ثقافة

البسطاء والمهمشون حين يهتفون في صمت على مائدة «سيد عويس»

“عندما يموت معمر افريقي، فكأنما احترقت مكتبة تحوي ألف كتاب” هكذا افتتح الشاعر والباحث في مجال الدراسات الشعبية مسعود شومان حديثه عن عالم الاجتماع المصري الراحل الدكتور سيد عويس وكتابه “هتاف الصامتين”، خلال أحدى الندوات الثقافية التي نظمت ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب.

 خلال هذه الندوة قدّم مسعود شومان سيد عويس ليس فقط بوصفه عالم اجتماع بارز، ولكن كعالم انثروبولوجي انحاز في دراساته لاستخدام المنهج والأدوات الخاصة بعلم الانثروبولوجيا. حيث يشير شومان إلى أن سيد عويس بدأ إجراء دراسته المعنونة ب”هتاف الصامتين”، في سبتمبر عام 1967، أي في أعقاب هزيمة يونيو، محاولا البحث في فكرة تجذير الهوية الثقافيةـ. وقد حاول عويس عبر دراسته، قراءة كيف يعبر الشعب المصري عن أفراحه واتراحه، وعن أحزانه ومخاوفه وأمنياته، من خلال رصد تلك العبارات التى يدونها سائقو المركبات على مركباتهم في عدد من محافظات مصر، حيث طاف عويس بإحدى عشرة محافظة جمع منها تلك العبارات.

الدكتور سيد عويس وكتابه “هتاف الصامتين”

 ويعتبر شومان أن كتاب “هتاف الصامتين” يعد فتحا في مجال دراسات انثربولوجيا اللغة، إذ تعد تلك العبارات المدونة على المركبات بمثابة وسيلة إعلامية، وصفها عويس بالإعلام الشعبي، يعبر من خلالها هؤلاء الصامتون عن أنفسهم. وتمتد تلك الوسيلة الإعلامية لتعبر عن تلك الجماعات عند رفع صوتهم للصلاة، أو الدعاء في حلقات الذكر، وفي الهتاف بملاعب كرة القدم، أو في الملاهي والبارات وفي الشوارع، كما يهتف الصامتون عبر الرسم على الحوائط، والكتابة على الجدران حتى داخل دورات المياه.

 هذا الجهاز الإعلامي الشعبي المحّمل بكل تلك العبارات المستلهمة من قيم الموروث الشعبي، حاول الباحث مسعود شومان رصدها في الوقت الراهن، عبر إجراء دراسة ميدانية على ظاهرة الكتابة على “التكتوك”، صدرت بإحدى فصول كتابه المعنون “مساحات الإلتباس والوعي بالنص الشعبي” والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، حيث يرصد شومان العديد من العبارات، مثال “سولار في التنك ولا مية دولار في البنك”، “يا حلو قولي على طبعك وأنا أمشي عليه”، ما تبصليش بعين رضية وبص للى أندفع فيا”، “مطلوب سكرتيرة” إضافة للعديد من العبارات التى تعد في مجملها رسائل تحمل الكثير من الفكاهة والأمثال الشعبية والرسائل الغامضة والآيات القرآنية الكريمة، وآيات الكتاب المقدس، وتعبيرات شعبية، إضافة إلى بعض الرموز الثقافية المادية من عرائس ومسابح وتعاويذ ومصاحف وأناجيل وأيقونات متعددة يضعها السائق بمركبته.

كما رصد شومان العديد من الصور والملصقات التي تحمل رموزا عالمية ومفردات تعبر عن الكثير من العنف، مثال صور المسدسات والجماجم، إضافة إلى الكثير من الرموز التي تحمل دلالات جنسية، يستخدمها سائق التكتوك للتأثير على النساء اللاتى يستخدمن” التكتوك” كوسيلة مواصلات شائعة في الأحياء الفقيرة والشعبية، الأمر الذي قد يعرضهن للتحرش الجنسي خلال تنقلهن من مكان لأخر، على حد وصف شومان.

أما الباحث بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية الدكتور محمود عبد الله فيقف عند عنوان كتاب سيد عويس”هتاف الصامتين”  قائلا: كلمة الهتاف تعنى الصوت العالي الشديد، كما تعنى المناشدة، والدعوة إضافة إلى الصوت المصحوب بالأنين، وهذه المعانى في مجملها تذكرنا  بحال الفلاح المصري الفصيح الذي يهتف ويناشد ويئن بشكواه لسيده.

 يؤكد محمود عبدالله، مثله مثل مسعود شومان على أن موضوع الهوية يعد الموضوع الرئيسي لدي سيد عويس فالهوية موضوع حاضر في كتاب “هتاف الصامتين”.. ففي أعقاب هزيمة 1967، كان سؤال الهوية قائما والمراجعة لكل ما تم على أرض الواقع أمر حتمي. لكنه يرى أن دراسة “هتاف الصامتين” افتقدت إلى التفسير المعمق للظاهرة، واكتفت ببعض التفسيرات الواهية، وقد برر محمود عبد الله ذلك بأن اللحظة التاريخية التي أنجزت فيها الدراسة ربما كانت لحظة يصعب فيها الحديث عما يحتويه هتاف الصامتين من دلالات الشعور بالقهر والاستعباد، فأكتفي عويس بالتوقف على كل ما من شأنه ترسيخ مفهوم الهوية الوطنية.

ويشير محمود عبدالله إلى أن دراسة هتاف الصامتين، توضح أن استخدام التراث الشعبي ليس مقتصرا على عالم الريف وحسب، كما كان شائعا آنذاك، حيث يمكن للتراث الشعبي أن يعبر عن كل ما يتصل بثقافة المهمشين، وإنتاجهم وممارساتهم، سواء عاشوا في الحضر أم الريف.

 يختتم محمود عبد الله حديثه عن سيد عويس بالإشارة إلى أن أعماله قد حازت على اهتمام العديد من الكتاب والمثقفين والإعلاميين، كما تمت ترجمة كتابه “التاريخ الذي أحمله على ظهري” الصادر في ثلاثة مجلدات عن دار الهلال، إلى الفرنسية على يد المستشرق والباحث ألان روسيون وآخرون، وإلى اليابانية على يد عالم الاجتماع الياباني إيجي ناجاساوا. كما قام روسيون بإجراء دراسة مقارنة بين عويس وسيد قطب، تحت عنوان “مساران إصلاحيان: سيد قطب وسيد عويس”. فيما كتب إيجي ناجاساوا مقالين أحدهما حول رؤية عويس لثورة 1919، والثاني حول “السيرة الذاتية كدراسة حالة لعالم اجتماع مصري: كتاب التاريخ الذي أحمله على ظهري لسيد عويس”.

كما قام باحثان مصريان، هما وجدي شفيق ومحمد سعيد، بإجراء دراسة لظاهرة الكتابة على المركبات تحت عنوان “العولمة والتغير الاجتماعي: دراسة تتبعية لدراسة هتاف الصامتين”. وكان من أهم النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة أن ظاهرة الكتابة على المركبات مازالت حاضرة حتى الآن بالمجتمع المصري، وأن هناك بعض العبارات الشعبية الجديدة التي توضح ما طرأ من تغيرات في هذا المجتمع تعبر عن سيطرة القيم المادية والطابع الفردي، إضافة إلى بعض المظاهر السلبية، من قبيل خيانة الأصدقاء، وعدم الوفاء بالوعد.

 الدكتور سعيد المصري رئيس المجلس الأعلى للثقافة، والذي  ترأس الندوة، أعتبر أن الأمثال الشعبية، والمقولات الرائجة التي تكتب على المركبات فيها الكثير من السخرية والتمني والنصيحة واستدعاء للتراث الشعبي الشفاهي، فالشخص الذي  يريد توجيه قذف أو شتيمة لشخص ما، يستعين بالتراث الشعبي، كأدة لتحقيق هدفه، وهى حيلة من الحيل التي يلجأ إليها المصريون أحيانا للتعبير عن مكنونات ذاتهم، عبر إستدعاء التراث الشعبي، في حياتهم اليومية.

وينظر سعيد المصري لدراسات الدكتور سيد عويس، بإعتبارها دراسات لا تستند إلى النظريات العلمية المعدة سلفا، حيث يصف عويس بأنه باحث يستند في عمله إلى الدلائل والشواهد والواقعية، ويعتمد فيها على الملاحظة وجمع المادة الميدانية المباشرة، ويضرب مثلا  على ذلك بدارسته عن “رسائل إلى ضريح  الإمام الشافعي” والتي كانت عبارة عن تجميع للرسائل التي كتبها المصريون في فترة زمنية معينة توجهوا بها إلى ضريح الإمام الشافعي، وهى ظاهرة يصفها سعيد المصري، بأنها فريدة من نوعها .

 وخلال الندوة طرح وزير الثقافة الأسبق الدكتور شاكر عبد الحميد، رؤيته حول سيد عويس مطالبا بضرورة إعادة النظر في دراساته، وطرحه لأفكار الموت والصمت والهامش، كما أوصي بضرورة إجراء دراسة مقارنة  بين رؤية سيد عويس ومشيل فيكو، حول فكرة الهامش والمركز.

ندوة عن كتاب هتاف الصامتين للدكتور سيد عويس عالم الاجتماع المصرى عام 1972

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق