منوعات

«أ- ب العدالة الاجتماعية».. محاولة جادة لتبسيط مصطلحات اقتصادية معقدة

هل يمكن تقديم مفاهيم ومصطلحات اقتصادية معقدة وأكاديمية بلغة بسيطة يفهمها القارىء غير المتخصص من عامة الناس، وتخلط ما بين العامية والفصحى، دون الإخلال بمعناها؟.. هذا ما فعلته الباحثة ريم عبد الحليم في كتابها “أ-ب العدالة الاجتماعية”، الذي صدر مؤخرا عن دار مرايا للنشر، والذي حاولت خلاله السير على ذلك الخيط الرفيع الفاصل ما بين التبسيط المخل بالمعنى، وبين لغة صعبة في شرح المصطلحات الأكاديمية، لا يتسنى للقارىء غير المتخصص أن يفهمها.

في هذا الكتاب الذي يضم خمسة فصول تحت عنوان “المحطات”، تحاول  الباحثة، الحاصلة على الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة القاهرة، شرح مفهوم العدالة الاجتماعية ككل، فتبدأ بعلاقة الأجر بالإنتاجية، ثم محطة أفق الاستثمار بين الانفتاح والانغلاق، ومحطة.. من يتحمل ثمن الأزمة الاقتصادية، وعدالة توزيع الخدمات بشكل جغرافي، وأخيرا، محطة مسارات الحلول والخروج من عنق الزجاجة.

وعبر كل هذه المحطات تعالج الباحثة مختلف القضايا والمسائل المتعلقة بموضوع العدالة الاجتماعية، من خلال شرح مبسط للمفاهيم، تمتزج فيه العامية باللغة الفصحى المتخصصة، حيث نجد أنفسنا طوال صفحات الكتاب ننتقل بين أمثلة لنقاش يومي نسمعه في الأسواق والشوارع، وبين شرح أكاديمي نجده في قاعات المحاضرات. فبعد شرح سريع لتطور واختلاف المفهوم الأوسع للعدالة الاجتماعية تقول الكاتبة “نتحدث الأن عن موضوع هذا الكتاب، بلدنا الجميل مصر، بلد المصانع، بلد المزارع، بلد الكنائس، بلد الجوامع، لكنها أيضا وطبقا للمؤشرات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومؤسسات التنمية التابعة للأمم المتحدة لقياس العدالة الاجتماعية تعتبر – بلد غير عادل- فمعامل “جيني” وهو مؤشر يقيس تركز الدخل في يد أغنى 1% مقارنة بباقي السكان، فقد ارتفع في مصر من 0.36 إلى 0.47.”

وخلال المقدمة تشير الكاتبة، كمثال حول غياب العدالة الاجتماعية في مصر، إلى تقرير بنك “كريدي سويس” والذي يهتم بقياس ثروات الأسر حول العالم والذي جاء فيه أن ال10% الأغنى في مصر، يسيطرون على أكثر من 70% من ثروة البلاد..” تخيل أن 10% من المجتمع يتحكمون في مصير الـ90% الباقيين بشكل أو بأخر، باختياراتهم حول الأجور التي يمنحونها لعنصر العمل، وبقراراتهم حول الضرائب التي يدفعونها، وبالاستثمارات التي يبقونها داخل حدود الوطن، مقابل قراراتهم حول ما يهربونه خارجها، هذه النسبة كانت أقل منذ سنوات”.

وطبقا للكتاب فإن النسخة الأحدث من هذا التقرير توضح أن الثروة الفردية لـ92.3% من المصريين هي أقل من 10 ألاف دولار، وأن 7.2% منهم ثروته تقع بين 10 و 100 ألف دولار. أما من تتراوح ثروته بين 100 ومليون دولار فهم 0.5% من المصريين، أما أصحاب الثروة التي تتجاوز المليون دولار فهم أقل من 0.1%.

 

الكتاب الذي يقع في 195 صفحة من القطع المتوسط، يبدأ كل فصل أو محطة ،كما  تطلق الكاتبة على فصولها، بمجموعة من الجمل العامية التي نسمعها على لسان العمال والموظفين ورجال الأعمال والمسئولين. ففي المحطة الأولى من الكتاب “علاقة الأجر بالإنتاجية”، نجد عبارات مثل “مستعد أدفع أكتر لعامل ماهر، بس يكون ملتزم، على قد ما يشتغل ياخد مرتب هي الدنيا كده”، وهي جملة كثيرا ما نسمعها على لسان رجال الأعمال، وأيضا “شوية عمال متدلعين خربوا القطاع العام وحيخربوا هنا كمان”، أما على لسان الطرف الأخر وهو طالبو العمل، فنجد عبارة ” توكتوك أحسن من الوظيفة، حر نفسك وبتكسب”.

تحاول الكاتبة في محطتها الأولى فهم تأثير اختيار الدولة لفكرة النمو المرتبط بالاستثمار على تطور أجر المواطن العادي، وهل كانت العلاقة بين أصحاب الثروة والمواطن علاقة عادلة، وهل كانت اختيارات النظم المتعاقبة  تؤدي لتدخلات لجعل تلك العلاقة أكثر عدلا أم ظلما؟.. وتنطلق في توضيح كل ذلك عبر رصد تطور الأجر ومنظومته منذ 1981،  لتخلص إلى أن تراجع قيمة الأجور ليس وليد حدث أو أزمة، لكنه كان نتيجة لاختيارات مقصودة.

وتشير الكاتبة إلى أن متوسط الأجور الحقيقية “أي مع استبعاد أثر تضخم الأسعار” تراجع منذ عام 1985، وشهد تراجعا أسرع مع بداية الخصخصة في عام 2000، وكذلك مع الأزمة العالمية في 2008، إذ  أن “الأجر هو أول ما يتم التضحية به في منظومة الاقتصاد”، لكن مستوى الأجور شهد بعض التحسن في فترة التسعينيات رغم سياسات الاصلاح التي فرضها صندوق النقد والبنك الدوليان، والسبب في ذلك هو أن هيكل الإنتاج في مصر كان يوازن بين القطاعين العام والخاص، أما السبب الثاني لهذا التحسن الذي تفرد له الكاتبة عددا لا بأس به من صفحات الكتاب فهو أن نصيب الصناعة في الاقتصاد كان أحسن حالا من قطاع التشييد والبناء، يضاف إلى ذلك أن حجم “العمالة غير الرسمية” كان أقل كثيرا مما هو عليه الآن.

تنهي الكاتبة محطتها الأولى بالتأكيد على أن ” الأجور قلت وساعات العامل ثابتة، وقصة الانتاجية لا يمكنها تفسير تراجع الأجر، فالقصة هي علاقة إنسان بنظام ومؤسسات”…(…) “الأجر المتراجع هو خيار لدولة انسحبت من النشاط الاقتصادي، ومن تنمية الإنسان وتأهيله  في الوقت الذي تم منع وجود أي مؤسسات تتفاوض على الأجور أو حقوق العاملين بالأساس”.

في المحطة الثانية من الكتاب، تحاول الكاتبة الإجابة على سؤال، هل يتقلص الربح كما تقلص الأجر، وللإجابة على هذا السؤال تتطرق الكاتبة إلى أسئلة أكثر تشعبا، مثل: هل ينخفض العائد على الاستثمار من الأساس، وما هو شكل هذا الاستثمار لتصل إلى محاولة مكثفة لتحليل مفهوم الاستثمار والمستثمر في مصر؟

من أبرز فقرات هذا الفصل هو شكل الاستثمار في مصر، والذي  تفرد له الكاتبة مساحة كبيرة..” فنجد أنه وفقا لبيانات وزارة الاستثمار والتعاون الدولي، فإن ٨٠ ٪ من الاستثمارات الأجنبية والخاصة تذهب لقطاع البترول، ويليه القطاع العقاري، ثم الصناعة التحويلية  وأخيرا الزراعة” .ثم تشير الكاتبة إلى الاستثمارات المرتبطة بالقطاع المصرفي ومدى ربحيته “التي لا يمكن الحديث عنها دون الحديث عن تركيبة المديونية في مصر.. “ف ٧١٪ من الدين العام من البنوك، التي هي بالأساس تتربح من فائض اذون الخزانة، بمعني أن البنوك قلصت تمويل نشاط الاستثمار وتحولت للمتاجرة في أوراق الدين الحكومية”، وبالتالي يكشف ذلك تنصل البنوك من دورها في تمويل قروض القطاع الخاص بما يخدم المجتمع.

ثم تقدم الكاتبة في عدد من صفحات الفصل الثاني ملخصا لدور سياسات الدولة في تراجع الإنتاج في الزراعة والصناعة، وتضرب مثالا على ذلك بقرارات الحكومة فيما يتعلق بالأسمدة والقطن، مرورا بالكمية المنتجة من المحاصيل الأساسية “القمح والذرة الشامية والفول”، لتمر سريعا على أحوال شركات القطاع العام والخصخصة وما آلت إليه قرارات الحكومة من انشاء مناطق حرة، أو حتى قراراتها بالانتفاع من الخصخصة ودفع المشترين لتقديم استثمار حقيقي لتصل إلى نتيجة هي ” لا أحد يسعى لصناعة قيمة مضافة حقيقية أو دور تنموي ما”.

تنتهي الكاتبة في محطتها الثانية حول الاستثمار، إلى أن المستثمرين في مصر طبقا لتلك المنظومة التي تسير فيها البلاد منذ السبعينيات، ينقسمون إلى ثلاثة أنواع، ” المستثمر الذي يفضل العمل غير الرسمي، وهو في الأغلب الصغير والمتوسط”، وهو غالبا يعمل خارج النطاق الرسمي للاقتصاد بسبب تعقيد اجراءات الترخيص حيث  يشير تقرير صادر عن البنك الدولي إلى أن التصنيف الإجمالي لمصر في مجال سهولة الاستثمار هو المرتبة ١٢٨ من ضمن ١٨٨ دولة.  أما النوع الثاني من المستثمرين فهو “المستثمر الواصل”، وهو الذي ينتفع بتخصيص الأراضي والملاذات الضريبية، وحتى وقت قريب كان يستمتع بدعم الغاز للصناعات كثيفة الطاقة”. وفي هذا الاطار تشير الباحثة إلى حجم الأموال غير الشرعية التي تم تهريبها من مصر عبر الملاذات الضريبة الآمنة في جزر كايمان، والتي قدرتها بيانات منظمة النزاهة العالمية، بنحو ١٣٢ مليار دولار في الفترة ما بين ١٩٨١ و٢٠١٠.أما النوع الثالث من المستثمرين في مصر، حسب الباحثة، فهو “المستثمر الرسمي العادي، وهو مثل المواطن العادي، يعاني من صعوبة الاجراءات وغياب التمويل”.

وتخلص الكاتبة إلى أن العائد على الاستثمار في مصر ليس منخفضا، لكنه يميل نحو الفائدة والريع  دون نمو يذكر في القطاعات الانتاجية، “ودون محاولة واضحة لإيجاد مساحة للأصغر، ويصبح السؤال ما هو مدى عدالة قواعد اللعبة، أمام الكبير والصغير، والنشاط الإنتاجي والنشاط الريعي والنشاط الخدمي والعقاري”.

ثمن الأزمة الاقتصادية

“من يتحمل ثمن الأزمة الاقتصادية؟” كان هذا عنوان المحطة الثالثة من الكتاب التي خصصتها الباحثة للحديث عن طرق حل الأزمات الاقتصادية، وعلى من يقع دفع فاتورة الحل؟.. وتبدأ بشرح مبسط لمفهوم الفقر، وكيف يمكن أن تساهم الدولة في صناعة الفقر أو تجنبه.

ثم تشرح الكاتبة المسارات المتاحة أمام الدولة لخفض عجز الموازنة المستمر خلال السنوات التي يناقشها الكتاب، وكيف أنها اختارت مسار إلغاء الدعم ورفع الضرائب مما يضع المواطن أمام “جبهتين من ارتفاع الأسعار”.

 ثم توضح للقارئ مفهوم الحماية الاجتماعية واتجاهاته المختلفة، وما قامت به الدولة في هذا المجال، وهل يؤتي ثماره أم لا فتقول” وفق برنامج تكافل وكرامة، أكبر دعم تحصل عليه الأسرة شديدة الفقر هو ٥٥٠ جنيها شهريا، أن ٧٧٪ من هذا الدعم من نصيب الصعيد، حيث أعلى نسبة من الفقراء، والملحوظة المهمة أن دعم نقل الركاب هو شيء تستأثر به القاهرة والأسكندرية، أما بقية المحافظات وعلى الأخص الريف فلا يوجد مواصلات مدعومة، ببساطة لا يوجد في ٩٧٪ من قرى مصر أي وسيلة نقل عام طبقا لجهاز الإحصاء”. لتصل  إلى نتيجة هي أن الدعم الذي تم رفعه لم تترافق معه أية بدائل حقيقة للحماية الاجتماعية بشكل علمي “يقوم على معرفة مداخل الفقر وسدها”.

المحطة الرابعة من كتابها خصصتها الكاتبة  للبحث في توزيع الخدمات بشكل جغرافي ومدى عدالة هذا التوزيع, حيث تقدم نقدا موضوعيا لأسلوب التخطيط المتبع من جانب الحكومات والانظمة المتتالية على رأس الدولة المصرية إلى أن نصل إلى فكرة بناء المدن الجديدة التي لم تتعد نسبة السكن فيها ٣٠ ٪ على حد وصف الكاتبة. ورغم وجود قرارات منذ السبعينيات بتنظيم التخطيط الاقتصادي الاقليمي، بمعنى أن تكون هناك دراسات لقدرات كل إقليم طبقا للتقسيم، والغرض هو أن يصبح كل إقليم “وحدة إنتاجية مثمرة تعود بالفضل على سكانه وعلى الناتج القومي” إلا أن ذلك لم يحدث في الواقع .

محاولات   لمواجهة الفقر

وعن محاولات الدولة تقديم خطط بديلة، تمر الكاتبة على أربع محاولات  لتوجيه الاستثمارات نحو القرى والأماكن الأكثر فقرا، الأولى بدأت في ١٩٩٦، والثانية في عام ٢٠٠٢ والثالثة في ٢٠٠٦ وأخيرا تلك التي طرحت في نهاية عصر الحزب الوطني تحت عنوان برنامج الحزب للقرى الأكثر فقرا، وجميعها لم يؤد إلى تطور في أشكال العدالة المكانية.

وتؤكد الكاتبة على أن هناك حالة غياب للتنمية الإنسانية في مقابل الاهتمام “بالأرض والعقار”، وارتكاز النمو على”الدفع بقطاع التشييد والبناء والقطاع العقاري، في الوقت الذي ضعفت فيه الروابط الاقتصادية المحلية الواجب توافرها لرفع القيمة المضافة للإنتاج الزراعي والصناعي”.

 وفي محطتها الأخيرة تطرح الكاتبة مسارات الحلول للخروج من “عنق الزجاجة”، منطلقة من كل ما ضمته الفصول الأولى من الكتاب من شرح، لتصل إلى خلاصة هي أن “غياب العدالة الاجتماعية – وإن لم يكن خيارا سياسيا كاملا- فإنه لم يتم اتخاذ خطوات لمراعاته”..(..)  “لأن العدالة لم تكن هدفا لأحد” ” الاقتصاد الحالي هو اقتصاد ماليات وليس تنمية، وإن استمر الحال على ما هو عليه فلا أرى أن هناك ضرورة لأن ترهق الدولة نفسها في وضع استراتيجيات  وخطط لعام ٢٠٣٠”.

 وتخلص الدكتورة ريم عبد الحليم في نهاية كتابها إلى أن هناك مجموعة من الأسس التي تقود إلى بديل اقتصادي مقبول لما هو قائم حاليا، في مقدمتها: شفافية الموازنة العامة للدولة، لتصبح وسيلة لخلق حوار مجتمعي حول السياسات العامة وطريقة تخصيص الموارد، وثاني هذه الأسس وجود مؤشرات لقياس أثر الإنفاق العام خاصة على الفئات الأكثر فقرا، والأساس الثالث يقوم على فكرة أن يصبح الجميع شركاء في صناعة النمو.

إنفوجرافيكس: عبد الله إسماعيل

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: