منوعات

عبد الفتاح الجمل…رجل أينعت في بستانه زهور الإبداع

«لولاه لم تكن مصر عرفت جيليي الستينيات والسبعينات من الأدباء والشعراء وكثيراً من الكتاب»، هكذا وصفه الكاتب والأديب يوسف القعيد أحد تلاميذه وواحد من اكتشافاته، إذا ذُكر اسمه أمامك هل ستعرفه؟ وإذا عرفته هل تعرف عنه الشيء الكثير؟

اسمه: عبد الفتاح الجمل، أديب وروائي وقاص لا مثيل له، وصنعته الأساسية هي جواهرجي المواهب ومكتشف المبدعين، الذي نبتت في بستانه ألف زهرة من زهور التنوير والابداع.

في جانبٍ قصي من حديقة نقابة الصحفيين (أيام أن كان لها حديقة) أنصت عبد الفتاح الجمل باهتمام بالغ إلى أول وآخر قصيدة بالعامية كتبتُها في سجن الاستئناف سنة 1978، وكنتُ، ساعة جلست إليه وحدنا ليسمع مني، ما أزال محامياً، وكان تعليقه البليغ والصادم في آن: «سيبك من المحاماة، دي مهنة جافة، تقتل المواهب»، كانت نصيحته مصحوبة بألفاظ استحسان على الطريقة المصرية التي تستحسن الشيء أو الشخص بالشتيمة وأحياناً بألفاظ جريئة.

 بعدها بحوالي ثلاث سنوات كنتُ انتقلت إلى بلاط صاحبة الجلالة، وصرت مسئولاً عن صفحات الرأي واليوميات في جريدة «صوت العرب» أستكتبُ فيها عدداً من كبار الكتاب ومشاهيرهم من كافة الاتجاهات، واقترحت اسم عبد الفتاح الجمل ليكتب لنا مرة في الشهر «يوميات» الصفحة الأخيرة التي يتناوب عليها أربعة من كبار الكتاب والأدباء.

بعد كثير من المحاولات والضغوط و«المحايلات» شارك فيها صديقنا المشترك الأستاذ يحيى قلاش تلميذه الأقرب إليه، وافق الأستاذ عبد الفتاح الجمل على الكتابة بشرط وحيد: أن أتولى بنفسي مراجعة وتدقيق المقال، كلمة كلمة وحرفاً حرفا، بفواصله وهمزاته ونقاطه، لا أزيد فيها ولا أنقص، حسب نصه المكتوب بخطه الجميل الواضح والمميز.

فيما بعد ضحكت من قلبي حين قرأت الفصل الممتع الذي خصصه صلاح عيسى للكتابة عن أستاذنا وأستاذ الأجيال في كتابه «شخصيات لها العجب» يقول: «كان يضبطنا متلبسين بخطأ شائع في كتابة الألف المهموزة فأخذ يشرح لنا بصبرٍ الحالات التي يتحتم فيها عدم وضع الهمزة فوق الألف أو تحتها، والحالات التي يتحتم فيها عدم وضعها، وتأثير ذلك على طريقة القراءة الصحيحة للنصوص، ومع أننا فهمنا ما قال، فإن التغلب على ما تربينا عليه من عشوائية، كان عسيراً، فأصدر أمراً بأن نكتب الألف دون همزات، على أن يضعها هو بنفسه أثناء مراجعته للمخطوطات، لكنني ـ بحكم التعود ـ عجزت عن تنفيذ الأمر، وضايقني ذلك بشدة». هذا الأمر جعل صلاح عيسى يداعبه بواحدة من مشاغباته فكتب لافتة بخط يده علقها على الحائط خلف مكتبه تقول: «عبد الفتاح الجمل مسئول شئون الهمزة».

صلاح عيسى وكتابه “شخصيات لها العجب”

لم يكن صلاح عيسى وحده الذي حصل على عناية ورعاية عبد الفتاح الجمل، فأسماء مثل عبد الرحمن الأبنودي، وبهاء طاهر، ويحيى الطاهر عبد الله، وجمال الغيطاني، وإبراهيم أصلان، وسيد حجاب، وأمل دنقل، كان هو منصة الانطلاق الأولى لهم جميعاً. كثير من الأدباء والقصاصين والشعراء والنقاد والمترجمين والفنانين التشكيليين وصناع السينما كان عبد الفتاح الجمل هو تأشيرة خروجهم من عتمة التجاهل إلى نور الاعتراف بمواهبهم.

لو راجعت هذه الصفحات الأربع التي كانت تصدرها جريدة المساء في ستينيات القرن الماضي كملحق أدبي لوجدت فيها قائمة تضم الأغلبية الساحقة للكتاب والأدباء والشعراء والنقاد الذين أثروا حياتنا الثقافية على مدار العقود الستة الماضية، وكانت محطتهم الأولى في مرفأ عبد الفتاح الجمل، ومنها انطلقوا وانطلقت بهم مواهبهم، كلٌ في مجاله.

سيد حجاب                     صلاح عيسى                   جمال الغيطاني                   عبد الرحمن الأبنودي

في القصة قدم الجمل أسماء كثيرة منها محمد البساطي ويحيى الطاهر عبد الله وجمال الغيطاني ومحمد المنسي قنديل وإبراهيم أصلان ويوسف القعيد وسعيد الكفراوى وجميل عطية إبراهيم ويوسف أبو ريه ومجيد طوبيا وآخرون. وفي الشعر ظهرت على صفحات الملحق الأدبي لجريدة المساء التي كان يشرف عليها عبد الفتاح الجمل أسماء كثيرة على رأسها: أمل دنقل وعبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب وغيرهم.

وعلى الصفحات نفسها ظهرت ولمعت أسماء كتاب ونقاد كثيرين منهم: إبراهيم فتحي وصلاح عيسى وغالب هلسا وسامي خشبة وخليل كلفت وعبد الرحمن أبو عوف وفوزي سليمان ومحمد كامل القليوبي وكمال رمزي ويسرى نصر الله وآخرون. كما أتاح عبد الفتاح الجمل الفرصة والمساحة لكثير من الفنانين المصريين الموهوبين على صفحات الملحق الأدبي والذين صاحبت رسوماتهم هذه الأعمال الأدبية.

كانت رعاية عبد الفتاح الجمل لتلك الكوكبة من الموهوبين تتجاوز التعريف بهم وإخراج إنتاجهم إلى فضاء النشر، حيث كان يقوم بما هو أهم وأبقى، فقد كان يرعاهم بمحبته، ولا يبخل بالنصيحة أو بالكتب، يتحاور معهم، ويمنحهم خبرته الحياتية والأدبية، فضلاً عن ترفعه ومبدئيته التي لا يدانيه فيها إلا القليل.

الأجمل من كل هذا أن مشروع عبد الفتاح الجمل الأدبي والثقافي يكاد يكون اقتصر على الاهتمام بالمشاريع الأدبية والفنية للكثير من المواهب التي سعت إليه أو سعى هو إليها لكي يطلقها من منصته إلى فضاء الأدب والفن والثقافة، قضى عمره في خدمة المشروع الثقافي العام، عبر الاهتمام بالمواهب الجديدة وتقديمها على الجمهور وكان هو أول من أعطاهم فرصة النشر في ملحق كانت تتسابق أيدي القراء وعقولهم لكي تنهل منه روائع الأدب والثقافة والفنون.

ظل الإنتاج الأغزر في بستان عبد الفتاح الجمل الأدبي والثقافي مِلكا لتلك المواهب الجديدة التي قدمها، وبقي إنتاجه هو الأقل، فليس له غير أربع روايات فقط، هي  «الخوف» عام 1972، و«آمون وطواحين الصمت» عام 1974، ورواية «وقائع عام الفيل كما يرويها الشيخ نصر الدين جحا» عام 1979، ورواية «محب» عام 1992، وله ترجمات قيمة، إلى جانب كتاباته المنثورة على صفحات الجرائد والمجلات التي كتب لها على طول مشواره الأدبي والثقافي.

المحزن في كل ذلك أن هذا الاسم الذي لمعت على يديه وبفضله أسماء العشرات، يكاد أن يكون نسياً منسياً ولا تعرفه الأجيال الجديدة من الكتاب والأدباء الشبان. والمفجع بالنسبة لي أن أسمع من صديق أن ورثته يشاركون في التعتيم على إنتاج عبد الفتاح الجمل، وقد استمعوا إلى نصيحة البعض ممن رأوا في تلك الكتابات آراء تغضب الرب لا يجوز نشرها حتى لا تكون وبالاً عليه في موته، لتبقى تلك الأعمال محجوبة عن النشر بفعل إهمال الكثير منا، وبفعل فكرة جاهلة تعيق نشرها.

واليوم ونحن نتذكره بعد ربع قرن على رحيله (18 فبراير 1994)، يبدو لزاماً على كل من نهلوا من نبعه الصافي، ومن تتلمذوا على يديه وتفتحت زهراتهم في بستانه، أن يتبنوا الدعوة إلى إعادة تجميع كتابات عبد الفتاح الجمل، والمطالبة بإصدار أعماله الكاملة، فإلى جانب كتبه المشهورة التي ذكرناها، هناك كتاباته المنشورة في جريدة «المساء» في خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي تحت عنوان «يوميّات شعب»، أو تحت عنوان «مع الناس»، وتحت عنوان  «كلمة». وهناك كذلك كتاباته تحت عنوان «سيما أوَنطة» في جريدة السينما والفنون عام 1977، فضلا عن مقالاته في جريدتي “صوت العرب” و” الأهالي ” وتتمتّع كلها بلغة أتقن الجمل مهمة أن يجعلها ذات رونق خاص.

وكل ما نتمناه أن تتبنى الهيئة العامة للكتاب نشر وإصدار هذه الأعمال في أقرب فرصة، فربما يكون هذا سداداً لبعض الدين الذي علينا أداؤه لذكرى رجل نبتت على يديه ألف زهرة في بستان الأدب والثقافة، وحدائق التنوير التي أضاءها بألف شمعة.

صورة الغلاف بريشة الفنان سعد الدين شحاتة

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: