منوعات

تاريخ إغلاق الحكومات في الولايات المتحدة.. أخطاء الآباء المؤسسين

أدى الخلاف بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والديمقراطيين بشأن بناء جدارعلى الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك إلى إغلاق الحكومة الأمريكية على مدى 35 يوما (حتى إشعار آخر) ،فيما يمثل أطول إغلاق حكومي عرفته الولايات المتحدة على مدى تاريخها. فما هي الجذور التاريخية للإغلاق الحكومي في الولايات المتحدة الأمريكية؟ وما الأسباب التي تدفع إليه؟ ومتى وقع أول إغلاق لحكومة أمريكية؟

في هذا السياق، يتتبع المؤرخ وأستاذ التاريخ الأمريكي في جامعة كوليدج لندن، آدم سميث، في مقالة بعنوان A History of United States History Shutdown تاريخ إغلاق الحكومات في الولايات المتحدة الأمريكية، وإلى أي مدى يتحمل مبدأ الفصل بين السلطات، الذي حرص الآباء المؤسسون على ترسيخه – أو ما يطلق عليه أيضا اسم “الضوابط والتوازنات” – مسئولية هذا الإغلاق. كما يرصد سميث فوارق الإغلاق الحكومي في زمن ترمب عنه في أزمنة أخرى في الولايات المتحدة الأمريكية.

Adam IP Smith

ويخلص سميث قبل أن يبدأ إلى أنه “على غرار أشياء أخرى كثيرة، يتحمل الآباء المؤسسون الوزر كاملا؛ فقد اعتقدوا أنهم نجحوا تماما في تحقيق الفصل الكامل بين السلطات في دستورهم”. فالسلطة التنفيذية (ممثلة في الرئيس) يتم انتخابها بصورة مستقلة تماما عن السلطة التشريعية (مجلسا الكونجرس) المسئولة عن سن القوانين. والسلطة القضائية (التي تمثل المحكمة العليا هيئتها الأعلى) يتم تعيينها بطريقة تجعل قضاتها محصنين ضد أي تدخل من أي من السلطتين الآخريين.

 العلاقة بين الرئيس والكونجرس

كان هدف الآباء المؤسسين بناء دولة لا تعاني عوار ( أو هكذا تراءى لهم) النظام الملكي في بريطانيا، وذلك عن طريق كبح جماح السلطة التنفيذية وتقييد سلطانها بالسلطة التشريعية؛ فاهتدوا إلى تقييد الرئيس بالكونجرس عن طريق منح الأخير سلطة التحكم في المال. “فالكونجرس وحده هو من يملك زيادة الإيرادات، وهو وحده أيضا من يمنح أذون الإنفاق. ومن ثم، فإن أجنحة أي رئيس مستبد محتمل ستجري ’تشذيبها‘ في الحال وبحزم؛ أو هكذا كانوا يعتقدون”.

ويعتقد سميث أن الأمور ربما ما كانت لتصبح بهذا السوء إذا جاء الكونجرس والرئيس في الصفحة نفسها من كتاب الدستور، أو إذا خضعت إحدى هيئات الحكومة طواعية للأخرى، وهو ما كان عليه الحال في أغلب فترات القرن الأول من تأسيس الولايات المتحدة عندما أخذ الكونجرس زمام المبادرة. ففي تلك المرحلة اضطلع الجيش ومكتب البريد بدرجة كبيرة ببند النفقات (برغم إنفاق الحكومات المحلية على مشروعات البنية التحتية في هذا الوقت بسخاء شديد)، ولم يتقدم الرؤساء – على الأقل في أوقات السلام – سوى بمطالب محددة وقليلة للغاية إلى الكونجرس تتعلق بالدخل.

وبرغم ذلك، فقد ظهرت العديد من المشكلات جراء عدم قيام الجهة الحكومية التي  صدّقت على الميزانية بمراقبة الإنفاق الفعلي رقابة دقيقة، وهو ما جعل نفقات الهيئات الفيدرالية تتجاوز في أغلب الأحوال ميزانياتها المخصصة، لأنها كانت على ثقة بأن الكونجرس سيصدق على مصروفاتها بأثر رجعي.

وفي عام 1870، حاول الكونجرس أن يضع حدا لهذا ’البذخ البيروقراطي‘ عن طريق تمرير “قانون مكافحة العجز” Antidefeciency Act، الذي يحظر على الوكالات الفيدرالية الإنفاق قبل الحصول على الموافقات الرسمية اللازمة مسبقا. وعلى مدى قرن من الزمان، تعرض هذا التشريع (الذي تم تعديله عدة مرات) للانتهاك والخرق أكثر من المراقبة والالتزام، لكنه وضع الأساس لأهم عرض من أعراض الخلل الوظيفي لحالة الاستقطاب السياسي الأمريكي، وهو “إغلاق الحكومة”.

جذور أول إغلاق حكومي في الولايات المتحدة

بعد أن تبنى الكونجرس عملية ميزانية جديدة في عام 1976، كانت الخلافات بشأن الإنفاق بين مجلسي الكونجرس، أو بين الكونجرس والرئيس، تعني عدم التصديق على الميزانية في الموعد المحدد على مدى أربع سنوات قادمة. في البداية، كانت الحكومة تستمر في الإنفاق على أي حال؛ حيث لم تكن الولايات المتحدة قد عرفت بعد الإغلاق الحكومي. لكن في عام 1980، طلب الرئيس جيمي كارتر من النائب العام، بنجامين سيفيلتي، منحه رأيا قانونيا بشأن ما هو مسموح وغير مسموح في غياب المخصصات الحكومية. درس سيفيلتي قانون عام 1870 دراسة متفحصة، وخلص إلى أن “لغة ’قانون مكافحة العجز‘ الصريحة والواضحة تحظر على أي هيئة تحمل التزامات الدفع بمجرد أن تنتهي صلاحيتها لإنفاق مخصصات الاعتمادات”. كان هذا تفسيرا متشددا للقانون، لكنه ظل التفسير المعمول به منذ ذلك الحين.

جيمي كارتر

وإزاء الموقف الراهن الذي تواجهه الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2019، فإنه “ما لم يكن الكونجرس قد قام بتمرير ميزانية، أو – على الأقل – قرار يسمح بالإنفاق المؤقت، فإنه يتعين على الحكومة – ببساطة – أن تتوقف عن الإنفاق”؛ فتغلق المنتزهات الوطنية أبوابها، وتتوقف الجهات الرقابية عن العمل، فلا يتحقق أحد مما إذا كانت الشركات تلتزم بقوانين مكافحة التلوث، أو إذا كانت مصانع الأغذية تتبع قواعد النظافة والصحة العامة، أو إذا كان أصحاب الأعمال يسددون ما عليهم من ضرائب. ورغم أن إغلاق الحكومة لا يمنع مراقبي الحركة الجوية وأمن المطار من الذهاب إلى أعمالهم، إلا أنهم لا يستطيعون تقاضي رواتبهم. وفيما عدا النفقات الاساسية، التي تتعلق بأمور الموت والحياة بشكل ظاهر، يتوقف كل شيء، حتى أنه لا يفترض أن يتحقق الموظفون الفيدراليون من بريدهم الإلكتروني من منازلهم.

عقدة النظام الملكي البريطاني

ويؤكد سميث أن هذا الموقف لا يمكن أن يحدث في نظام برلماني لأنه “إذا لم تستطع الحكومة (السلطة التنفيذية) الحصول على ميزانيتها من خلال البرلمان (السلطة التشريعية)، فعندئذ تسقط الحكومة”. لقد اعتقد الأباء المؤسسون أن انتخاب الرئيس بصورة مستقلة سيخلق سلطة تنفيذية غير مطلقة مقارنة بنظيرتها في الملكيات غير المنتخبة. لكنهم في واقع الأمر كانوا يتفاعلون ضد صورة مشوهة للحكم الملكي في بريطانيا في القرن الثامن عشر، تجافي تماما الصورة الحقيقية. ففي الوقت الذي جرى فيه الماء في نهر الثورة الأمريكية، كان النظام الدستوري البريطاني يتطور إلى حد جعل الملك مجرد رمز صوري، تاركا السلطة التنفيذية الفعلية في يد رئيس وزراء ومجلس وزراء قابعين في السلطة، ليس بموجب ثقة ملكية، وإنما بموجب ثقة برلمانية. أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فلا يملك الكونجرس التخلص من رئيس لا يثق فيه، مثلما لا يستطيع الرئيس التخلص من الكونجرس؛ وهو ما يجعل الأمور تتعقد وتصل إلى طريق مسدود في حالة نشوب صدام بينهما.

الإغلاق مقابل التسوية

يتساءل سميث: “من المستفيد من السماح لخلاف سياسي على ميزانية بالتفاقم إلى هذا الحد؟”، ويردف: “ربما يعتقد البعض أن القليل من العقلانية والمصالح الذاتية لدى كافة الأطراف ستدفع حتما باتجاه التسوية؛ فمن في النهاية يريد أن يضع نفسه أمام مسئولية عدم حصول مئات الآلاف من الموظفين الفيدراليين على رواتبهم؟

لكنه يحدد المستفيد في: “تلك الحالة من الاستقطاب الحزبي الحاد والمزعزع للاستقرار في الولايات المتحدة الأمريكية التي تعصف في طريقها بأي دوافع معتدلة، والتي تسبق في وجودها في أمريكا وجود ترمب في البيت الأبيض، وستستمر من بعده”. فليس من قبيل المصادفة أن أول إغلاق للحكومة كان نتيجة خلاف بين الرئيس الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون ورئيس مجلس النواب الجمهوري نيوت جينجريتش، الذي وعد بثورة جمهورية عندما فاز حزبه في انتخابات التجديد  النصفي في عام 1994. كانت القضية آنذاك هي خطط الجمهوريين لخفض برامج الرعاية الاجتماعية والصحية الفيدرالية وخفض الضرائب بما يفوق ما يمكن أن يقبل به كلينتون.

بيل كلينتون

وإبان الاحتفالات بأعياد الميلاد والعام الجديد في عام 1995 – 1996، تم إغلاق الحكومة الفيدرالية لمدة 21 يوما. ورضخ كلينتون لكثير من مطالب الكونجرس الجمهوري، لكن استطلاعات الرأي في هذا الوقت أشارت إلى أن جينجريتش  بالغ في ممارسة الضغوط؛ وأعيد انتخاب كلينتون في نوفمبر التالي، ولم تشفع شكوى جينجريتش من أن كلينتون لم يتحدث إليه بشأن الميزانية في قاعدة “إيرفورس وان” الجوية لدى عودتهما من المشاركة في تشييع جنازة رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين.

أما في الأزمة الراهنة، فإن ترمب، كما يؤكد سميث، يظل جزءا أصيلا من المشكلة؛ “فعلى غرار جينجريتش، لن تساهم شخصية ترمب في التوصل إلى تسوية، كما أنه يعتقد أن إغلاق الحكومة يمثل مكسبا سياسيا له”. وترمب بذلك هو أول رئيس في التاريخ الأمريكي لا يحاول حتى مجرد التظاهر بأنه رمز سياسي متجاوز للحزبية؛ حيث تعتمد استراتيجية إعادة انتخابه اعتمادا كاملا على حشد قاعدة ناخبيه من خلال خطاب شعبوي يثير مخاوفهم من وقوع بلادهم تحت وطأة مؤامرة، سواء من قبل أجانب غادرين عبر صفقات تجارية مجحفة ومشبوهة (الليبراليين الميتروبوليتانيين)، أو أمريكيين لاتينيين غزاة يعبرون الحدود من المكسيك وهم يحملون أطفالهم على أذرعهم، ويخفون المخدرات في طيات ملابسهم.

ومن ثم، فإن خوض غمار معركة سياسية من أجل بناء هذا الجدار ضد معارضين ليبراليين من شاكلة نانسي بيلوسي، الزعيمة الديمقراطية ورئيسة مجلس النواب، يؤثر بعمق في أنصاره، وهو ما يصبو إليه في نهاية المطاف. إن العبقرية السياسية لترمب تكمن في أنه يعرف أن طريقه نحو الفوز ويسير في خط مستقيم عبر استغلال الانقسامات، وليس عبر التغلب عليها، على نحو ما كان يفعله سلفه أوباما.

باراك أوباما

وينهي سميث من حيث بدأ مؤكدا أنه “من حظ أمريكا التعس، وربما من حظ العالم أجمع، أن الأباء المؤسسين نجحوا تماما في الفصل بين السلطات وفرض الضوابط والتوازنات. سيراقب كلا الجانبين استطلاعات الرأي عن كثب، وبأبصار شاخصة، لكن كلاهما يعتقد أن الخاسر الأكبر هو من سيجنح للتسوية ويقبل التفاهم، وأن النصر في المعركة رهن بالتشبث والمضي قدما حتى لو على أشلاء الدولة. ومن ثم، فقد “بتنا بصدد مشهد لأغنى دولة في العالم ترفض أن تدفع رواتب عمالها وموظفيها”.

يمكن الاطلاع على المقال الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا 👉

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق