رؤى

من تراجع إلى هيمنة: كيف أدارت الدولة «السوق الدينية» في مصر؟

إذا كان المنظرون الاجتماعيون يرون الدين كمورد ثقافي أساسي يمكن أن تستغله القوى الاجتماعية والسياسية في صراعها من أجل كسب أرضية رحبة في أوساط المجتمع – خصوصًا في تلك المجتمعات التي لا تزال على أعتاب الحداثة أو تلك التي لم تتجاوز التقليدية – فهل يمكننا النظر إلى الحالة الدينية كسلعة يمكن تبادلها فيما يشبه السوق بالمعنى الاقتصادي الشائع؟

طُرحت هذه التساؤلات على الساحة الفكرية والدينية الغربية منذ آدم سميث، وتحديدا في كتابيه “ثروة الأمم” و “نظرية المشاعر الأخلاقية” حيث أصبح يُنظر إلى الخطاب الديني كسلعة في حد ذاته. وقد بات مفهوم “السوق الدينية” من المفاهيم ذائعة الصيت في الأوساط الأكاديمية والفكرية في الغرب، أما في عالمنا العربي الإسلامي، فيُنظر إلى هذا المصطلح أو المفهوم باعتباره أحد المفاهيم الدخيلة على الأوساط الأكاديمية والدينية والفكرية العربية.

وبعيدا عن تباين الموقف من هذا المصطلح، فإنه إذا ما تأملنا وضع الدين في أي مجتمع، نجده يشكل رأسمالًا يستند إلى موارد اجتماعية ثقافية يمكن إخضاعها لعمليات إنتاج وإعادة إنتاج لتُشكل قيمة مضافة للفعل والعمل الإنسانيين. حيث يمكن أن يخضع الخطاب الديني لعمليات إعادة إنتاج من قبل العديد من القوى الاجتماعية والسياسية – بشكل متبادل وربما بشكل عكسي- بغية فرض رؤية معينة وتحقيق جملة من المصالح المادية والسياسية والاجتماعية.

وعلى الرغم من عدم كفاية المفاهيم الاقتصادية في التعاطي مع الظاهرة الدينية إلى الآن، إلا أن المتأمل في حقل الدراسة “السوسيولوجية” للظاهرة الدينية يجد أن المعجم الاقتصادي السياسي قد دخل بكامله إليه. فأصبحنا نتحدث عن سوق دينية تلعب فيه قوى اجتماعية دور المنتج والمُعلب والموزع، وتقوم أخرى بدور المستهلك، وتتحكم ثالثة في آليات عمل هذا السوق برمته. لنصبح في نهاية المطاف أمام سوق للأفكار والمعتقدات والأيديولوجيات تتحكم فيها ليس فقط القوي الاجتماعية والسياسية الوطنية والمحلية، ولكن أيضًا القوي الإقليمية والدولية، حيث يخضع هذا السوق- كما السوق الاقتصادي تقريبًا- لنفس المحددات والعوامل القومية والإقليمية والدولية.

الحالة الدينية المصرية نموذجا

وإذا ما حاولنا تطبيق مفهوم”السوق الدينية” على الحالة المصرية كنموذج، وذلك من خلال النظر إلى جملة الخطابات الدينية الإسلامية المطروحة على الساحة المحلية باعتبارها تمثل سلعًا دينية فكرية وأيديولوجية تُعرض في سوقٍ رمزية للمبادلات الفكرية، فإن ذلك يطرح جملة من التساؤلات مثل: كيف تُدار هذه السوق؟ وما دور القوى الدينية السياسية في إدارتها؟ وما دور الدولة في هذه العملية؟ وما الدور الذي لعبته الأحداث والقوى الدولية في تشكيل الطريقة التي تعاطت بها الدولة المصرية مع تلك السوق؟

على مدى تاريخها حاولت الدولة المصرية احتكار الحديث باسم المقدس واستقطاب القوى الدينية من أجل دعمها في مواجهة معارضيها، أو على الأقل تحييد هذه القوى من ناحية، والسيطرة على الفضاء الديني من ناحية اخرى. ويظهر رصد مجريات التاريخ المصري نوعاً من الاستمرارية في تعاطي النظم السياسية المتتالية مع المجال الديني، فمنذ الفتح العربي الإسلامي لمصر – وربما قبله- إلى الآن وهناك حالة من الاستخدامات الفجة للدين. فما من امبراطورية أو خلافة حكمت مصر إلا وكان الدين حاضرًا في كل سياساتها، ليس فقط لتوظيفه في عمليات التبرير الأيديولوجية وإضفاء المشروعية والقداسة على نظام الحكم القائم، بل من أجل قطع الطريق على المناوئين من استغلاله في عمليات الحشد والتعبئة السياسية للجماهير ضد السلطة القائمة. وحتى بعد قيام الجمهورية في منتصف القرن العشرين ظلت استخدامات الدولة للدين على حالها، حيث عملت على تأميم كل مكونات البنية الاجتماعية بما فيها المجال الديني ومؤسساته، ومنعت المنافسين من الولوج إليها.

وبرحيل نخبة يوليو 1952 التي رافقت الرئيس عبد الناصر، جاءت مرحلة السادات لتُشكل نقطة مفصلية فارقة جديدة في تعاطي الدولة في مصر مع السوق الدينية، حيث تمددت المظاهر الدينية في كل تفاصيل الحياة السياسية والعامة بدءًا من استخدام الجماعات الدينية – بدلًا من المؤسسات الرسمية كالأزهر والأوقاف والإفتاء- في ضرب المعارضة اليسارية، مرورًا بالشعارات الدينية كـ “الرئيس المؤمن” و “دولة العلم والإيمان”، ووصولًا إلى التعديلات الدستورية واعتبار الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، تلك المرحلة التي انتهت بمقتل السادات على يد من استعان بهم، الأمر الذي شكل حدثًا فارقًا في تاريخ العلاقة بين الدولة والدين في مصر.

استمر هذا النهج الجديد في تعامل الدولة المصرية مع الخطاب الديني خلال عهد مبارك، في ظل مناخ إقليمي ودولي متوتر من زاوية الإسلام السياسي والجهادي، بداية من تأثيرات نموذج الثورة الإسلامية الإيرانية مروراً بعمليات حشد وتعبئة المجاهدين لأفغانستان، وهى العمليات التي لعبت المملكة السعودية ومصر دورا أساسياً فيها، ثم أجواء حربي الخليج الأولى والثانية وانتهاء بسقوط الكتلة الشرقية وتراجع اليسار في العالم.

ضعف وقوة

وإذا كانت الدولة المصرية- وعبر العديد من الآليات- قد مارست احتكارًا وتنظيمًا للسوق الدينية عبر تاريخها، فإن هذا الاحتكار تخللته مساحات متباينة من الحرية على فترات مختلفة. فقد خضعت السوق الدينية في مصر لمراحل عديدة تفاوتت فيها درجة توجيه السوق وقدرة الدولة على تحديد السلع المتبادلة فيها، فقد كانت قدرة الدولة على التحكم في السوق الدينية في الثمانينيات متوسطة، في حين كانت قوية جدًا في التسعينيات (إبان عنف الجماعات الدينية)، ثم بدت ضعيفة للغاية خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، ثم تلاشت قدرتها تمامًا في المناخ الذي أعقب ثورة25 يناير 2011م، لتعاود وتصبح أكثر قوة وهيمنة من أي فترة سابقة في أعقاب ثورة 30 يونيو 2013.

وقد أدى التراجع التدريجي في حصة الدولة المصرية من السوق الدينية بدءًا من السبعينيات حتى عام 2013، وتآكل قدرتها على إدارة الحقل الديني، إلى استعانتها ببعض الشركاء الدينيين. كما سمح تراجع دورها في إدارة السوق الاقتصادية، ومن ثم انسحابها من أدوارها في رعاية الطبقات الفقيرة والمعوزة- للعديد من القوى الاجتماعية -الدينية بالأساس- بالعمل في المساحات التي تركتها الدولة ولكن تحت مظلة دينية، الأمر الذى اكسب هذه القوى المزيد من الأتباع والمؤيدين. وإذا كانت استعانة السادات بالجماعات الدينية لضرب منافسيه من اليساريين قد أدت إلى اقتطاع جزء كبير من الحصة السوقية للدولة من الخطاب الديني لصالح تلك الجماعات، فإن السياسات الاقتصادية- فضلًا عن الصفقات السياسية مع تلك الجماعات- التي اتبعها نظام مبارك أعطت النصيب الأكبر من جملة هذه السوق لتلك الجماعات خاصة الإخوان المسلمين.

لكن ذلك لم يكن العامل الوحيد في تراجع دور الدولة في المجال الديني، فهناك جملة من العوامل الأخرى التي ساهمت في هذا التراجع، من أهمها:

أ-الصراع بين المؤسسات الدينية الرسمية، وداخل المؤسسة الدينية الواحدة.

ب-الاعتماد على لغة خطاب صعبة وغامضة، ما يجعل المنافسين من الدعاة المستقلين ورواد الجماعات الإسلامية أكثر قدرة على الوصول للجماهير.

ج- شكل ظهور الإنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي عاملًا مهمًا في تراجع حصة الدولة في الحقل الديني لحساب الأفراد العاديين والجماعات.

‌د- كان لسد منافذ الاجتهاد، ومن ثم إغلاق الباب أمام عملية تجديد الخطاب الديني دورا في تراجع حصة الدولة من السوق الديني.

‌ه- كما كان لنظرة الجماهير للخطاب الديني الذي تصكه الدولة عبر مؤسساتها الدينية الرسمية- كأحد آليات السيطرة عليهم، دور مهم في تراجع نصيب الدولة من الفضاء الديني، لصالح الجماعات الدينية المنافسة من ناحية وللأفراد العاديين من ناحية أخرى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق