فن

عادل أدهم.. الشرير المحبوب ذو الألف وجه

تحتشد ذاكرة السينما المصرية بالعديد من المشاهد التي وصل فيها الممثلون إلى قمة الأداء؛ فكتب لها ولهم الخلود وظلت الجماهير تتذكر تلك المشاهد وتردد عباراتها بين الحين والآخر.. ومع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي أخذ الأمر بُعدا آخر باستخدام صور تلك المشاهد في «الكوميكس» للتعليق على الأحداث والسخرية من الواقع.. وكان لمشاهد الفنان الراحل «عادل أدهم» نصيب الأسد لما تمتع به من خفة ظل وأداء عفوي وقدرة على سبك  وارتجال عبارات حظيت بإعجاب المخرجين وكتّاب السيناريو

المتمرد على النمطية

ورغم ذلك فقد أجمع المعنيون بالشأن السينمائي أنَّ طاقات «أدهم» الإبداعية لم تُستغل على نحو جيد بسبب حصره في أدوار بعينها.. وتلك آفة خطيرة من آفات السينما المصرية.. فعندما يبدع ممثل في أداء شخصية ما؛ يسارع المخرجون والمنتجون إلى سجنه في هذا الدور؛ بل إنَّهم يعتبرون تقديم أدوار مختلفة له بمثابة المغامرة التي لا ضرورة لها ولا طائل من ورائها.. إلا أنَّ هذا الظلم الذي أصاب «أدهم» منه الشيء الكثير؛ لم يجعله يستسلم ويرضخ للوقوع في أسر الأدوار المكررة؛ بل كان يدرس كل شخصية ليخلقَ لها تفاصيل تختلف عن سابقاتها.. فقد كان أداؤه لا يقف عند حدود التعبير بنظرات العين والملامح وحركة الجسد التي كانت تسبق الأداء الصوتي الذي يحمل عمق الشخصية ويكشف عن أبعادها المتعددة.. بالرغم من أنَّ «أدهم» لم يدرس فن التمثيل أكاديميا؛ إلا أنَّ اعتماده الأكبر كان على موهبته الفطرية وذاكرته التي كانت تحتفظ بالعديد من المشاهد لشخصيات رآها خلال رحلة حياته العملية قبل دخوله الثاني لعالم الفن.. كان بارعا في ابتكار «لزمة» لكل شخصية مع صنع تفاصيل أخرى تتعلق بشكل الشعر والماكياج والملابس والإكسسوارات.. ظهر ذلك جليا في دور رجل الأجهزة الأمنية الفاسد الذي أداه عدة مرات أشهرها في فيلم «حافية على جسر الذهب» 1976، و«طائر الليل الحزين» 1977، و«أسياد وعبيد» 1978، و«2 على الطريق» 1984، وكذلك دور «القوَّاد» الذي قدَّمه بأسلوبين مختلفين في «الأنثى والذئاب» 1975، «آه ياليل يا زمن» 1977، ودور رجل العصابات الذي قدمه في عدد كبير من الأفلام مثل «هي والشياطين» 1969، و«الأشرار» 1970، و«نساء تحت الطبع» 1976، و«عصر الذئاب» 1986.

مدرسة البورصة

بورصة القطن بالإسكندرية طوال عقد الخمسينيات من القرن الماضي كانت هي مدرسة التمثيل الواقعية التي درس فيها «أدهم» فن الأداء.. إذ التحق بالعمل بها فور حصوله على الشهادة الثانوية، ووصل فيها إلى أعلى درجات الكفاءة والخبرة؛ حتى وصل دخله الشهري منها إلى مئة وثلاثين جنيها في أوائل الستينات.. وكان لاقترابه من «فرغلي» باشا إمبراطور تجارة القطن بالإسكندرية أثر كبير في وصوله لمستوى الخبير وترشيحه للعمل كمحكم دولي لفض المنازعات في هذا المجال.. وعن تلك الفترة قال «أدهم»: «تعلمت فيها معنى الحياة الحقيقية، عاشرت الشيالين والعربجية والفلاحين وعمال اليومية، وجمعتني صداقة مع «عتاولة» البورصة وأصحاب الملايين والذين ترتفع أرصدتهم مئات الألوف في ثوان، ثم يفلسون في خبطة واحدة، فالقطن سوق الذهب الأبيض، والبورصة هي «صاغة» القطن، والناس فيها أسرار، فرأيت الكذاب، والمنافق، والأبله، والشرير، والداهية، ورئيس العصابة في ثوب ملاك، وهي النماذج التي استوحيت منها شخصيات عدة قدمتها على الشاشة لاحقا».

لكن حلم التمثيل لم يغب عن ذهن نجمنا منذ كان في السابعة عشرة يلهو ذات صيف على شاطئ البحر في «سيدي بشر» حين تصادف وجود المخرج «عبد الفتاح حسن» الذي رأى فيه مواصفات النجم السينمائي؛ فعرض عليه الحضور للقاهرة لإجراء اختبار كاميرا في استوديو شبرا.. أقنع «عادل» أهله بالسفر والبقاء لفترة بالقاهرة قبل بداية العام الدراسي.. ورغم أنَّه اجتاز الاختبار إلا أنَّ الأقدار شاءت أن يتأجلَ تحقيق هذا الحلم إذ توفي المخرج «عبد الفتاح حسن» فجأة إثر أزمة قلبية.. لكن «أدهم» ظهر في فيلمين في تلك الفترة هما «ليلى بنت الفقراء» «ماكنش على البال» قبل أن يهديه تفكيره للذهاب إلى «أنور وجدي» في مكتبه.. لكن الاخير عامله بقسوة بالغة قائلا له: ليس من المعقول أن يتحولَ كل الشباب من أصحاب الوسامة إلى ممثلين.. فإذا كنت تحب التمثيل –كما تزعم- فيكفيك أن تمثلَ أمام المرآة!!.

          أنور وجدي                  المخرج عبد الفتاح حسن                المخرج أحمد ضياء الدين

كانت هذه الكلمات بمثابة طلقات رصاص أصابت قلب الفتى الذي لم يكن قد تجاوز العشرين.. فترك القاهرة على الفور وعاد إلى الإسكندرية.. ودخل في حالة اكتئاب، وانعزل عن العالم ولم يستطع أحد إخراجه من هذه الحالة خاصة أنَّه آثر البقاء وحيدا في «شاليه» كانت تملكه العائلة بمنطقة «سيدي بشر».. وتشاء الاقدار أن يزوره صديق ويهديه كتاب «ديل كارنيجي» الأشهر «دع القلق وابدأ الحياة» ليكون هذا الكتاب طوق النجاة لـ «أدهم» الذي خرج بعد قراءته من اكتئابه وانتظم في دراسته؛ وأتم المرحلة الثانوية.. لكنه آثر الدخول في سوق العمل ليتمتع بالاستقلال المادي.

    كمال الشناوي                                                     المخرج علي رضا

موعد مع القدر 

كان «أدهم» موهوبا في تعلم اللغات؛ فأتقن الإنجليزية والفرنسية والإيطالية واليونانية وكانت هذه الموهبة طريقه نحو التفوق في مجال البورصة.. لكنَّ أحواله المادية تأثرت كثيرا عقب صدور قرارات يوليو الاشتراكية عام 1961، وتأميم البورصة مما دفعه للتفكير في السفر إلى ألمانيا، وكان عليه الحضور للقاهرة لتقديم الأوراق للسفارة الألمانية.. فنزل ضيفا على صديقه المخرج «علي رضا».. الذي كان بصحبة المخرج «أحمد ضياء الدين» الذي كان يستعد لبدء تصوير فيلمه «هل أنا مجنونة؟» 1964، فعرض على «أدهم» المشاركة في الفيلم وإلغاء قرار السفر. لا ينسى «أدهم» ارتباكه الشديد عند تصوير المشهد الأول له في الفيلم أمام النجم «كمال الشناوي» بالرغم من أدائه الجيد في «البروفة».. ومع تكرار الارتباك بدأت الأجواء في التوتر بعد ان وجَّه «ضياء الدين» لأدهم عبارات قاسية تتعلق بإهداره لأموال الناس.. وهنا يتدخل «كمال الشناوي» ويقنع المخرج بطريقة لطيفة تزيل توتر نجمنا الذي كان يجيد في البروفات ويرتبك عند التصوير.. فكان التصوير يتم لما يعتقد «عادل» أنَّه «بروفة»!

يتذكر «أدهم» تلك الايام التي مثلت له مفترق طرق بعد أن غادرَ عالم البورصة، وأوقف إجراءات سفره لألمانيا؛ فصار النجاح في عالم الفن بالنسبة له مسألة حياة أو موت.. ونظرا لما كان يتمتع به من خفة ظل بدأ «أدهم» مشواره الفني بعدد من الأدوار الكوميدية مثل فيلم «جناب السفير» 1966 و«أخطر رجل في العالم» 1967، لكنه سرعان ما تحوَّل لأدوار الشر بعد خلو الساحة تقريبا من كبار الفنانين الذين برعوا في تلك الأدوار بعد أن غيَّب الموت بعضهم، وقعد المرض بالبعض، فيما رأى الباقون التحوُّل لأدوار الخير لأسباب متعددة.

اعادة اكتشاف

في عام 1972، كان المخرج «حسن الإمام» يعد لفيلمه «امتثال» وكان قد أسند دور المعلم «فؤاد الشامي» للفنان «فريد شوقي» لكن خلافا بينهما جعل «شوقي» يعتذر عن الدور.. فإذا بالإمام يصرّح بأنَّه سيجعل الخواجة –يقصد أدهم- يخلع «البرنيطة» ويرتدي «الجلابية» وأنَّه سيكتشف «أدهم» من جديد من خلال هذا الدور.. وقد كان.

منذ تلك البداية الثانية التي كانت في 1964، وحتى آخر أفلامه شارك نجمنا في أكثر من فيلم، ولم يشارك إلا في عمل مسرحي واحد هو «وداد» ومسلسل تليفزيوني من سبع حلقات بعنوان «جريمة الموسم» من إخراج «نور الدمرداش» ولم يقدم «أدهم» أية أعمال إذاعية إذ رأى أنَّ. التمثيل امام ميكروفون الاذاعة امر سخيف لا طاقة له على تحمله

في معظم تلك الأفلام اكتفى «أدهم» بالأدوار الثانية والثالثة إذ كان يرى أنَّ الدورَ ليس بحجمه، ولكن بعمق أثره، وقدرة الفنان على الإبداع فيما هو متاح له من مشاهد والوصول إلى أقصى درجات المصداقية من خلال دراسة الشخصية بكافة أبعادها بحيث تكون كل عبارة وكل لفتة وكل حركة بمثابة صورة فنية تحتفظ بها الأذهان على مر الزمن؛ وهو ما نجح فيه نجمنا نجاحا غير مسبوق.. ويكفي أنَّ الجمهورَ كان يصفق بشدة في صالات العرض فرحا بظهوره الأول في كل عمل.

في معظم الأفلام التي قام فيها «أدهم» بدور الشرير كان يتوجب عليه أن يموت في نهاية الفيلم.. وقد برع فناننا في أداء هذا المشهد بطرق مختلفة لا ننسى منها أداءه المبهر في «حافية على جسر الذهب» و«آه ياليل يازمن» و«الفرن» و«أقوى من الأيام» و«االشيطان يعظ» و«السلخانة» وغيرها.

وتظل أدواره الإنسانية في «رجل بمعنى الكلمة» 1978، «رجل لهذا الزمان» 1986، و «ثمن الغربة» 1987، إضافة إلى أروع أدواره على الإطلاق في فيلم «المجهول» 1984، علامات بارزة في مشواره الفني الحافل.

كما ظل أداؤه لدور الشيطان في فيلم «المرأة التي غلبت الشيطان» 1974، ودور الملحد في «أين تخبئون الشمس» من أجمل ما قدم.. كما شارك «عادل أدهم» في عدد من الأفلام الإيطالية منها فيلم «فلات فوت في مصر» من بطولة النجم «بد سبنسر» وعرض عليه المخرج العالمي «إيليا كازان» العمل معه في عدد من الأفلام لكنَّ ارتباطه بمصر وعدم رغبته في العيش بعيدا عنها جعله يرفض العرض.

عادل أدهم وزوجته الراحلة لمياء السحراوي

تزوج عادل ادهم من السيدة لمياء السحراوى التى رحلت هى الاخرى فى الخامس من ابريل2018 وعاش معها قصة حب رائعة ووقفت الى جانبه فى محنة مرضه وظلت بجواره حتى اخر يوم في حياته. وفي التاسع من فبراير عام 1996، رحل عن عالمنا الفنان «عادل أدهم» بعد رحلة فنية حافلة قدم فيها أعمالا ستظل خالدة وباقية في ذاكرة الجماهير.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق