منوعات

يحظى بدعم البابا تواضروس: تجديد الخطاب الديني المسيحي.. هل يبقى شأنا قبطيا؟

بسبب ظروف سياسية واجتماعية وثقافية متشابكة ومتداخلة، تبدو الحياة الدينية لأغلب مسيحي مصر بالنسبة لقطاعات عريضة من المصريين المنتمين إلى الإسلام «سرية»، ولا يُعرف عنها الكثير إلا للمتابعين والمتخصصين في شؤون الخطاب الديني المسيحي. وفي ظل هذه السرية، تبدو صورة الخطاب الديني المسيحي على نحو عام، والأرثوذوكسي على نحو خاص، بوصفه خطاب الأغلبية المسيحية في مصر، أقل جمودًا وتطرفًا، من تلك التي تقدم للخطاب الإسلامي. بل ربما يتخيل كثيرون أنه خطاب حداثي حقوقي متطور يعادي التحجر والرجعية، ويواكب متطلبات العصر. لكن الفحص الدقيق لحالة الخطاب الديني المسيحي تكشف عن أصوليته المناهضة لعمليات التحديث.

كنتيجة للظروف الاجتماعية التي تمر بها البلاد، بدت «الحياة السرية للخطاب الديني المسيحي» مقبولة لدى قطاع عريض من النخبة المصرية، وهو أمر لابد  من مراجعته من وجهة نظرنا، وقد سبق أن كتبنا عنه، فعلّق علينا وزير الثقافة الأسبق جابر عصفور في إحدى الصحف بـ«أن تجديد الخطاب المسيحي شأن مسيحي محض» وإن لم ينف «عصفور» احتياج الخطاب المسيحي إلى التجديد والمراجعة وإعادة النظر.

Related image

“البابا تواضروس”

لكن هذه السرية، المقصودة كنسيًا وثقافيًا وسياسيًا، قد تفيد أطرافًا أصولية عدّة داخل الكنيسة أو في دوائر السياسة، إلا أنها حتمًا مؤشر خطر على مستقبل السلم الاجتماعي المصري. ففي مقابل آليات التعامل “الخفي” مع الملف الديني المسيحي، يبدو ملف الخطاب الإسلامي «مكشوفًا» ونقاشاته تدار في مؤتمرات معلنة وجلسات مفتوحة، وتنحصر كثيرًا مساحات الحرج الإعلامي خلال تناول مشكلات وأمراض الجمود الإسلامي والأصولية التي تعد بوابة لانتشار الإرهاب والمخزون الاستراتيجي المنظر لعناصر التنظيمات المتطرفة، فضلًا عن كوارث رجعية تسيطر على الخطاب المستند إلى ميراث فقهي وفلسفي يرجع أحدثه إلى القرن السابع الهجري.

وبين فترة وأخرى، تثار إعلاميًا قضية موقف المؤسسات الدينية الرسمية الإسلامية من طرح أي خطاب يناقض السائد والمستقر في كتب التراث أو عند شيوخ المؤسسة، سواء كان صاحب الخطاب الجديد من داخل المؤسسة أو من خارجها. وغالبًا إن لكم يكن دائمًا، تنحاز المؤسسة إلى المستقر السائد، حتى ولو كانت آثاره جد خطيرة على المجتمع، فالأولوية بالطبع لدى الأصولية في عمومها الحفاظ على الموروث بوصفه «مقدسًا» وليس نتاج ظروف اجتماعية وثقافية مغايرة، ومن ثم تلجأ المؤسسة الرسمية والتيارات الأصولية عامة إلى الهجوم على أيّ رؤية جديدة واتهامها بعدم الانتماء إلى الإسلام، وربما العمل على هدمه. ولنذكر، مثلًا ، عندما طرح أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر سعد الدين الهلالي تصورا عن مساواة «الرجل وشقيقته» في الميراث، اعتبرت مشيخة الأزهر خطاب الهلالي أقرب إلى «الهرطقة» التي تناقض كتاب الله.

Related image

“سعد الدين الهلالي”

وبالعودة إلى الخطاب المسيحي، والأرثوذوكسي  تحديدًا، هل حقًا يناقض هذا الخطاب نظيره الإسلامي؟ وكيف يتعامل التيار الأرثوذوكسي المحافظ وكهنته بخاصة مع أي محاولات تجديد؟ الأمر يمكن تحديده أكثر بسؤال أكثر صدمة، كيف يتعاملون مع أيّ مختلف معهم في الرؤية العقائدية؟ أو المغاير لما يسمونه بـ«تراث الآباء الأوائل» الذي يرجع إلى 20 قرنًا من الزمان؟

هذه الأسئلة والبحث عن إجاباتها ليست بهدف الإثارة طبعًا، لكن منبعها الإيمان بضرورة البحث والفهم لطبيعة وعي المصريين، الذي تساهم في تشكيله عوامل عدّة، أهمها الخطاب الديني، كذلك نؤمن بحتمية التطوير والتحديث، و«مفرمة» الزمن لمن يعانده أو يتوهم بالوقف أمام حركة التاريخ.

 أزمة الراهب تيمون السرياني

 قبل أيام شهدت كنيسة “مارجرجس سبورتنج” بالإسكندرية مؤتمر العقيدة الرابع للكنيسة الأرثوذوكسية، الذي استمر من الأحد إلى الثلاثاء الماضيين، متسببًا في أزمة داخل الأوساط الأرثوذوكسية، بسبب مشاركة الراهب «تيمون السرياني» أحد المختلفين مع رؤية البطريرك المتنيح البابا شنودة الثالث، وقت أن كان بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، حيث اتخذ المجمع المقدس مواقف راديكالية من «تيمون» ومؤلفاته وصلت حد الرمي بـ«الهرطقة» و«الابتداع» بشأن كتابه «العذراء أمي». فالخلافات الفكرية بين السرياني وشنودة تصل إلى الاختلاف في طبيعة العقيدة وتفاصيلها، فضلًا عن انتماء «الأول» إلى مدرسة الراهب المتنيح الأب متى المسكين، الذي خاصمه شنودة في معركة «دينية» شهيرة.

Image result for ‫أزمة الراهب تيمون السرياني‬‎

“الراهب “تيمون السرياني

ومع مشاركة «تيمون» بالمؤتمر واختياره عضوا بلجنته، شنت الصفحات الأرثوذوكسية على مواقع التواصل الاجتماعي حربًا ضروسًا ضد المؤتمر، وضد من اختار «الراهب المهرطق»، مطالبة بمقاطعة المؤتمر، وتحذير الشباب من رؤية السرياني التي «تنشر تعاليم مخالفة للعقيدة الأرثوذكسية، وتتضمن مؤلفاته مغالطات كتابية وتعليمية».

معارك كنيسة مارجرجس سبورتنج

معركة 2019، أعادت إلى الأذهان معركة مشابهة جرت العام الماضي، حين شنّ الأصوليون الأرثوذوكس هجومًا عنيفًا على كنيسة “مارجرجس سبورتنج”، التي استضافت الراهب “سيرافيم البراموسي”، مؤسس ما يعرف بـ«مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية»، والذي سبق أن اتهمه المجمع المقدس بمخالفة أفكاره للتعليم الأرثوذكسي و«الهرطقة بشأن صعود المسيح»، وهو الموقف ذاته للأنبا موسى أسقف الشباب ومقرر لجنة الإيمان والتعليم والتشريع بالمجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، كذلك مجمع كهنة قطاع وسط وشرق الإسكندرية، فضلا عن الرابطة المسماة بـ«حماة الإيمان» التي تأُسست 2011، كإحدى تجليات التيار المحافظ في الكنيسة الذي دشنه البابا شنودة، فيما عارضت الرابطة الأصولية الدعم المستتر أحيانًا أو «المكتفى بالتلميح به» من البطريرك الحالي البابا تواضروس لمحاولات الإصلاح والتجديد.

Image result for ‫الراهب سيرافيم البراموسي‬‎

الراهب “سيرافيم البراموسي”

الأصوليون المسيحيون ورأس الكنيسة

يعلم الأصوليون إذن أن رأس الكنيسة الحالي يساند محاولات الإصلاح، التي يراها الأصوليون «نقيضة الإيمان»، فضلاً عن الدعم البابوي للراهبين «البراموسي» و«السرياني»، سواء بالاختيار في لجنة المؤتمر أو السماح لهما بالمشاركة، أو بإصدار بيان العام الفائت للدفاع كنيسة “مارجرجس سبورتنج” ، التي وصفها البيان بـ “الكنيسة العريقة التي أثمرت أساقفة وكهنة وخداماً مباركين يخدمون في جميع المجالات داخل مصر وخارجها ومازالت وستظل أماً ولودا”.

المعركة ليست هينة داخل الكرازة، فالتيار المحافظ، والأصولي، قوي ومتشعب وتمتد جذوره لسنوات سحيقة، وزادت الشوكة خاصة خلال العقود الخمسة الماضية، والصراع مع ألأصولية يستلزم الانتباه، فالأصوليون لا يدافعون عن مجرد وجهة نظر قابلة للنقاش، إنما وطبقًا لرؤيتهم فثمة دين واحد فقط هو الصحيح وطريقة واحدة صحيحة للحياة، ويجب الدفاع عنها ضد غارات العلمانية. فالتعددية الدينية مشكلة بالنسبة للأصولية التي لا تقبل إلا حقيقة حصرية واحدة تمثلها ،ولا شيء غيرها، ويترتب على ذلك مقاومة الاختلافات أو تكثيفها؛ حيث ليس هناك سوى طريقة واحدة صحيحة، وغالبًا هي تحت التهديد المستمر، وهكذا فإن العالم ليس إلا مكانًا للاضطهاد، مكانًا لا شيء فيه سوى الأبيض والأسود، الخير والشر، الحقيقة والخطأ، الله والشيطان، وليس هناك حل وسط.. أنت معنا أو ضدنا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. الخطاب الديني المسيحي والأصولية
    ————-
    نشر أحدهم في أحد المواقع مقالا بعنوان
    “يحظى بدعم البابا تواضروس: تجديد الخطاب الديني المسيحي.. هل يبقى شأنا قبطيا؟ ”
    تبنى الكاتب فيه وجهه نظر غير صحيحة حاول الترويج لها بإعتبار أن التعاليم الفاسدة التي يقدمها البعض هي نوعا من “تجديد الخطاب الديني المسيحي” ، وأن قداسة البابا يدعم هذا التيار ، ممرا فكره أن أن الحراك اللاهوتي القائم هو تجديدا للخطاب يصاحبه عراقيل ممن أسماهم “الأصوليين” .
    وخارج إطار الجدل و الشخصنه الذي يحاول كاتب المقال دفعنا إليه دفعا من خلال إقحام اسم قداسة البابا ، وبعض الشخصيات الأخرى التي أدان فكرها المجمع المقدس رسميا ، نضع هنا تصحيحا لبعض المفاهيم للرد على ما في باطن المقال المشار إليه.
    -الخطاب الديني المسيحي –
    لا ينتبه الكثيرون إلى أن الخطاب الديني المسيحي هو خطاب مجدد في طبيعته ومنذ نشأته ولحظاته الأولى .
    فإن قسمنا محتواه نستطيع أن نقول انه :
    – محتوى لاهوتي وهو المضمون الذي يقدم المفاهيم الخاصة بوجود الله للإنسان
    – محتوى ناموسي أخلاقي وهو المضمون الذي يقدم الشرائع الاخلاقيه وكيفية الحياة من خلالها وتطبيقها في علاقة الانسان بالآخرين
    – محتوى ناموسي طقسي وهو المضمون الذي يقدم الخطوات التنظيمية التي يسير عليها الانسان من تعبدات وصلوات بانظمة خاصة محكمه بهدف تعميق الفهم اللاهوتي وتطبيق المحتوى الاخلاقي.
    – محتوى روحي وهو المضمون الذي يقدم السبل والوسائل والمعاني التى ترقى روحيا بالانسان المسيحي.
    – محتوى مجتمعي وهو المضمون الخاص بتعامل الامسيحي في مجتمعه ومع الآخر
    -محتوى تاريخي وهو المضمون الخاص بالاولون وما استلموه وما سلموه لنا في كل المحتويات السابقه
    وينبثق من المحتويات السابقه موضوعات فرعيه أكثر تخصصا وتدقيقا فيما يخص مضمونها ، كما تتشابك وتتقاطع أيضا فيما بينها ليخرج لوعظ المسيحي القبطي الارثوذكسي غذاء للروح والقلب والعقل في منظومه الايمان.
    وتعتبر المضامين السابقه ثابته ثبات الجبال بدون تغيير أو تبديل لان مصدرها ومنبتها ثابتا على مر الدهور وهو الكتاب المقدس والتقليد السليم الذي استلمناه ، في محددات واضحه وعناصر والفاظ لا خلاف عليها ، رسوخها من رسوخ الدين نفسه .
    ومع ثبات المضمون تختلف وسائل تقديم هذا المضمون ، وهذا ما قامت به الكنيسة على مدار واحد وعشرون قرنا من الزمان ، فعندما كان الشعب يعجز عن القراءة والكتابة ، كتبت هي له الأيقونه المسيحية ، تلك الصورة المكتوبه التي تقدم فكرا وعقيده وايمانا ، وعندما كانت ذاكره الشعب ضعيفه قدموا له التعليم السليم من خلال الالحان الكنسية والترانيم التي ظلت ترددها حتى زرعت زرعا في الوجدان القبطي ، وحينما كان متجمد القلب وضعت له النظام النسكي من تكرار الصلوات والاصوام في منظومة محكمه حتى يذوب القلب الحجري ..
    ومع التطور العام بدأت تخاطب من خلال الفنون العامة كالمسرحيات التي تنقل الماضي بتعليمة الي الحاضر بافكاره ، ثم الافلام التمثيليه الدينيه ، ومع عصر النت والفضائيات صارت قنوات الميديا المسيحية في كل الوسائل هي وسيله مخاطبه واضحة ومستمرة
    حتى معد الخطاب المسيحي القبطي الارثوذكسي فقد تطور وتجدد منذ كان ترجوما (نصا محفوظا يتلوه كالطرح في بعض المواسم الكنسية ) الي رسائل مكتوبه بريشه منتهيه بكتابة على اللوائح الالكترونية ، بل وقراءة مباشرة من الاجهزة الحديثه والعرض المبهر بوسائل العرض الحديثه.
    وكل عمليات التغيير والتطوير السابقه لم تقترب من المضمون القبطي الارثوذكسي المسيحي ، بل دارت في فلكه ، ونهلت منه محافظه عليه حارسة له ولمضمونه ومحتواه . لأن فقدانه هو فقدان الهوية القبطية الارثوذكسية . والغرض الرئيسي أيضا من الخطاب الديني هو حماية المضمون السليم .
    لذا نعيد ان تجديد اسلوب الخطاب الديني المسيحي هو عنصر من عناصر الخطاب ذاته ، أما تجديد مضمونه ومحتواه فهو بكل تأكيد خطاب جديد لايمت للمسيحية القبطية الارثوذكسية بصله.
    وهذا نناقشه عندما نتحدث عن الاصوليه.
    -الأصوليه –
    تعتبر الكنيسة الكنيسة الأرثوذكسية بشكل خاص والكنائس التقليدية بشكل عام هي في أصلها وتعاليمها تقليدية ، أي تمتد في خط واحد على مر القرون حتى تصل للمسيح بشكل مباشر. فالجميع إذن ينتمون إلى القديم في مجمله وتعليمه.
    وتعتمد في هذا الخط على أسس علميه للفحص والفرز ، واختيار المصادر ، وتلك الأسس في أصلها هي علوم ، تخضع للقوانين والخصائص الخاصة بأي علم ، من وجود قوانين ثابته مجربه ، وتحتوي على الدراسة المنظمة التي تقوم على منهج واضح مستند على الموضوعية، وكما يعرف العلم البعض مجموعة المعارف والأبحاث التي تتصف بالوحدة والضبط والموضوعية التي تؤدي إلى نتائج مطلقة الصحة، فهي لا ترضي أذواق الآخرين وإنما هي حقيقة يجب الأخذ بها لما لها من سلطان.
    لم تنظر الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في تاريخها للتعليم المختلف بصورة التسفيه أو الهجوم الغير مبرر ، فخلال واحد وعشرون قرنا عمر المسيحية كان كل من يقدم تعليما مخالفا ، او مغايرا ، لا يُرفض عكس ماهو شائع ، بل يجتمع لدراسته ومناقشة كاتبه علماء الكنيسة ورجالها ، وفي حضور صاحب الرأي من شيوخ الحكمة ، ويشهد التاريخ على المجامع التي اقيمت لهذا ، وعندما يتضح خطأ صاحب الفكر يتم دعوته للعوده ، فإن عاد إنتهى الأمر ، وإن تمسك بخطأه وقتها فقط يفرز من المجموعه الكنسية ، فالكنيسة كيان نقي ، لايحتفظ في بنيانه بمن يصر على تعليم خطأ لا يستطيع اثباتها .
    في الاونه الاخيره حاول البعض وضع تفسيرات وموضوعات تفتقر للعلميه والموضوعيه ، وتخالف صحيح النص بل حتى لا ترقى لتأويل تفسيره ، محاولين فرضها بدعوى الإصلاح ، لذا قامت الكنيسة ممثله في علمائها الأجلاء مجابهه الفكر بالفكر.
    لذا فإن وصف البعض بالأصوليه هو استخدام لوصف الكنيسة الارثوذكسية ككل ، وهو وصف اعترف دون قصد من كاتبه بخروج البعض الاخر عن اصوليه الكنيسة وبالتالي عن ارثوذكسيتها.لذا فهو يظل شئنا قبطيا ارثوذكسيا خالصا
    وربما يكون للحديث بقيه ..
    مينا اسعد كامل
    باحث وكاتب قبطي

  2. شكرًا للكاتب اهتمامه بالشأن القبطي، ومقاربته بين ما يحدث في أروقة الأزهر والكنيسة معًا. ولكن، يبدو أن الكاتب لا يعلم الكثير عن الوقائع القبطية.
    أتفق مع الكاتب على أن الحرب على قداسة البابا ليست أسيرة خلافات عقائدية ولكنها موقف منه من يوم توليه وذلك لشعور البعض بأنهم أولى بالسدة المرقسية منه، مما نتج عنه نشأة ميليشيات ألكترونية بدأت في مناوشات حينما قرر البابا أن يعدل في آليه تحضير الميرون متهمين إياه بالتفريط. كان ذلك بمثابة جس نبض لردود فعله، وحينما لم يقم البابا بأي مواجهة معهم بدأت المناوشات تتحول إلى حرب منتظمة لها أذرع وتلقى دعم ويتم الترويج لها من خلال تدشين منصات إلكترونية مخصصة لذلك، وهي تعتمد في ذلك على الأكاذيب، أو أخذ الموضوع بعيدًا عن محيطه الأصلي والخلوص باستنتاجات بعيدة عن الموقف الأصلي. وقد وصل الأمر لذروته في قضية قبول معمودية المنضمين من الكاثوليك على هامش زيارة بابا روما إلى القاهرة.
    أما بالنسبة لما قيل بشأن الراهب سيرافيم البرموسي، فالمعلومات لدى الكاتب ليست صحيحة. لم يخرج أي قرار من المجمع بلجانه ضد أي من كتابات الراهب. ولكن ما حدث هو جلسه لثلاثة أعضاء من المجمع بعيدًا عن فعاليات المجمع (جلسة خاصة) وتم الخروج ببيان وختمه بخاتم لجنة الإيمان والعقيدة، وذلك لأن أحد الحاضرين كان أنبا موسى مقرر اللجنة، ولكن بصفته الشخصية، ولكنه لم يكن اجتماع للجنة التي تنظمها آليات ومواعيد محددة. اللجنة لها توقيتات محددة للانعقاد الشرعي، وليس لها إلا أن تصدر توصيات للمجمع، ويقوم المجمع بنظر التوصيات في جلسته العامة التي تضم كل أعضاء المجمع المقدس (الذي ينعقد مرتين في السنة) لأخذ قرار. لم يحدث أي من هذا في قضية الراهب المذكور. لم تجتمع اللجنة كلها في وقت الانعقاد الرسمي، ولم ترفع توصيات، ولم يناقش في المجمع أي من تلك التوصيات ولم يخلص إلى قرارات. فضلاً عن ذلك، أن البابا حينما علم بأمر الاجتماع الخاص (الثلاثي) قام بعمل جلسة بقيادته هو شخصيًا في دير أنبا بيشوي وتم مناقشة قضية التعليم في الكنيسة وضمت الجلسة كل المعنيين بالتعليم في الكنيسة بما فيهم الراهب المذكور، وأصدر بيانًا في مجلة الكرازة بهذا الصدد، ما ينفي صدور أي شيء ضد الراهب المذكور. الأمر فقط جزء من الحملة الممنهجة لتصدير الأكاذيب. ما يؤكد ذلك أن الراهب نشر عدة كتب بعد هذا الأمر بمراجعة أسقف ديره كالمعتاد، وهي توزع في الكنائس والأديرة كالمعتاد.
    الأمر الثاني، الحديث بشأن هرطقة صعود المسيح، لم يكن المعني بها الراهب المذكور، ولكن راهب آخر منذ عدة سنوات ألقى محاضرة في سبورتنج وهو الراهب القمص أثناسيوس المقاري، أحد علماء الكنيسة القبطية، والذي تحدث فيها عن صعود المسيح، واختلف معه البعض فيما ذهب إليه من تفسير بخصوص الأمر. ويلاقي الراهب أثناسيوس المقاري نفس الهجوم من التياريات الأصولية والتي ادعت عليه بالهرطقة في مواقف عدة. وقد شن الأنبا بيشوي المتنيح هجمة شرسة ضد الراهب اثناسيوس في مطلع الألفية الثانية على إثر صدور كتابه عن الكنائس الشرقية، وقد منع هذا الكتاب لفترة (ولكن ليس بقرار مجمعي) ولكن ببروباجندا إعلامية. الأمر لا يتوقف عند الرهبان، فقد طال الأمر الكثير من الآباء الكهنة مثل القس موسى فايق، القمص مارك عزيز، القس بطرس من كنيسة مارمرقس المعادي، بل والأساقفة مثل الأنبا مقار والذي يلقب لديهم بالأسقف الأنجليكاني، والأنبا أنجيلوس والذي يلقب لديهم بأسقف الأساطير، والأنبا دانيال والأنبا بافلي نظرًا لقربهم من قداسة البابا والأنبا هرمينا لأنه من دير البرموس وله مؤلفات لهم تحفظات عليها والأنبا مكاري الذي يرون أنه يغير في طقوس الكنيسة وغيرهم الكثير والكثير. أي محاولة للتعليم يتم وأدها بالتخوين والترهيب من قبل حراس المعبد المقدس أو كهنة آمون الجدد مستغلين علاقاتهم وشبكتهم الإعلامية.

إغلاق