منوعات

عن معرض الكتاب وفاحشة التطبيع

جاء في الذكر الحكيم: “إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ”. تذكرت هذه الآية الكريمة وأنا أرى بعضهم يتمنى لو شاعت فاحشة التطبيع مع إسرائيل، نعم التطبيع فاحشة، لأن الفواحش هي كل قبيح شنيع من قول ٍأو فعل.

لا ننكر أن ظروفًا معينة قد مكنّت دولة الكيان من وطء أرض لم تكن تحلم بالمرور عليها، وقد سارعت إدارة الكيان بعزيمة محمومة لكي تراكم مكاسبها، وعلى ذلك زار سفيرها في مصرنا، معرض القاهرة الدولي للكتاب لكي تقول الإدارة: ها قد عدنا يا صلاح الدين.

المعرض هو العدو الأول لدولة الكيان فمنذ دورته الأولى التي مضى على انطلاقها نصف قرن، ودولة الكيان تضع غزوه نصب عينيها، ففي الدورة الأولى طارد الكيان دور النشر العالمية التي تجرأت على المشاركة في انجاح التجربة الوليدة، وقصص المطاردة شملت كافة صنوف العقاب من الدعوة لمقاطعة منشورات تلك الدور إلى التشنيع عليها بتهمة معاداة السامية.

ثم وقّعت القيادة المصرية معاهدة سلام مع دولة الكيان، وقد مضت أربعون سنة على تلك المعاهدة، فعزم الكيان على استثمار المعاهدة وتنفيذ خطته القديمة في غزو المعرض.

هنا أنقل من كتاب “ذات يوم “لمؤلفه الكاتب الصحفي الكبير سعيد الشحات وصفًا دقيقًا لتلك الغزوة التي أفشلها مثقفو مصر، يقول الشحات: “توجه السفير الإسرائيلي في القاهرة «إلياهو بن اليسار» إلى السراى رقم 7 التى يقع فيها جناح توكيل «إدكو إنترناشيونال» الذى تعرض من خلاله الكتب الإسرائيلية فى معرض القاهرة الدولي للكتاب الثالث عشر «يناير 1981»، كان ذلك الجناح ملاصقًا لجناح «الفتى العربي» الفلسطيني ،والذى يرفع علم فلسطين على كل شبر من واجهته الملاصقة للجناح الإسرائيلي مما دعا مسئول الأمن فى السفارة الإسرائيلية إلى محاولة تغطية العلم الفلسطينى بلافتات تحمل طوابع بريد إسرائيليه أثناء قيام السفير الإسرائيلى بافتتاح الجناح أمام عدسات التليفزيون الإسرائيلى. كانت أول تجربة واقعية لقياس ردة فعل الشعب المصرى للتطبيع مع إسرائيل، ومنذ اللحظة الأولى بدأت المواجهة، لقد استفز حضور السفير الإسرائيلي الجمهور، فاندفعت فتاة لتنتزع اللافتات الإسرائيلية، وهنا سقطت اللافتة فوق رأس السفير الإسرائيلى الذى هرول فى ذعر خارج أرض المعرض، وتم إنزال العلم الإسرائيلي بالقوة، وتحولت ساحة المعرض منذ اللحظات الأولى لحرب إعلامية ضد إسرائيل، وتوالت البيانات من أحزاب التجمع والعمل والأحرار، مطالبة برفع العلم الفلسطيني على جميع دور العرض، ووقع على البيانات لطفى واكد «نائب رئيس حزب التجمع»، وفؤاد نصحى عن حزب العمل، وكامل زهيري نقيب الصحفيين، وأحمد نبيل الهلالي عن مجلس نقابة المحامين، وعبدالعظيم مناف، وسمير فريد، وغيرهم.

وقاد المثقفون المصريون مظاهرة ضخمة ضد الجناح الإسرائيلي، وتم إلقاء القبض لفترة على عضوين من أعضائها هما صلاح عيسى وحلمي شعراوي”.

ومن ذلك الزمان البعيد لم تجرؤ دولة الكيان على التفكير في غزو المعرض بطريقة علنية مباشرة، فما الذي دعاها الآن للتفكير في إعادة المحاولة؟

سفير الكيان في القاهرة يدرك تمامًا أن وجوده غير مرحب به شعبيًا، فلا وجود لنقابة ترحب به ولا لاتحاد ولا لمؤسسة، وهو يعلم تمام العلم كم هو مغمور مجهول لا يعرف ملامح وجهه سوى العشرات من شعب يضم أكثر من مئة مليون مواطن.

لقد أنتهز السفير عدم معرفة المصريين به وقام بزيارته  للمعرض شأنه شأن عشرات الآلاف من المواطنين الذين يزورون المعرض يوميًا، فهو في نظر الجميع مجرد رجل زائر لا يعرف أحد حقيقة منصبه بل لا يعرف أحد اسمه.

لم يحدث أن وجهت له إدارة المعرض دعوة، بل لم تُوجه له دعوة من أي مؤسسة كانت، ولم يستقبله أي مسئول من مسئولي المعرض أو أي مسئول بأي جهة كانت، وقد كان هيثم الحاج (رئيس الهيئة المصرية للكتاب) رئيس المعرض حكيمًا عندما بادر بإصدار بيان واضح قوي جاء فيه :”  إنَّ هذه الزيارة غير رسمية، و لم يتم إبلاغهم بها ولم يسمع بوجوده، إن السفير الإسرائيلي زار المعرض مثله مثل أي زائر، وقف في طابو وقطع تذكرة من شباك التذاكر كغيره من زوار المعرض”.

كما وضعت اللجنة الثقافية بنقابة الصحفيين الأمور في نصابها ببيانها الذي جاء فيه : “هذه التصرفات الصبيانية للسفير ومحاولته للإيحاء بوجود حالة من التطبيع الثقافي، لن تثني الشعب المصري عن التأكيد على رفضه لكل شكل من أشكال التطبيع “.

إذا كانت الزيارة صبيانية ـ وهى كذلك ـ فمن الذي سرّبها؟.

بعد بحث طال تأكدت أن الذي سرّب خبر الزيارة هو مقر سفارة الكيان ولا أحد غيره، فهو وحده المستفيد من إشاعة فاحشة التطبيع والترويج لصورة وردية لا وجود لها على أرض الواقع والإيحاء للعالم كله بأن جبهة مصر الشعبية  المنيعة قد جرى اختراقها.

هنا وقع بعض معارضي إدارة المعرض في فُجر الخصومة وراحوا يشنعون على إدارة المعرض بما هي بريئة منه، لقد أدى هؤلاء خدمة جليلة لسفير الكيان بترويجهم لزيارته التي كان يجب التعامل معها كما نتعامل مع فعل سوء يعترض طريقنا فنهيل عليه التراب لكي لا يؤذي منظره عيوننا، ثم نمضي قدمًا إلى الأمام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: