والسخرية انقسمت طيلة حكمه الممتد لثلاثين عاما، إلى مرحلتين.. الأولي هي ما يطلق عليها “نكت السخرية من الغباء” وهذه تضم مئات النكت والمواقف التي تسخر من وصول رجل متوسط الذكاء إلى حكم مصر وتشمل النصف الأول من فترة حكمه.. أما في منتصف عهد الرئيس الأسبق وحتى رحيله عن السلطة فقد اختفي هذا النوع من السخرية “وظهرت بدلا من ذلك نكات أخري تصوره بإعتباره حاكما فاسدا بلا ضمير ولا ذمة.. ويحكي في هذا الصدد أن مبارك كان يرأس اجتماعا لمجلس الوزراء ذات يوم ولاحظ أن أحد وزرائه ينظر إلي الساعة كل فترة بقلق فسأله: عندك معاد  ورد الوزير: لا يا ريس أنا لسه شاري عربية جديدة لمراتي وملقتش ركنة فاضطريت أركنها في الشارع وخايف تتسرق، فقال له مبارك علي الفور: متخافش كل الحرامية قاعدين معانا هنا”

حسني مبارك

و يخصص المؤلف فصلا في كتابه عن النكتة السياسية في العالم العربي ويؤكد أن أغلبها بدأ من مصر واعيد تشكيلها وتحويرها في كل بلد، وإن كان هذا لا ينفي وجود خصائص محددة لكل بلد عربي علي حدة في مجال التنكيت السياسي. ويلاحظ أنه “إذا كانت مصر هي الاولي عربيا بلا منافس في النكتة السياسية، فإن سوريا تحتل بجدارة المرتبة الثانية وهي صاحبة تاريخ حافل بالظرفاء الكبار. كما أن النكتة السورية أشد عنفا من المصرية وأكثر انكشافا علي المحظور لدرجة تبلغ حد الفحش أحيانا، وهي لا تتورع عن الضرب أحيانا تحت حزام السياسيين أو الخوض في أعراضهم علنا”

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: