فن

رضوان الكاشف.. الساحر المتيم برائحة البنفسج

القاهرة في صباح التاسع عشر من يناير عام 1977، تجتاح الجموع الميادين.. يعلو الهتاف وتتصاعد الصرخات، بينما تهوى العصا الغليظة على الأجساد النحيلة التي هدها التعب.. شاب في منتصف العقد الثالث يندفع صوب الميدان الفسيح.. يحاول جاهدا ألا تسقط نظارته الطبية عن وجهه، يهتف وسط الجموع الثائرة.. لكن صوته لا يضيع في الهتاف؛ بل يرن حماسيا خلابا محملا بأريج خاص.. في شارع قصر النيل وقف الشاب في محاولة لالتقاط الأنفاس بينما كان الجنود يلقون عبوات الغاز، التوق العارم للحرية والعدالة ينفجر الآن كشلال يجتاح سنوات من الكذب والتخاذل.. كشف جديد لسياسات الإفقار والتجويع المفروضة لأسباب عديدة ليس بعيدا عنها الإذلال وكسر الإرادة.. تخور قواه فيدخل إلى شارع جانبي ليستريح قليلا.. كان بعض الشباب قد سبقوه إلى هناك.. يرفع وجهه ليرى من يربت على كتفه؛ فيشاهده بكامل هيئته.. يبتسم له في وداعة كأنما قد جاء في الموعد دون تأخير.. كن حذرا يا رضوان.. إنك تشهد يوما من أيام مصر الخالدات.. لكن الثمرة لم تنضج بعد، ولم يحن أوان الحصاد.. اندفع الجنود ممسكين بالشباب بينما كان السيد يلوّح مودِّعا.

اقرأ أيضا:

الحرية والعدالة في فكر عبد الله النديم كتاب أنجزه رضوان الكاشف في منتصف السبعينيات.. حاول من خلاله وصل ما انقطع في المشروع التنويري العربي محددا الأفكار العامة الموجهة لفكر النديم في أربع أفكار هي الوحدة والرأي العام، والتنظيم والفاعلية الإنسانية، والإصلاح والتقدم، والتمدن العمراني.. منتقلا بعد ذلك إلى الحديث عن معنى الوحدة عند النديم ودوره في فهم معاني الحرية والعدالة.. كاشفا عن الشروط الضرورية التي بتوافرها تتحقق الأركان الرئيسة لمفهوم الأمة بالمعنى الحديث.. وأوضح الكاشف ما ذهب إليه النديم من أن ثروة الأمة لا تُخلق بغير وحدة النشاط الاقتصادي، وتحقيق الوحدة الوطنية.. كما اشترط الإصلاح السياسي وإدراك مصالح الوطن من خلال خلق رأي عام يعي ويوجه ويُسائل ويحاسب.

عبدالله النديم

القاهرة في الثالث من سبتمبر 1981، يدخل رضوان الكاشف معتقلات السادات للمرة الثانية.. بقليل من التوجس ومزيد من الأمل يقرأ الفيلسوف الشاب المشهد.. ودون كبير ارتياب يقرر أن النهاية وشيكة وصادمة؛ لكنها من الناحية الدرامية تتسق ببراعة مع تصاعد وتيرة الأحداث.. بعد شهر تقريبا تتحقق النبوءة.. ويخرج رضوان تاركا خلفه أسوارا عديدة.. لكن شغفه بالسينما الذي دفعه للالتحاق بمعهدها العالي قبل عام من اعتقاله- جعله لا يتوقف كثيرا عند تلك الأحداث الجسام التي عصفت بالبلاد عقب اغتيال السادات.

«الجنوبية» فيلم تخرُّج الطالب «رضوان الكاشف» الأول على دفعته في المعهد 1984، يحصل على جائزة العمل الأول من وزارة الثقافة 1988، يطرح الفيلم قضية الحرية من خلال قصة فتاة تُجبر على الزواج من شخص لا تطيقه.. فتتخذ عشيقا وتدخل في علاقة محرمة انتقاما لآدميتها المهدرة وإرادتها المكسورة.. في إشارة إلى خطورة عاقبة العبث بمصائر البشر دون اعتبار لرغباتهم.

«أفروديتوبوليس» تُودع سرها عند «رضوان» ليصير شاهدا على معاناة المصري القديم مع ظروف بالغة القسوة.. هناك في صعيد مصر عند «طِمَا» بسوهاج وتحديدا في «كوم أشقاو» وهذا هو اسمها العربي.. والذي ربما كان ذا علاقة مباشرة بالشقاء- تنحدَّر أصول الكاشف من تلك البقعة التي كانت ذات يوم مدينة عامرة وعاصمة للمقاطعة العاشرة في صعيد مصر.. الميلاد لم يكن هناك بل كان في حي السيدة زينب.. والزمان كان بعد أيام من تحرك الضباط الأحرار لإنقاذ البلاد.. تلك الحركة التي تحولت إلى ثورة أحدثت تغييرات اجتماعية واسعة، وطال تأثيرها السياسي أربعة أركان الأرض، بعد أن صارت الداعم الأول لحركات التحرر في العالم كله.

اقرأ أيضا:

القاهرة حي روضة المنيل مساء الخامس من يونيو 1967، ينفطر قلب الفتى رضوان ويعتل حزنا على انكسار الحلم.. تحمله الجزيرة النيلية وتبتعد به عن القاهرة.. تجتاح الظلمة كل شيء وينحسر الماء فترتفع الجزيرة بتوجس تستشرف العاصفة؛ تنقبض الذاكرة بارتياب وينتهي المشهد بإعتام.

بـ«قضية تجديد الفكر عند زكي نجيب محمود» ينشغل رضوان الكاشف، ويطرح تساؤلاته في كتاب محاولا تلمّس رؤية أستاذه الذي تبني فلسفة الوضعية المنطقية ،وكيف يرى من خلالها مسألة التجديد؟ وهل نجا فيلسوف الأدباء من التلفيق بالكلية أم أنّه سقط في براثنه عدة مرات أثناء محاولاته المضنية لتضفير التراث بالمستحدث الغربي وصولا إلى صيغة مقبولة بين الأصالة والمعاصرة.

الدكتور زكي نجيب محمود

في أول أفلامه الروائية الطويلة «ليه يا بنفسج» يستلهم الكاشف ومعه صديقه «سامي السيوى» من رواية  البرازيلي «جورج أمادو» الشهيرة «باهيا» فكرة البهجة المختطفة في حياة يسيطر عليها البؤس والعوز.. وكما هو واضح في التساؤل الذي يطرحه عنوان الفيلم، نرى أبطال العمل يصنعون البهجة برغم الضياع الذي يعيشونه، ويأتي التمسك بحلم الخروج من الحارة/السجن إلى رحابة المدينة على ما يشكله ذلك من خطورة.. ثم الفشل ومن ثم العودة للحارة /الملاذ.. وبقاء الأحلام في حالة مراوحة بين إمكانية التحقق واليقين بالفوات، مع استمرار العلاقة القوية بين الأصدقاء رغم كل العوائق.. استطاع الكاشف أن يصل بأبطاله في هذا العمل  إلى ذروة لم تُدرك.. ليثبت أنه الأذكى في إدارة الممثلين أثناء العمل لتحقيق رؤيته باكتمال مبهر. حصل الفيلم على جائزة لجنة التحكيم بمهرجان القاهرة  السينمائي الدولي 1992. وجائزة أحسن فيلم بمهرجان باريس، وجائزة أحسن فيلم وأحسن إخراج وأحسن سيناريو في مهرجان المركز الكاثوليكي.

حسن حسني «طنش» من فيلم  ليه يا بنفسج

في فيلمه الروائي الطويل الثاني «عرق البلح» يكمل «رضوان الكاشف» مسيرة «شادي عبد السلام» ولكن «المومياء» في هذه المرة ستكون «العالية» التي تكشف عن المصير المؤلم لبلاد الحضارة عندما تخضع لشروط الرأسمالية التي تطارد الإنسان الذي أهدى إليه الكاشف الفيلم «إلى الجنوبي المطارد بخبيئته، سلام إليك يوم تموت، ويوم تبعث حيًا» موثقا روايته بأنها عن حكاية «قرية رحل عنها الظل حين سقطت نخلاتها العاليات، وانكشف رعب الشمس».

مشهد من فيلم عرق البلح

وقبيل الرحيل يكشف لنا «رضوان» عن نظرية البهجة في رائعته «الساحر» عندما يختار البطل الذي عزف عن لعب دور الساحر بعد انطفاء الشغف، وربما ليتفرغ لمراقبة ابنته الشابة التي يخشى عليها من الانحراف.. وهو يبحث عن زوجة تتوفر فيها شروط «السجانة» ليحكم قبضته على ابنته التي تعاني الكبت؛ حتى تصبح مخاتلة الأب للهروب من البيت والتسكع في الشوارع دون هدف متعة لا تعدلها متعة.. ورغم ذلك فإن الساحر لا يتوقف عن مد يد العون للآخرين.. حتى عندما ينهار عالمه بعد أن يغرر الشاب الغني بابنته؛ إلا أنه يعود سريعا ممسكا بالأمل من جديد من خلال إنقاذ ابن جارته التي يقع في غرامها – من العمى.

مشهد منن فيلم «الساحر»

القاهرة في الخامس من يونيو 2002، تتجدد علة القلب التي أنشبت أظافرها قبل خمسة وثلاثين عاما لتنهي حياة رضوان الكاشف فيلسوف السينما وصاحب الإنجاز المتفرد الذي استطاع من خلال ثلاثة أفلام روائية طويلة، وأربعة أخرى بين تسجيلي وروائي قصير هي: «الجنوبية» و«الحياة اليومية لبائع متجول» و«الورشة» و«نساء من الزمن الصعب».، وكتابين ودراسة في الفلسفة الصوفية – أن يترك أثرا عميقا في الذاكرة العربية والإنسانية من الصعب أن يُمحى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: