منوعات

عندما سقطت الراية الزائفة ..لماذا فشلت الاشتراكية ؟

حملت رياح منتصف القرن العشرين مبشرات بتحول أفكار ونظريات كارل ماركس إلى واقع مشهود، وصارت الاشتراكية قاب قوسين أو أدنى من خلافة الرأسمالية كأيديولوجيا متوجة على عرش العالم… ففي عام 1956، أعلن رئيس الوزراء السوفييتي، نيكيتا خروتشوف، في خطابه التاريخي أمام سفراء الدول الغربية في موسكو، أنه يثق تماما في أن التاريخ سيقف إلى جانبه، وأن وقتا طويلا لن يمر حتى تهيل الاشتراكية التراب على الرأسمالية. في هذا الوقت، كانت أغلب الكتلة الأرضية الأوراسية خاضعة لحكم الأحزاب الشيوعية التي ادعت أنها تبني صرح الاشتراكية التليد، بينما راحت الأفلام الدعائية الأمريكية ترسم الخرائط لخطر أحمر سرطاني يستشري في جميع أنحاء العالم.

كان العالم في ذلك الوقت منقسما إلى ثلاثة عوالم رئيسة،: العالم الأول الذي شمل الدول الرأسمالية المتقدمة، والعالم الثاني الذي ضم دول أوربا الشرقية والاتحاد السوفيتي التي أعلنت نفسها دولا اشتراكية، والعالم الثالث الذي ضم المستعمرات الأوربية الغابرة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. وفي الصين وبعض دول العالم الثالث الأخرى، كانت حركات التحرر الوطني التي يقودها الشيوعيون تضع عن بلادها إصر الإمبريالية الغربية وتناضل من أجل تحويل اقتصاداتها الرجعية القائمة على الزراعة إلى اقتصادات اشتراكية حديثة.

كارل ماركس                                                نيكيتا خروتشوف

برغم ذلك، كانت هناك دلائل قوية على أن الاشتراكية الديمقراطية الحقيقية قد تعثرت في طريقها للتحول إلى واقع ملموس ونظام حياتي عملى وفعلي. ففي الوقت الذي زعم فيه القادة الماركسيون في بلدان العالم الثاني أنهم يقيمون دولة الاشتراكية، كانت المجتمعات الصناعية القائمة على التخطيط المركزي التي يحكمونها لا تشبه ديمقراطيات الطبقة العاملة القائمة على المساواة، التي وجدت في عقل ماركس وإنجلز. وبحلول النصف الثاني من القرن العشرين، رفع العاملون في جميع أنحاء العالم الثاني من المجر وتشيكوسلوفاكيا إلى بولندا رايات التمرد ضد “دولة العمال الاشتراكية” التي زعمت أنها تمثلهم.

الراية الزائفة

وبعد أن انقشعت حجب الضباب الأيديولوجي الكثيف الذي عبأ سماء الحرب الباردة، تبين – بعد فوات الآوان – أن الأنظمة الصناعية التي تتحكم فيها الدولة – ويتم وسمها إفكا بالاشتراكية أو الشيوعية – لم تكن يوما ديمقراطيات تحكمها الطبقة العاملة. لذا، فإن الاشتراكية – كما يؤكد كريج كولينز، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ولاية كاليفورنيا – إيست باي، لم تفشل في واقع الأمر؛ لأنها – ببساطة – لم تكن موجودة من الأساس. لكن هذا لا يفسر وحده فشل تطور المجتمعات الصناعية الخاضعة لحكم الدولة في الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية والصين – التي وسمها الجميع زورا بالاشتراكية – ونكوصها في نهاية المطاف إلى منظومة الرأسمالية العالمية.

Image result for ‫كريج كولينز      ‬‎

كريج كولينز

“لا شك أن هذه الردة التاريخية كانت مربكة للماركسيين والشيوعيين الذين ينتمون إلى المدرسة القديمة، والذين يريدون أن يصدقوا أن هذه المجتمعات الخاضعة لمركزية الدولة كانت ديمقراطيات اشتراكية حقيقية في طليعة التاريخ، وأنها كانت تقود حركة تطورية عالمية صوب شيوعية لا طبقية”، كما يكتب كولينز. لذا، بقي السؤال عالقا: لماذا تختار دولة اشتراكية، يحكمها العمال من أجل العمال، أن تنكص على عقبيها، وأن تتنكب مسار التاريخ لتعود مجددا إلى حظيرة الرأسمالية العالمية؟

في مقالته التي حملت عنوان ?Why did Socialism Fail (لماذا فشلت الاشتراكية؟) يقدم كولينز إجابة تحليلية على هذا السؤال، حيث يؤكد منذ الوهلة الأولى أن الحل المفتاحي لفهم حقيقة الأسباب التي دفعت هذه المجتمعات الصناعية المحكومة من قبل الدولة إلى تنكب الطريق هو “أن نتحرر ابتداء من السردية التاريخية الوهمية التي صورت هذه المجتمعات على أنها كانت نموذجا لديمقراطيات الطبقة العاملة التي وعدت بها يوتوبيات ماركس وإنجلز”. “ومع ذلك” – يستطرد كولينز – “فإن إزالة الهوية الاشتراكية عن هذه الاقتصادات الصناعية الخاضعة لهيمنة الحكومات لا يقدم تفسيرا مقبولا لأسباب الخلل الوظيفي الذي أصابها إلى الدرجة التي دفعت حكامها “الشيوعيين” – في نهاية المطاف – إلى خصخصة القطاعات الرئيسة من اقتصاداتها، والسماح لرأس المال الأجنبي باستغلال عمالتها ومواردها. وإذا رفعنا عن أعيننا حجب الغمامات الأيديولوجية، وتفكرنا بعمق في الأدلة التي يسوقها التاريخ، فإن أسباب نكوص هذه المجتمعات إلى مدار الجاذبية الرأسمالي تبيت أكثر وضوحا”.

انطلاق قطار الحداثة

على سبيل المفارقة، لعب التمدد العالمي للحداثة الصناعية الرأسمالية في القرن العشرين دورا محوريا في وجود، ثم اندثار، هذه التجارب الصناعية الخاضعة لسيطرة الدولة (الاشتراكية). فبمجرد انطلاق قطار الثورة الصناعية الذي يعمل بالوقود الأحفوري – وهو عبارة عن مصادر الطاقة المستخرجة من باطن الارض مثل الفحم ثم البترول والغاز-ويحركه الربح المادي، بات واضحا أن هذا القطار يمتلك قوة جائرة وعنيفة لا يمكن وقفها على المحيط الأوربي الرأسمالي. كما أثبتت التقنيات التي تعمل بالطاقة الهيدروكربونية ووسائل النقل وأجهزة الاتصال وأدوات الحروب التي أنتجتها الماكينة الراسمالية أنها متجاوزة لطاقات المقاومة وخارج حدود الاحتواء. بطبيعة الحال – كما يشير كولينز – لا يعني هذا أن البعض لم يحاول. فمن البداية، سعت القوى الإمبريالية ذاتها، إلى وقف هذا التطور على مجتمعاتها، وذلك لخدمة المصالح الضيقة لإمبراطورياتها الاستعمارية.

Related image

  وبالفعل زرعت القوى الأوربية الحواجز والمتاريس في طريق قطار التصنيع. تمثلت هذه الحواجز في  تقييد حركة رأس المال بين الإمبراطوريات المتنافسة وقصر التصنيع داخل مستعمراتها على مشروعات تصب في النهاية في مصلحة الدولة الأم. لكن هؤلاء الذين حاولوا احتواء الحداثة لخدمة مصالحهم الإمبريالية وجدوا أنفسهم في الجانب الخطأ من التاريخ. فالقيود الكولونيالية على حركة رأس المال وتمدد السوق تسببت في خفض معدلات الإنتاج، وزادت من حدة الصراع بين القوى الأوربية، وأزكت نار المقاومة ضد الإمبريالية.

وفي النهاية، كانت الأزمات التي تمخضت عن هذه الحواجز هي ذاتها معول هدمها. ويجمل كولينز هذه الأزمات في أزمة موجة الكساد التي اجتاحت العالم في فترة ما بين الحربين. وبدلا من احتواء الرأسمالية تحولت هذه التشنجات المدمرة إلى آلام جماعية متصاعدة، وانطلق قطار التصنيع الذي يحركه الوقود الأحفوري بقوة من جديد بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها.

ومع انهيار الامبراطوريات الاستعمارية االتي دمرتها الحروب في أوربا، حظيت الحداثة الصناعية بتأييد وإعجاب القادة السياسيين في العوالم الثلاثة. ففي العالم الأول، أشرفت الولايات المتحدة الأمريكية على إعادة بناء الرأسمالية الغربية المحررة من القيود الاستعمارية على التجارة والاستثمار العالميين. وأعاد الدولار والوقود الأحفوري الأمريكي المتوافران بغزارة وبأسعار زهيدة بناء اليابان والاقتصادات الأوربية التي دمرتها الحروب؛ ولكن هذه المرة في ظل هيمنة أمريكية كاملة. وفي بريتون وودز أنشأت الولايات المتحدة الأمريكية البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وعقدت الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (الجات). ولعبت هذه المؤسسات الدولية الجديدة دورا محوريا في إزالة أغلب القيود عن استغلال العمالة والموارد في جميع أرجاء “العالم الحر”.

وفي العالم الثاني، شرع الاتحاد السوفيتي وبلدان أوربا الشرقية في عملية إعادة البناء من وراء “ستار حديدي” حال دون اختراق البنوك والشركات الغربية هذه الاقتصادات الوطنية القائمة على التخطيط المركزي. وتولى مخططون مركزيون “اشتراكيون” قيادة حركة التصنيع في بلادهم، وبدأوا عملية بدت شبيهة للغاية بالحداثة الغربية، تجلت أبرز معالمها في موجة تمدن عاتية وسريعة غذتها وفرة الفحم والوقود، ومشروعات صناعية عملاقة، وميكنة زراعية، ودمار بيئي.

وبالمثل، انطلق قطار الحداثة الصناعية في العالم الثالث. كان قادة هذه البلدان المستقلة حديثا – سواء شيوعيون أو رأسماليون أو قوميون محايدون – يشعرون بنهم بالغ لينفضوا عن كواهلهم ركام الفقر والرجعية والاستغلال  الذى رزحوا تحت نيره في الحقبة الاستعمارية، وذلك من خلال عملية تطوير صناعي شامل. وبالفعل، تمكنت جميع الدول التي قاد فيها الشيوعيون حركات تمرد وطني ناجحة ضد الهيمنة الغربية ( مثل الصين وكوبا وفيتنام)، من المروق ببلادهم من المنظومة الرأسمالية العالمية. وعلى غرار الاتحاد السوفيتي، كان الهدف المعلن هو الاعتماد على الذات وتحقيق الحداثة “الاشتراكية”. وبرغم أن الحداثة الحقيقية لم تتحقق أبدا – وفقا لكولينز – إلا أن دولا كبرى، مثل الاتحاد السوفيتي والصين، كانت تمتلك بالفعل الموارد البشرية والمادية اللازمة للبدء في موجة تصنيع سريعة وشاملة بتوجيه حكومي.

معوقات الحداثة الاشتراكية

رغم ذلك، لم تمض عقود طويلة حتى وجدت هذه الدول – بما فيها الدول الكبرى – نفسها في مواجهة قيود موهنة جعلت حركة التصنيع التي تقودها الدولة في وضع غير موات مقارنة بالرأسمالية الغربية. وفي النهاية، أودت معوقات الحداثة التي واجهت هذه الاقتصادات الوطنية التي تسيطر عليها الدولة بهذه المجتمعات إلى موجات من الكساد وعدم الاستقرار السياسي ونكوصها في نهاية المطاف إلى منظومة الراسمالية العالمية.

يحدد كولينز المعوق الأول في عدم قدرة هذه الاقتصادات الانعزالية التابعة للدولة على الاستفادة من مضخة الثروة  العالمية التي أدارها منافسوها الغربيون الراسماليون. ففي حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، شجعت الاتفاقات التجارية والمالية التي عقدت في مدينة بريتون وودز رأس المال والموارد على الانتقال بسهولة عبر أرجاء “العالم الحر”. وسمحت هذه الاتفاقات بقيام شركات متعددة الجنسيات لضمان سهولة الوصول إلى العمالة الرخيصة ومصادر الطاقة الوفيرة والموارد الحيوية في أي مكان يمكن أن يتوافر فيه مناخ استثماري آمن. وسمحت هذه القدرة على استغلال العمالة والطاقة والمواد الخام في دول الهامش للشركات الأمريكية والأوربية واليابانية أن تجني جل مغانم الحداثة بينما فرضت مغارمها ومساوئها على كاهل العالم الثالث.

وبالفعل، تمكنت الدول الغربية الرأسمالية بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها من زيادة الأجور الحقيقية لمواطنيها ورفع مستوى معيشتهم، مستفيدة في ذلك من وضعها كقوى مهيمنة على الاقتصاد العالمي. وأدت الثروة الناتجة عن هذه الهيمنة، إضافة إلى توافر مواد الطاقة، إلى خلق طبقة وسطى ثرية ومنتعشة أصبحت تمثل المستهلك الأساسى للسلع التي أغرقت الأسواق الأوربية.

وعلى الطرف النقيض من هذا الوضع المتميز للدول الرأسمالية الغربية  عانت اقتصادات التصنيع الوطنية “الاشتراكية” التابعة للدولة في بلدان العالم الثاني. فبينما شرعت هذه الاقتصادات الانعزالية في تدشين برامج تصنيعية طموحة، كان على مخططيها المركزيين أن يستخلصوا كل مفردات الثروة اللازمة لعملية التحديث من قاعدة مواردهم المحدودة ومن كد الفلاحين والعمال الذين ادعوا أنهم يمثلونهم. وبدون وجود دول هامش ترزح تحت نير الاستغلال لتوفير العمالة والمواد الخام الرخيصة، اضطرت برامج التحديث المتسارعة الخاضعة  لهيمنة الدولة إلى تكثيف كافة التضحيات والحرمان والتغريب – التي كانت دول العالم الأول قد فرضتها من قبل على مدى قرن كامل في إمبراطورياتها الاستعمارية – داخل حدودها الوطنية وعلى مدى بضعة عقود.

التكنولوجيا والوعد العمالي

إضافة إلى ذلك، واجهت حركة التصنيع التي تقودها الدولة دوافع متصارعة فيما يتعلق بموجة الابتكار التكنولوجي التي اجتاحت العالم آنذاك. فبينما كان المخططون المركزيون يريدون التحديث فعليا، وكانت خططهم الخمسية تفرض على المديرين الصناعيين تحقيق معدلات إنتاج غير مسبوقة، إلا أن الشرعية السياسية للمشروع الاشتراكي لم تكن تعتمد فقط على أدبيات هذا التحديث، وإنما ارتكزت أيضا إلى وعدها الأساسى بتوفير فرص عمل وتأمين وظائف مناسبة وتجنب تسريح العمال. ومن ثم، عمدت القيادت الحزبية إلى تثبيط نزعات الابتكار والأتمتة (إحلال الآلة محل الإنسان) لما سيترتب على هذه السياسات من إلغاء لبعض الوظائف وإعادة توجيه للنفقات الأساسية الخاصة بإعادة تأهيل القوة العاملة وإعادة توطين العمال، إلى غير ذلك من أشكال التنكيل الاجتماعي، وهو ما جعل التكنولوجيا الجديدة الموفرة للعمالة موضع رفض من قبل الاقتصادات “الاشتراكية”. وبهذه الطريقة – كما يؤكد كولينز – أثبت التخطيط المركزي الوطني التابع للدولة – مقارنة بمنافسه الرأسمالي – أنه إدارة تصنيعية بيروقراطية أكثر تشددا وأقل كفاءة.

Related image

وعلى النقيض، لم يكن ثمّة ولاء أو تعهدات من قبل القوى الرأسمالية الغربية تجاه قوتها العاملة، أو التزامات إزاء إملاءات أي خطة تابعة للدولة إضافة إلى ذلك، قدم الدافع إلى مضاعفة الأرباح حافزا قويا لهذه القوى لتقليل نفقات العمال عبر الابتكار والأتمتة والاستعانة بمصادر خارجية بل وتسريح العمالة. وللأفضل والأسوأ معا، كانت إدارة  التصنيع الخاضعة لهيمنة الدولة تفتقر إلى قدرة الرأسمالية على التخلي عن المشروعات غير المربحة، والتربح من البطالة وغياب الأمن الوظيفي، ونقل رأس المال إلى أي مكان يمكن أن يحقق فيه أعلى معدلات ربحية للمستثمر.

إن ارتكاز الرأسمالية إلى قاعدة مضاعفة الربح بهدف تحقيق الزيادة والتراكم في رأس المال هو ما جعلها مناسبة للاستفادة من الحداثة السريعة والمرنة والمعولمة والقائمة على الوقود الأحفوري المتوافر والرخيص أكثر من الاقتصاد الوطني الذي تتحكم فيه الدولة. وحتى منذ انطلاق الثورة الصناعية، كان السر في تعاظم التمدد السرطاني للرأسمالية يكمن في قدرتها على استيعاب المستودعات الهيدروكربونية الشاسعة الموجودة في جميع أنحاء العالم. وأثبتت الطاقة الوفيرة والرخيصة، إلى جانب وسائل النقل والاتصال العالمية السريعة والرخيصة أيضا، فاعليتها في تحقيق أقصى قدر من الربحية عبر أدبيات الأتمتة والتشغيل الآلي.

 النكوص إلى الرأسمالية

بهذه الطريقة يؤكد كولينز أن مبدأ الربحية قد قدم محفزا مهما للاستثمار الرأسمالي لاستخدام الطاقة من أجل التوسع في الأتمتة والاستعانة بمصادر خارجية واستغلال العمالة الرخيصة على مستوى العالم. إضافة إلى ذلك، خلقت حاجة المستثمر الرأسمالي إلى بيع منتجاته حافزا آخر لاستخدام الطاقة الهيدروكربونية الرخيصة في عمليات التوزيع والدعاية وإنشاء شبكات المعلومات اللازمة لعولمة أسواقه.

وبدون هذه الحوافز للتوسع السريع واللانهائي ووالوصول إلى قاعدة عمال وموارد عالمية لاستغلالها، وجد مخططو الدولة الاشتراكيون أنفسهم غير قادرين على تحقيق الثروة المطلوبة لخلق طبقة وسطى كبيرة ومنتشية على غرار نظيرتها في الغرب. ومع اتساع الهوة بين الشعوب وحكامها الشيوعيين، تسلل شعور بالإحباط وعدم الرضا عن الاشتراكية البيروقراطية غير الخاضعة للمساءلة إلى كافة طوائف هذه المجتمعات من القمة إلى القاع. ولكن، بينما فقدت الوعود البراقة التي نشرتها ماكينة الدعاية الاشتراكية وهجها في أعين القابعين في قاع هذه المؤسسات البيروقراطية العملاقة، جنحت النخبة الحكومية في النهاية إلى معانقة فكرة التحول من الشيوعية الزائفة إلى الرأسمالية الحقيقية.

Related image

وفي العقود الأخيرة من القرن العشرين، بات جليا للنخب “الشيوعية” أن التحول إلى الرأسمالية هو المسار الأسرع والحل السحري لتجنب حالة الجمود الاقتصادي وموجات الاضطرابات السياسية، وأيضا لزيادة ثرواتهم الخاصة وإحكام قبضتهم على السلطة. ويلفت كولينز إلى أن هذا التحول صوب الرأسمالية كان أكثر فوضوية وعشوائية في الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية منه في الصين. لكن، في كل الحالات، قام بيروقراطيو الأحزاب بخصخصة اقتصادات بلدانهم وعقد صفقات مع شركات غربية، وحولوا أنفسهم من مخططين حكوميين ذوي امتيازات إلى مديري شركات.

ويلفت كولينز إلى أن هذه السهولة النسبية في هذا التحول الأيديولوجي – دون نشوب حروب أهلية دامية أو انهيار اجتماعي شامل – تظهر بجلاء وجود توافق طبقي لم يكن ضروريا ان يحدث معه  تحول جوهرى في تراتبية الطبقات؛ وإنما فقط تحول مخططو الدولة إلى مديري شركات، بينما بقي العمال عمالا”.

ويتساءل كولينز: “لو كانت هذه حقا ديمقراطيات اشتراكية حقيقية، هل كان مواطنوها سيهجرونها للعيش في دول رأسمالية تحت وطأة الاغتراب النفسي والاستغلال المالي؟ ويبادر بالإجابة: “مستحيل”. ويؤكد أن الأمر لا يمكن قولبته في اشتراكيات منفرة ورأسماليات جاذبة، وإنما كانت المجتمعات التابعة للدولة تُحكم من قبل بيروقراطيات عاجزة تدير كافة مناحي الحياة دون أن تخضع للمحاسبة. وكانت هذه النخبة البيروقراطية تمثل طبقة حاكمة غير أمينة على المصلحة العامة ولا تعبأ سوى لمصالحها الخاصة، ولا تتجاوب مع حراك الشعوب. وفي أفضل الأحوال، كانت جودة الوظائف والبضائع والخدمات التي يقدمها التخطيط المركزي الخاضع لهيمنة الدولة غير مرضية للجميع باستثناء هذه النخبة الثرية المميزة سياسيا. وهكذا، ساد الاغتراب جميع مناحي الحياة في مجتمعات “الاشتراكية” الصناعية مثلما ساد في مجتمعات الرأسمالية الصناعية.

ترك هذا الموقف أغلب العمال في حالة صدمة من المثل العليا التي أعلنها المشروع الإشتراكي. لذا، عندما بدأت هذه الأنظمة المخططة مركزيا تنوء بحمل بيروقراطيتها وفسادها وعجزها، لم يشعر أبناء هذه المجتمعات من المواطنين العاديين الذي تصوروا أن بإمكانهم أن يجدوا حياة أفضل في ظل الرأسمالية بأي أسف على ذهاب الاشتراكية.

الاشتراكية المظلومة

يخلص كولينز في ختام مقالته إلى أنه بالنظر إلى القرن الماضي، يبدو أن التوسع الإمبريالي العنيف للتصنيع الرأسمالي الغربي قد أنتج ردة فعل قومية ثورية عنيفة. وتحت راية الاشتراكية، رفضت بعض الثورات القومية المشروع الرأسمالي، لكنها عانقت حلم الحداثة وتشبثت بموعودها. ومع ذلك، فقد أثبت التصنيع المتسارع أنه غير متوافق مع أدبيات الحكم الديمقراطي العمالي؛ لذا، فإن الاشتراكية الديمقراطية الحقيقية – كما يؤكد كولينز – “لم تكن موجودة يوما”.

Image result for ‫الاشتراكية المظلومة‬‎

ومما زاد الطين بلة، أن موجة الحداثة الموجهة من الدولة تسببت في مشكلات خطيرة أيضا. فعلى عكس الرأسمالية، اعتمدت الشرعية السياسية للاشتراكية على توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية وإتاحة فرص عمل مناسبة، وهو ما أعاق حركة التصنيع التي تهيمن عليها الدولة عن جني ثمار القدرات الإنتاجية الكاملة للأتمتة الصارمة المدفوعة بالربح.

إضافة إلى ذلك، فإن مبدأ عدم استغلال الشعوب الفقيرة قد منع هذه الاقتصادات المنعزلة من الاعتماد على الخارج للتغلب على الصعوبات الداخلية التي واجهتها، ولجني فوائد ضخمة من مضخة الثروة الصناعية العالمية التي تديرها الرأسمالية الغربية. فبالمقارنة بالرأسمالية الصناعية، كان الاقتصاد التابع للدولة غير قادر على توليد الثروة الهائلة والطبقة الوسطى المزدهرة التي أتاحها استغلال العمالة والموارد في جميع أنحاء العالم.

وفي النهاية، خلقت هذه التجارب في إدارة التصنيع التابعة للدولة حالة من الجمود والركود تحت وطأة بيروقراطيات لا تخدم سوى مصالحها الخاصة. وفي ظل هذا الركود الاقتصادي، والغضب الشعبي وأزمة الشرعية بدأ مخططو الدولة عملية خصخصة اقتصاداتهم وجني ثمار مساومة شيطان الرأسمالية الأجنبية. وقد سمح هذا التحول إلى الرأسمالية للنخبة الشيوعية السابقة بتحقيق حلم الثراء لنفسها والتمسك بمواقعها في السلطة ونصيبها من الامتيازات.

حتى هذه اللحظة، كما يوضح كولينز، كانت الجماهير المحبطة في بلاد العالم الثاني تذعن لهذا التحول صوب الرأسمالية، بينما يحدوها أمل باهت في أن الرأسمالية الحقيقية ستكون أفضل من الاشتراكية الزائفة. لكن يبدوأن الرأسمالية الصناعية قد تجاوزت اليوم فترة صلاحيتها، وقد تلحق عاجلا بمنظومة الدولة المهيمنة في سلة مهملات التاريخ. “لقد أوشك رصيد احتياطي الطاقة الأحفورية، الذي سمح للرأسمالية الصناعية بسحق الكوكب في سعيها اللاهث الخبيث وراء تحقيق معادلة الربح والقوة والهيمنة، على النفاذ. ومن خلال قدرة حضارة التصنيع على هزيمة كافة الجهود التي تحاول إخضاعها لسلطان الديمقراطية، يبدو أن هذه الحضارة مقدر لها أن تتولى بنفسها عملية إبادة نفسها ذاتيا.

يمكن الاطلاع على النص الأصلي لهذه المقالة من هنا 👉

إنفوجرافيكس: عبد الله إسماعيل

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق