فن

رحلة الفن من الجمال إلى المعنى

حاول الفلاسفة والفنانون وحتى المؤرخون تعريف الفن منذ مئات بل وآلاف السنين، ولكن لم يكن هذا بالأمر السهل، لوجود العديد من التنويعات تحت مظلة الفن من ناحية، ولتطور مفهوم الفن نفسه وظهور أشكال فنية جديدة باستمرار من ناحية أخرى، في عام 2013 ألَّف “آرثر دانتو” – وهو واحد من أشهر الفلاسفة المعاصرين – كتاب “ما هو الفن؟”، ليحاول الإجابة عن هذا السؤال المعقد، خاصة بعد اختلاط ما هو فني وما هو غير فني.

تطور مفهوم الفن 

كان الفن قديمًا- وفقًا للعديد من الفلاسفة العظماء  مثل سقراط وأرسطو – مختزلًا في المحاكاة، حيث كان الفنان ينقل ما يراه في الطبيعة كما هو، ولكن لم  يكن ممكنا ان تستمر هذه الرؤية المحدودة للفن في العالم المعاصر، حيث كسرت الحركات الفنية الجديدة مثل الانطباعية وفن البوب والتجريدية والسريالية وغيرها القواعد القديمة، جنبًا إلى جنب مع ظهور الكاميرا التي مكنت الإنسان من تصوير الطبيعة بمجرد الضغط على زر، وهو ما قلب مفهوم الفن راسا على عقب.

وبدأت تثار تساؤلات لم تكن مطروحة من قبل على الأوساط الفنية، فبدلًا من رسم المناظر الطبيعية هل يمكن التعبير عن شعور أو إحساس ما بالرسم واعتباره فنا؟ وهل تصوير المناظر الطبيعية بالكاميرا بدلًا من الفرشاة  فن؟ إذن ما الذي يجعل الفن فنا؟ وكيف يمكن التفريق بين ما هو فني وما غير ذلك؟ أدت تلك الأفكار إلى انطلاق حركات فنية  جديدة  أعيد من خلالها النظر في الأعمال السابقة، ورؤية الأعمال الجديدة بعين مختلفة تمامًا.

( ثورة النافورة)

 

أسُس الاتجاه الثوري على المفاهيم الفنية القديمة على يد “مارسيل دوشامب” و”أندى وارهول”، حيث تقدم الفنان الفرنسي “دوشامب” بطلب للمشاركة في معرض تابع لجمعية الفنانين المستقلين عام 1917 بعمل أسماه “النافورة”، كان عبارة عن “مبولة” خزفية  مقلوبة رأسًا على عقب، وبالطبع تم رفض طلبه باعتباره  عملا غير فني، فذهب إلى “ألفريد ستيغليتز” – وهو أحد رواد حركة التصوير الفوتوغرافي الفني – ليصور عمله، وبالفعل دخلت  تلك المبولة التاريخ باعتبار “النافورة” واحدة من أكثر الأعمال تأثيرًا على الفن المعاصر

كان معيار الفن وقتها هو الجمال، فحطم “دوشامب” تلك النظرة التقليدية للفن المعتمدة على الجمال السطحي، وكان يتعمد السخرية في أعماله ليلفت النظر إلى المعنى وليس المعايير الشكلية، وهو ما فصل فلسفيًا ما بين الفن والجمال، فقبل أعمال “دوشامب” كان يتم تقييم  الأعمال الفنية وفقًا لمعايير الجمال فقط، أما بعده فقد تحرر الفن من تلك القوالب، وأصبح من الممكن أن يتحول أي شيء إلى فن طالما أن له معنى

على نفس النهج الصادم سار الفنان الأمريكي “آندي وارهول”، الذي قال في إحدى المرات “الاستهلاك أكثر أمريكانية من التفكير، وأنا أمريكي”، لذا افتتح معرضا في منتصف الستينيات بنيويورك يضم صناديق عليها شعارات لمنتجات الصابون وعلب الصلصة والآيس كريم والمياه الغازية وغيرها، ولم تكن تلك القطع التي صنعها بيده تختلف في أي شيء عن تصميمات المنتجات الاستهلاكية المتوفرة في المحلات، إلا أنه أطلق على ذلك “بوب آرت” أو الفن الشعبى                                                                             .

أثارت أعمال وارهول ضجة واسعة آنذاك، وكانت أشهر قطعة “صناديق بريلو” وهي لمنتج صابون، وبدأت الأسئلة تطرح حول الفارق بين صندوق “بريلو” المصنوع بواسطة “وارهول” وذاك الموجود في السوق، فهما متطابقان تقريبًا، إلا أن صندوق “وارهول” كان يمثل قطعة فنية، في حين كانت الصناديق ذاتها التي ينتجها مصنع الصابون مجرد منتجات استهلاكية عادية لا معنى لها                                                                    .

نتيجة لذلك تغير مفهوم الفن الذي كان يركز على الاستثنائي فقط، ليدخل العادي أيضًا حيز الفن، حيث كان “وارهول” يسعى إلى تحويل ما اعتدنا استخدامه في حياتنا اليومية إلى قطع فنية ذات قيمة، ونجح بالفعل في ذلك حيث بيعت قطعته “صندوق بريلو” عام 2010 بما يفوق ال 3 ملايين دولار، وكانت قد ذهبت إلى عائلة شخص يدعى “سكايلر” كان اشتراها عام 1969 بألف دولار فقط.

نهاية الفن

بعدما صدم “دانتو” بتلك التوجهات الجديدة، أعلن عن موت الفن بمعناه التقليدي في مقاله بعنوان “نهاية الفن”، حيث لم يعد الفن مرتبطًا بمعايير جمالية أو حتى إبداعية، فإذا كان يمكن لأي شيء –حتى وإن كان علبة صابون – أن يصبح فنًا، إذن  فلا وجود للفن، حيث امتزج الفن بغير الفن بشكل أصبح يصعب معه التفريق بينهما.

ولكنه  ألف كتاب “ما هو الفن؟” قبيل وفاته ليضع معايير يمكن من خلالها الفصل بوضوح بين ما هو فني وما هو غير فني، وهي المعنى والتجسيد والتأويل،  فوفقا ل”دانتو” أي عمل له معنى مقصود، نجح الفنان في تجسيده بأي شكل سواء لوحة أو منحوتة  أو صورة ..إلخ، وتلقاه الجمهور ونجح في تأويل المعاني الخفية للعمل فهو بلا شك فن، دون شروط أو قوالب بعينها يجب إتباعها، حيث يختلف الناس في طريقة  تعبيرهم عن أفكارهم المبدعة، لذا فالفن ببساطة هو المعنى .. والمعنى هو الفن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: