رؤى

صفحات من تاريخ الكنيسة المصرية (2): مدارس الأحد.. ميلاد النهضة من رحم التحديات

في العام 1927 توفي الزعيم سعد زغلول، والبابا كيرلس الخامس، لينفتح الوطن والكنيسة على مشهد وواقع جديدين.. ففي الكنيسة الأرثوذكسية بدت ملامح العبث بتقاليدها الراسخة في انتخابات البطريرك والتي جرت مرات ثلاث في الفترة من 1927 وحتى العام 1954، وزادت تلك الأحداث من آلام الأقباط، وكرست ملامح الأزمة التي تتعلق بأصالة وتراث الكنيسة الأرثوذكسية.

صراع قوى

مع منتصف ديسمبر 1927 دعا الدكتور سوريال جرجس، وهو من أنصار الإصلاح لاجتماع حضره عدد من وجهاء الأقباط تم عقده بفندق الكونتيننتال، وطالب فيه بضرورة انتخاب بطريرك، ورشح القمص يوحنا سلامة نفسه، وتم انتخابه، وأُرسل القرار إلى وزارة الداخلية في الثامن عشر من ديسمبر 1927. رد الملك فؤاد على ذلك بأن أصد

ر قرارا بتعيين الأنبا يوأنس مطران البحيرة قائمقام للكرسي البابوي لمدة ستة شهور في مناخ من القلق الذي ساد الرأي العام القبطي من أن يصبح للكنيسة أكثر من بطريرك في وقت واحد.

Image result for ‫القمص يوحنا سلامة‬‎

القمص يوحنا سلامة

 استدعى الملك فؤاد وزير المواصلات آنذاك “توفيق دوس” باشا، وأبدى انزعاجه من مسألة ترشيح القمص يوحنا سلامة، وما يتردد عن علاقته بالإنجليز، ونقل الملك فؤاد لدوس باشا رغبته في أن يعتلي الأنبا يوأنس كرسي البطريركية، اذ أنه يعرفه جيدا ويثق فيه في مواجهة المرشحين الآخرين سواء الأنبا مكاريوس أو القمص يوحنا سلامة.

في أعقاب ذلك عقد الأنبا يوساب مطران جرجا اجتماعا للمجمع المقدس في الثامن عشر من يوليو 1928 وتم التأكيد على عدم الممانعة ان يأتي البطريرك من طائفة المطارنة حيث كان يوحنا سلامة المنتخب من قبل وجهاء الأقباط وكيلا لمطرانية الخرطوم. في تلك اللحظة من الصراع على الكرسي البابوي، كانت هناك قوى على المسرح السياسي تتحرك للسيطرة على المراكز المؤثرة في مصر، الإنجليز والملك فؤاد، وكانا يسعيان للسيطرة على الكنيسة والتأثير عليها، حيث تحرك الملك فؤاد وحصر الناخبين للبطريرك في ثلاث فئات هى. الوزراء الحاليون والسابقون،وأعضاء مجلس البرلمان، وبعض الأثرياء وقد اختارهم الملك بنفسه، وبلغ عدد الناخبين 96 فقط، وحينذاك بدا أن كرسي البطريركية ينتظر جلوس الأنبا يوأنس مطران البحيرة كبطريرك رسمي معترفا به من قبل الدولة المصرية نزولا على رغبة الملك.

Image result for ‫الملك فؤاد‬‎

الملك فؤاد

 مسار إصلاحي

وفي خضم هذا المناخ المتوتر تجّلت مدارس الأحد كحركة نهضوية ومسار إصلاحي يعول عليه لبعث الكنيسة بعثا آخر، وذلك من خلال جيل جديد تلقى تعليمه وجرت تنشئته ثقافياً داخل جدران مدارس الأحد التي انطلقت في ربوع مصر واحتضنت شباب الأقباط وصاغت رؤاهم وأحلامهم خلال عقد الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، حين احتضنت مدارس الأحد الطلبة الجامعيين كمكون أساسي داخلها. وكانت البداية من الجيزة وضواحيها وجمعية أصدقاء الكتاب المقدس بالفجالة وغيرها من المناطق بالقاهرة. وقد استوعبت مدارس الأحد طلاب الجامعات القادمين من الأقاليم، وهو ما أدى إلى انتشار سريع لهذه المدارس في معظم أنحاء مصر بفعل هؤلاء الطلاب الذين كان بعضهم يعود إلى محال إقامته الاساسية ليؤسس فصولا جديدة لمدارس الأحد فى القرى والنجوع.

أحداث عاصفة

كان مشهد الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي يموج بالعديد من المتغيرات الداخلية والدولية التي كان لها أبلغ الأثر على الأوضاع السياسية والكنسية، إذ سمحت معاهدة 1936 بأن يتملك الوفد ورئيسه مصطفى النحاس الشعور بأنهم قاب قوسين أو أدنى من تحقيق حلم الاستقلال، وبدا أن معادلة الحكم التي كانت تنحصر في القصر والاحتلال والوفد، أضحت أكثر مرونة بغياب الملك الأب فؤاد الأول، وحلول الابن الصغير فاروق، بيد أن الأخير ورث عن والده كراهية الوفد، وهي الكراهية التي استمرت طوال سنوات حكمه ووصلت إلى ذروتها مع أحداث الرابع من فبراير 1942 .

 بعد وفاة البابا “يوأنس التاسع عشر” عام 1942، ظل الكرسي البابوي شاغرا مدة سنة  وسبعة شهور حتى انتخب الأنبامكاريوس في فبراير 1944، ولم يدم على كرسي مارمرقس الرسول سوى عام ونصف العام، وقد دبت خلال هذه المدة خلافات وصراعات فيما بين المجلس الملي والمجمع المقدس، اضطر على أثرها الأنبا مكاريوس لهجر مقر البطريركية والاعتكاف بالدير، الأمر الذى أحدث أثرا سلبيا بالغا في أوساط الأقباط تمثل في تنامي الشعور بالفراغ الديني على المستوى المؤسسي حتى توفي مكاريوس في نهاية اغسطس 1945.

يقول المؤرخ عزت أندراوس في موسوعة تاريخ أقباط مصر إن الأستاذ نظير جيد – البابا شنودة الثالث – بدأ خدمته في مدارس الأحد عام 1939 بكنيسة السيدة العذراء بمهمشة شمال القاهرة، وفي العام التالي 1940 تم انشاء فرع اخر بجمعية الإيمان بشبرا، ونظرا لنشاط  الأستاذ نظير جيد، ضمه الأرشيدياكون حبيب جرجس الى اللجنة العليا لمدارس الأحد.

ومع مطلع الأربعينات عُقد مؤتمر عام لمدارس الأحد في نوفمبر 1941 في نادي مدارس الأحد بشبرا وافتتحه الأ رشيدياكون حبيب جرجس وحضره حوالي خمسمائة خادم من خمسين فرعا من فروع مدارس الأحد التي كانت تنتشر في جميع أنحاء البلاد. وجاء في قرارات المؤتمر:

-إن جميع مدارس الأحد بالقطر المصري والسوداني تابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية وتحت إشراف كهنتها .

-إنشاء قسم بالمدرسة الأكليريكية يسير تحت نظام وبرنامج خاص لمدة ثلاث فترات لدراسة ما يؤهل الطالب الحصول على إجازة التدريس.

-من يحصل على إجازة التدريس يحوز درجة دينية (ايبدياكون).

 كما أوصى الحاضرون بالاهتمام بخدمة الوعظ بالقرى المحتاجة، وأن ينتدب كل فرع بالقاهرة مندوبا أو أكثر للحصول على الدراسات المتواصلة في اللجنة العامة.

وفي العام 1946 انشأ حبيب جرجس القسم الليلي لخريجي الجامعات، وتمت صياغة أهداف مدارس الأحد من خلال عدة محاور:

– تعليم الطلاب حقائق الإيمان الأساسية.

– تلقين الطلاب تاريخ الكنيسة وعقائدها وطقوسها.

– تدريبهم على الحياة المسيحية .

– تعويدهم على تقديس يوم الأحد.

– لا تتدخل مدارس الأحد في الحياة الحزبية والسياسية.

والأهم من ذلك ان مدارس الأحد أصبحت بمثابة المكان الذي تجتمع فيه نخبة من الأقباط للتداول من حين لآخر في بعض ما يهم الرأى العام القبطي.

Related image

نظير جيد….ظهور لافت

 كان البابا يوساب مطران جرجا قائمقام بعد وفاة الأنبا مكاريوس حتى تم اختياره للجلوس على الكرسي البطريركي في مايو ،1946 وقد صاحبه في تلك الفترة تلميذه وخادمه كامل جرجس الشهير بملك وكان البطريرك يثق فيه ثقة عمياء. عمل ملك على تضييق  الأمور على مدارس الأحد وعلاقتها  بالكنيسة، ووضع  حاجز بين الأقباط والبطريرك ،فساءت العلاقات بين مدارس الأحد وبين البابا وانتهى الأمر إلى مواجهة بينهما على صفحات مجلة مدارس الأحد ( تاريخ مدارس الأحد في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مائة عام. إعداد لجنة احتفالية مئوية مدارس  الأحد، ص 202 ).

Image result for ‫البابا يوساب مطران‬‎

البابا يوساب مطران

التحق الطالب نظير جيد بالكلية الاكليريكية بالقسم المسائي وهو طالب بكلية الآداب، وكان يدرس في مدارس الأحد حتى تخرج من الكلية الاكليريكية في العام 1949، وكان أول الخريجين، وعين بهيئة التدريس، ومنذ ذلك الحين ازداد نشاطه في مدارس الأحد حتى أصبح رئيسا لتحرير مجلة مدارس الأحد منذ ديسمبر 1949. وقد اضطلعت مجلة مدارس الأحد من خلال الجيل الجديد  بمهمة إزاحة السكون الذي غلف الكنيسة القبطية عدة عقود وأصاب الأقباط بإحباط شديد، مما دفعهم أن يصدروا المجلة بافتتاحية تشير الى منهج عملهم “بيد قوية، هي يد الله العلي القدير، تصدر مجلة مدارس الأحد، وما قصدنا من اصدارها زيادة عدد ما يصدر من مجلات، لكننا رغبنا في أن نبعث بعثا جديدا في المجتمع القبطي.. هذه المجلة تريد أن ترفع الصوت عاليا، وتنبه كل مسئول ،وكل فرد أنها تريد أن تخلق الرأي العام في الكنيسة، وأن توجهه، حتى يضطر كل واحد ممن يقود كنيستنا أن يتوارى، ولا يظهر أمام الناس حين يعمل ما يخالف رسالة الكنيسة”.

 جاءت تلك الكلمات مصحوبة مع صورة لغلاف المجلة وعليه صورة السيد المسيح ملوحا بالسوط بإحدى يديه ويشير بيده الأخرى بإشارة الطرد وملامح وجهه تكسوها الحدة وأسفل الغلاف كتبوا جملة هامة تعكس رؤية ومسار الجيل الجديد بمدارس الأحد “رسالة البعث الجديد.”

إنفوجرافيكس: عبد الله إسماعيل

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: