منوعات

مئوية الجامعة الأمريكية بالقاهرة: أسرار قلعة الليبرالية «الغامضة»

ما بين مقرها الحالي باذخ الثراء بمنطقة التجمع الخامس على أطراف القاهرة، والذي اقيم على مساحة تزيد عن ٢٠٦ أفدنة، وبين مقرها القديم وسط العاصمة، رحلة طويلة وحافلة قطعتها الجامعة الامريكية في القاهرة والتي احتفت منذ أيام بمرور مائة عام على إنشائها.

ففي عام ١٩١٩، وبعد عشر سنوات على تأسيس جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة )، اضطرت جامعة  فؤاد لإخلاء قصر الخواجة “نستور جناكليس”، أحد  اثرياء الجالية اليونانية في مصر آنذاك، والذي كانت تستأجره كمقر لها، بعد أن عجزت إدارة الجامعة، التي تأسست أواخر عام 1908 بالتبرعات والجهود الأهلية، عن دفع إيجاره، ليكون فيما بعد مقرا للجامعة الأمريكية الوليدة.

وفي مشهد درامي خرج أساتذة جامعة فؤاد من القصر، بعد أن لملموا أوراقهم، ليدخله “تشارلز واتسون” أول رئيس للجامعة الامريكية، وبصحبته أساتذة أمريكان وأفكار لمشروع متكامل لتأسيس واحدة من قلاع “القوة الناعمة الأمريكية” في العالم العربي. ومن يومها، وعلي مدار قرن من الزمان، ظلت هذه الجامعة تلعب أدوارا مؤثرة ومتوسعة على الساحة المصرية، وشكّلت عبر كل هذه السنوات، نخبا وجماعات فكرية واجتماعية لعبت أدوارا هامة في الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية داخل مصر.. ولا تزال.

 

فكرة رائدة  

ولد “تشارلز واتسون” أول رئيس للجامعة الأمريكية، في القاهرة عام ١٨٧٣، لم يعرف عنه مشاركته في أدوار عامة، أو حتى ثقافية، لكنه ظهر في عام تأسيس هذه الجامعة، كواحد من المهتمين بالتربية، والتواصل بين الشعوب، وبـ”صناعة قادة المستقبل في مصر والمنطقة” – بحسب تعبيره المبكر.

لم تكن فكرة إنشاء جامعة لها فروعها عبر العالم، قد طرأت على أذهان القوي التقليدية من الدول الكبرى علي الساحة الدولية في ذلك الوقت، إلا أن الولايات المتحدة، التي سبق بروزها كقوة عظمى على الساحة العالمية، تحضيرات كثيرة ، كانت أول من تنبه لهذا النوع من “المشاريع الكونية بعيدة المدى”، فتأسس أول فروع الجامعة الامريكية في العالم العربي في بيروت، لكنه لم يحمل اسم الجامعة بل سمي بـ” الكلية السورية البروتستانتية ” التي تأسست عام ١٨٦٦، وترأسها مبشر معروف هو “دانيال بليس”، وتخصصت في دراسة تاريخ الشرق القديم وتاريخ الديانات وكان العهد القديم منهجا ثابتا في كل المقررات الدراسية. وقد تخرج في هذه الكلية اليسوعية التي أصبحت فيما بعد “الجامعة الأمريكية في بيروت” عدد كبير من ساسة ومشاهير لبنان وسوريا والعراق، منهم سليم الحص ووليد جنبلاط والمفكر الشهير علي الوردي وعبد الله جمعة الذي كان واحدا من اقوي رؤساء شركة “أرامكو”.

 في مصر بدا الأمر مختلفا، فعلي الرغم من أن “تشارلز واتسون” كان واضحا في إعلانه عن أن الهدف من تأسيس فرع الجامعة في القاهرة أنها تستهدف “صناعة قادة المستقبل” إلا أن التدرج في خطوات التأسيس وصولا إلي وضوح الفكرة واستكمال أدواتها وتأثيرها امتد لعقود حتي استوت الصورة علي ما نراها عليه الأن. فقد بدأت الجامعة كـ”مدرسة ثانوية” تم افتتاحها في أكتوبر عام ١٩٢٠، وضمت آنذاك فصلين دراسيين يعادلان السنتين الأخيرتين من المرحلة الثانوية الأمريكية، وتم منح أول شهادات للتخرج بدرجة جامعية متوسطة لعشرين طالبا في عام ١٩٢٣. ومن المفارقات أن الجامعة ظلت خلال السنوات العشر الأولى بعد تأسيسها  تقصر الدراسة علي الطلاب الذكور فقط، ولم يتم قبول الطالبات إلا في عام ١٩٢٨.

تشارلز واتسون

 وقد ظل واتسون حريصا طوال الوقت على تأكيد فكرته بأن هدف الجامعة هو “صناعة قادة في مصر والمنطقة”، ولهذا كانت مجلة “التربية الحديثة” أول مجلة متخصصة تصدرها الجامعة، حيث ركزت كل اعداد المجلة علي قيم التنوير والمشتركات الإنسانية. والغريب أن الأعداد الكاملة لهذه المجلة لم تترجم حتي الآن رغم أهميتها الشديدة، بالنظر لتأثيرها علي قطاعات من شباب أُلح عليه لصياغة صورة مختلفة عن العالم، ربما كان الهدف هو تكوين جيل لا يكترث كثيرا بالتاريخ ويرى العالم الجديد من خلال نظرة متسامحة لم يكن هناك ما يبررها، إذ كانت مصر ترزح تحت الاحتلال وكانت خارجة للتو من حرب عالمية أولي أنهكتها لمصالح استعمارية طاحنة.

اقتصر التدريس في الجامعة الأمريكية علي اللغة الانجليزية فقط، واقتصرت مجالات الدراسة في البداية علي العلوم والفنون فضلا عن علوم التربية، وفي عام ١٩٥١ تم إغلاق المدرسة الثانوية، بعد أن تطورت وكبرت الأقسام و الكليات وشملت جميع المجالات العلمية تقريبا. ومع مطلع الخمسينات بدأت الجامعة تأسيس مراكز بحوث خاصة بها، بدأت علي استحياء من خلال مركز البحوث الاجتماعية التابع للجامعة، ثم مركز تنمية الصحراء في أوائل السبعينات، حتي وصلت هذه المراكز البحثية الأن إلي أكثر من ٣٥ مركزا تتابع كل شيء.. من التوثيق الاقتصادي إلي أحوال و قوانين الأسرة، ومن الإعلام إلى الزراعة.

صورة ذات صلة

الجامعة الأمريكية و “جوجل”.. وحدة البدايات والهدف

من خلال شواهد عديدة يمكن القول إن “الجامعة الأمريكية” كمشروع عابر للقارات والحدود، وكأداة فاعلة للقوة الناعمة الأمريكية، بدت كمسودة أولي لمشروع “جوجل” محرك البحث العملاق الذي يجمع عن البشر أكبر معلومات تحققت لدولة “هي امريكا” عبر التاريخ. فهدف “جوجل “في البداية كان واضحا بسيطا، مثيرا يقدم خدماته للجميع، والدخول إليه علامة من علامات الالتحاق بالعصر. لكن و من خلال قراءة شهادات “إريك شميت”، عبقري الحواسيب، والمدير التنفيذي الحالي لشركة  “جوجل”، يتضح حجم النفوذ والتأثير الهائل الذي بات يتمتع به هذا الموقع، وحجم التداخل بين دور الشركة وبين الدول والحكومات، وهو تداخل تكون فيه “جوجل” في الغالب الطرف المهيمن، المؤثر. يتحدث “شميت” في ذكري مرور عشرين عاما علي تأسيس محرك البحث الأشهر، عن عدم اكتراثه كثيرا بالقانون الدولي، وعن نفوذ جوجل الذي يجعله موجها لسياسات عديدة حول العالم، ولا يخجل من الاعتراف ببراعة مؤسسته في الإفلات من قضايا  تهرب ضريبي بمئات الملايين من الدولارات في دول عدة.

صورة ذات صلة

ليست الجامعة الأمريكية هكذا بالطبع، لكنها تشترك في تصاعد نفوذها، وفي تداخل أنشطتها مع السياسة في كل دولة حتي وإن تم نفي ذلك رسميا.

في العراق مثلا تم افتتاح أول فرع للجامعة الأمريكية هناك العام الماضي فقط، لكن مجلس أوصياء الجامعة اختار أغرب مكان ليكون مقرا لها، وهو واحد من أكبر وأشهر القصور الرئاسية التي كان يعلن من خلالها الرئيس العراقي الراحل  صدام حسين خطاباته المعادية للولايات المتحدة في سنوات حكمه الأخيرة، وقبل أن تجتاح القوة العسكرية الأمريكية بغداد لتغرقها في فوضي لم تنج من آثارها حتي الآن.

وفي مصر ورغم خطاب هادئ تبديه إدارات الجامعة المتعاقبة منذ تأسيسها، إلا أن اتهامات متعددة لاحقتها، ففي عام ٢٠٠٩ علي سبيل المثال قدم فايد النجار الرئيس السابق بمحكمة جنوب القاهرة بلاغا للنائب العام حمل رقم ٦١٨ اتهم فيه إدارة الجامعة بالقيام بأنشطة تمس الأمن القومي المصري، وفي نفس العام نشرت صحيفة “المصري اليوم” حملة صحفية موثقة تتهم فيها الجامعة بجمع معلومات عن كافة المجالات، بما يقترب من وصف ما تقوم به بأنه “تجسس علي البلاد” ولم ترد الجامعة في حينها علي مثل هذه الاتهامات الخطيرة، واكتفت برد أرسله “مينا رزق عطية”رئيس اتحاد الطلاب أكد فيه محبته للجامعة وقال إنها تسمح لطلابها بحرية الرأي والتعبير عن كل صور الرفض للتطبيع مع إسرائيل، ولم يتطرق هو ولا الجامعة لفحوى ما نشر في الصحيفة.

نتيجة بحث الصور عن المصري اليوم والجامعة الأمريكية

قبلها بسنوات قليلة وتحديدا في عام 2005، كان لافتا قيام الجامعة بتوجيه دعوة للكاتب الصحفي الكبير الراحل محمد حسنين هيكل لإلقاء محاضرة داخل قاعة إيوارت الشهيرة. كانت هذه هي المحاضرة التي عرفت بـ “محاضرة التوريث” حيث أثار خلالها هيكل بقوة وبراعة لأول مرة بهذا الشكل العلني قضية انتقال السلطة والحديث الذي لم يكن معلنا عن احتمالات أن ُيقدم مبارك علي توريث السلطة لنجله جمال. أثارت المحاضرة دويا هائلا في الداخل والخارج، والمثير أن القناة التي نقلت المحاضرة علي الهواء “قناة دريم” تعرضت ومالكها (أحمد بهجت) لعقاب قاس، في حين شن الإعلام الرسمي حملة كانت الأشرس ضد هيكل، وصلت إلي حدود السباب الواضح، لكن في المقابل لم يقترب أحد من الجامعة نفسها التي استضافته ولو بكلمة. بل على العكس، فقد خرج الدكتور مفيد شهاب  والذي كان يشغل في هذه الأثناء منصب وزير شئون المجالس النيابية ليدافع عن الجامعة في مواجهة أي اتهامات، ومثنيا علي دورها التنويري في نفس الوقت.

نتيجة بحث الصور عن هيكل في الجامعة الأمريكية

محمد حسنين هيكل

رجل ضد الإقالة  

الجامعة الأمريكية التي بدأت في عام 1920 كمدرسة ثانوية، ثم بثلاث كليات، أصبحت في هذا العام ٢٠١٩ تمتلك قوة بحثية وأكاديمية ضاربة، وصار لديها أكثر من ٧٠ ناديا ومنظمة طلابية، و٣٥ مركزا بحثيا. كما تطور شكل رئاسة الجامعة أيضا، فقد كان أول رئيس لها “تشارلز واتسون” من رجال التربية، أما مع  الاحتفالات بمئوية الجامعة فإن الرئيس الحالي “فرانسيس ريتشاردوني” هو واحد من ألمع وأنشط رجال الاستخبارات الأمريكية، وكل علاقته بالتربية والتعليم والثقافة أنه عمل مدرسا في إيران لبضعة شهور قبل اندلاع الثورة الإيرانية مباشرة في عام 1979، ثم عمل بعد تركه العمل في المخابرات الأمريكية سفيرا للولايات المتحدة في عدة دول من بينها مصر في عام ٢٠٠٤، وقد كان “ريتشاردوني” بطلا لواقعة غريبة جرت خلال الأسابيع الماضية، بعد أن استضافت الجامعة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الذي ألقي خطابا اعتبره الكثيرون من طلاب وأساتذة الجامعة خطابا عنصريا، وطالبوا بإقالة ريتشاردوني الذي اتهموه بتحويل الجامعة لمنبر يلقي عليه مثل هذا الخطاب. وقد تمت بالفعل إقالة ريتشاردوني، لكن مجلس أمناء الجامعة في نيويورك، الذي يعد مناهج الدراسة بالجامعة الأمريكية حول العالم، رفض الاقالة وأعاده إلي موقعه.

جلال أمين ولقاء مجهول

في مناسبة مئوية الجامعة الأمريكية  تذكرت لقاء كان قد جري بيني وبين الدكتور جلال أمين استاذ الاقتصاد والمفكر المعروف في مكتبه بالجامعة عام ٢٠٠٦ . وفي حوار لم ينشر، كان هناك سؤال عن قدرته على التوفيق بين مشاعره كرجل يهتم بالهوية والتاريخ شديد الاعتزاز بالعروبة والاستقلال الوطني، وبين التدريس بالجامعة الأمريكية، التي يعتبرها البعض قلعة من قلاع التغريب.؟ وكان ملخص جوابه: أنه لا يشعر بسعادة كبيرة طول الوقت، لأنه مقتنع بأن الجامعة بارعة في خلق مناخ علمي يجعلك تعرف من هم، في حين أن السؤال الذي يشغلني دائما هو ضرورة وجود بحث علمي وصحافة وثقافة نعرف من خلالها “من نحن” وهذا هو الأهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق