فن

مخرج يمشى الهوينا: داوود عبد السيد.. مبدع «الخيانات الجميلة»

يذهب كثيرون إلى أن فيلم “الكيت كات” هو أفضل ما قدمه المخرج الكبير “داود عبد السيد” من أعمال سينمائية.. والفيلم عن رواية “مالك الحزين” لإبراهيم أصلان.. بالرغم من أن “داود” يرى أن تحويل الأدب إلى “سينما” ليس بالأمر الجيد.. وأن به ثمة خيانة للنص الأصلي.. خيانة حتمية كما تخون الترجمات؛ لكنها في النهاية مقبولة على نحو ما، وبشروط خاصة تتضمن أن يفترس العمل السينمائي النص الأدبي ويهضمه تماما.. فالعلاقة بين النص الأدبي والسينما لا يجب أن تقوم على التطابق ولا الرضا التام.. يفترض “داود” أن العلاقة تشبه زيجة إجبار لكنها يجب أن تنتج طفلا جميلا يحبه الجميع.

Image result for ‫داوود عبد السيد‬‎

مبدع لا يتنازل

يطرح “داود عبد السيد” رؤى بالغة العمق فيما يتعلق بالسينما والحياة والقدرة على الخروج المتتالي من الأسر المتجدد الذي تفرضه الظروف وطبيعة المجتمع، ومراحل تفاعلاته المختلفة، وماهية العلاقة مع النظام السياسي.. وتتأكد تلك الرؤى باتساق الرجل التام وصدقه الشديد في تقديم قناعاته من خلال أعماله السينمائية.. إنه ليس مضطرا لتقديم تنازلات أو مسايرة أية موجة مهما كانت درجة قوتها.. إنه- في أسوأ الأحوال- يأوي إلى الظل لسنوات؛ لكنه يعود دائما لعمل شيء يدفعنا إلى التساؤل والبحث ومناقشة التفاصيل.. والأهم من ذلك أن سينما “داود عبد السيد” تُلهمنا إحساسا شديد الأهمية، هو أن نتعاطف مع أنفسنا لأننا – وفق رؤاه- متساوون في البلوى وإن تعددت التباينات الظاهرية.

تبدو السيرة الذاتية لمخرجنا دون محطات تستلفت النظر؛ لكنها كأعماله تستحق الفحص والتدقيق.. انتماؤه لأسرة ذات خصوصية دينية واجتماعية.. نشأته في حي مصر الجديدة، وهو ما يبدو بعيدا عن انحيازاته وأفكاره،  دراسته للسينما – رغم عدم تأكده أنه سيعمل في هذا المجال طوال عمره-، حتى بعد تخرجه في قسم الإخراج بالمعهد العالي للسينما عام 1967، تأثير ظروف الهزيمة القاسية عليه وهو في مرحلة من المفترض أنها تزدحم بالأحلام والآمال الكبيرة.. يصوَّر “داود” بعبارة بليغة : “لكأنما دُهست أحلامنا بلا رحمة.. أغمض جيلنا عينيه في تلك الليلة ناعما بأوهام القوة؛ لكنه استيقظ في الصباح على كابوس.. ربما ظل ممتدا إلى الآن.”

Related image

بدايات واعدة

من خلال عمله في مؤسسة السينما ساعد “داود” في إخراج فيلم “رجل فقد ظله “مع المخرج “كمال الشيخ” عام 1968، ثم ساعد “شاهين” في رائعته “الأرض” 1969، كما ساعد في إخراج “أوهام الحب” مع “ممدوح شكري” عام 1970، قرر “داود” بعد هذا الفيلم أنه لن يعمل مساعدا للإخراج أبدا.. إنها تبعة بلا طائل.. مهنة تتطلب كثيرا من التركيز والتدقيق في عمل هو في النهاية ليس لك.. ليس بينك وبينه صلة حقيقية، وهذا موقف ملهم جدا خاصة أنه صدر عن شاب كان آنذاك في الثالثة والعشرين من عمره.. لكنه قرر مبكرا ألا يحرث في حقول الآخرين.. سيكون له حقل خاص ذات يوم إنه لا يتعجل ذلك.. فبعد عامين من انتقاله للعمل بالمركز القومي للأفلام التسجيلية يقدم فيلم” رقصة من البحيرة” وبعد عامين آخرين يقدم فيلماعن تعمير مدن القناة.. ثم يتمهل “داود” حولين كاملين قبل إخراج فيلم تسجيلي ثالث هو “وصية رجل حكيم في شئون القرية والتعليم” تناول من خلاله الصراع بين وجهتي نظر متناقضتين عن حاجة الفلاحين للتعليم ومدى تأثير ذلك على عملهم بالزراعة من خلال تجربة واقعية حدثت في إحدى قرى محافظة كفر الشيخ، حين قررت مجموعة من المدرسين اليساريين محو أمية الفلاحين.. ما أثار جدلا كبيرا حول جدوى ذلك الأمر.. الفنان “جميل راتب” هو من قرأ الوصية التي حملها الفيلم، وبالرغم من أن التعليق حفل بالأخطاء اللغوية إلا أنه كان كاشفا للروح الفاشية التي اكتنفت ذلك الصراع.. بعد ذلك قدم فيلمين هما “العمل في الحقل“1979، عن الفنان التشكيلي “حسن سليمان” و”عن الأنبياء والقديسين والفنانين” 1980،عن أعمال وحياة الفنان التشكيلي “راتب صديق”.

وكأن “داود” يعلمنا الصبر.. ربما هو لا يكترث بمرور تلك السنوات.. يطول الانتظار إلى أوائل 1985، لنرى “داود” وقد زرع حقله السينمائى والروائى الأول وحيث قام بكتابة الفيلم إلى جانب إخراجه؛ أو لعله اقتنص فريسته الأولى بمهارة، وهو قد صنعها بيده قابلة للافتراس السينمائي دون تلك الجفوة التي أشار إليها- فيما بعد – بين الأدب والسينما.. هو سمَّاها الخيانة المقبولة أيضا.. في فيلم “الصعاليك” يتتبع “داود” قصة صعود صديقين كانا يمارسان الأعمال غير المشروعة الصغيرة في عقد الستينات، ويعيشان على الكفاف.. لكن عصر الانفتاح انتقل بهما من تجارة المخدرات – في ضربة حظ -إلى حيتان لا تكف عن التوسع والالتهام، حتى يتوحش أحدهما – بتأثير مخاوفه – فيقتل صديقه.. نال الفيلم الجائزة الثالثة في مهرجان القاهرة السينمائي، وعدة جوائز أخرى في مهرجان أسوان لأعمال خريجي معهد السينما.

سينما الرفض والتمرد

يمشي “داود” الهوينا مجددا – دون كبير اكتراث بعامل الوقت-.. لكن يبدو أن حركته الوئيدة التي استمرت لخمس سنوات لم تذهب سدى.. فقد ذهبت في البحث عن سيد مرزوق”  الفيلم الذى كتبه واخرجه داوود عام 1990 وهو الفيلم الأهم والأروع في مسيرة داود في نظر الكثيرين، ومن الغريب أن تخلو من اسمه قوائم أهم الأفلام المصرية والعربية.. يبدو التحريض كاملا في هذا العمل للطبقة المتوسطة التي داستها التحولات الاجتماعية المتسارعة ،فقررت الهرب والانزواء والرضا بالمقسوم لعشرين سنة.. ويكون الخروج عن طريق الخطأ كإحدى تصاريف القدر، ليواجه البطل مصيره الذي تتنازعه أطراف عدة، بينما يبدو طوال الوقت مفعولا به يحمل كرسي السلطة مجبرا- رغم سهولة التخلص منه- ويسيل دمه في معركة ليس طرفا فيها، ويدق الحب قلبه لكن في الوقت غير المناسب، وتدفعه سماته الوادعة وما جُبل عليه من حسن النية إلى الوقوع في المأزق تلو الآخر.. لكنه ينتبه في النهاية، ويحاول أن يكون فاعلا، لكن الوقت يكون قد فات، بانقضاء يوم الإجازة  وفرار “سيد مرزوق” وانهماك السلطة في صراع جديد تحشد له قوتها الباطشة، بينما يقف بطلنا وقد غرق تماما في دهشته.. يؤكد “داود” منذ هذا العمل الرائع أن “سينماه” لا تطرح حلولا ،وربما كانت تشبه حالة مراوحة، وهي على نحو ما محيرة وتبعث على القلق.. لكنها ممتعة وأخّاذة وحميمة على درجة دفء صادقة كليا.

وقبل أن نفيق من سكرة “البحث عن سيد مرزوق” يعاجلنا “داود” بعد عام واحد فقط بأجمل روائعه “الكيت كات”  الذى أنتج عام  1991 ،حيث يقف بنا على حدود عالم البصيرة والكشف والتوق للفكاك من الأسر الذي أصاب الناس بالعجز، وهوى بهم في قاع اليأس.. فليس إلا التماس السبل للنجاة.. ولا سبيل إلا رفض الواقع والتمرد عليه.. فالقبول والرضا هما أهم أسباب قلة الحيلة التي ترعاها سلطة ساهرة على تغييب المواطنين،- كما يظهر في أول مشاهد الفيلم-

في “أرض الأحلام” 1993، الذى كتبه هانى فوزى يقدم “عبد السيد” رؤية تتشابك فيها كثير من الخيوط حول الأحلام المؤجلة، وجدوى الهروب المتأخر، وكابوس ضياع الفرصة الأخيرة، والزيف الذي يرتكن إليه النموذج الأمريكي.. ومع القرب الحميم من شخصيات العمل نرى بعين “داود” أن أرض الأحلام تحت أقدامنا، وأننا لسنا بحاجة إلى الهجرة إليها.. فقط علينا أن نفتح أعيننا جيدا حتى يصير ما ظنناه ماضيا سحيقا- رحل بكل بهائه – واقعا ملموسا من الممكن أن نتنسم عبيره ونرشف رحيقه على وجه الحقيقة وليس في الأحلام.

وعلى طريقة “وللحديث بقية ” يعيد “داود” استكمال “كيت كات” أصلان من خلال “سارق فرح” خيري شلبي.. وهو غوص جديد في عالم المهمشين المرتبط بالتدين الشعبي، والذي يُقيّم الأمور بمقياس الاحتياج لا مقياس الاخلاق فنجد كل شخصية تحتفظ لنفسها بمبرر قوي لسلوكها الذي تسعى من خلاله لتحقيق حلمها الصغير وفق ضوابط تختلف من شخص لآخر، يتيح “داود” لمهمشيه صنع أفراح صغيرة ربما لا يتسع قلب أحدهم لحضورها ، كما في حالة “رُكبة” الذي يموت – راقصا طربا – من اقتراب معشوقته الشابة منه بعد أن جعلها ترقص كما لم ترقص من قبل على إيقاع طبله.

لا ينسى “داود عبد السيد” استكمال مشهد مهم في “البحث عن سيد مرزوق” حين تزج السلطة بالمواطن في إحدى معاركها فيصاب وينزف وهو هنا في “أرض الخوف” إنتاج2000، من تاليفه وإخراجه يستدعي هذا المواطن ليقوم بمهمة في عالم مجهول هو عالم تجارة المخدرات,, وتتخلى السلطة عن المواطن وتتجاهله بالكلية لتتركه يواجه مصيره في عالم لا يعرف الرحمة.. وفي “مواطن ومخبر وحرامي”  الذى كتبه داوود أيضا عام2001، يطرح رؤيته بخصوص الفساد الذي أصبح يحيط بالمواطن من جميع الجهات.. وأنه صار مضطرا لإيجاد صيغة للتعايش بعد أن طغى القبح بأشكاله على كل شيء.

في فيلميه الأخيرين “رسائل البحر” و”قدرات غير عادية” – والفيلمان من تأليفه-  يحمل لنا داود عبد السيد رسالة مفادها أننا قادرون على استقبال القيم التي تحمل الحب والرحمة للجميع، وأننا نمتلك من القدرات ما يؤهلنا لذلك وأكثر ،بشرط أن نكون “نحن “بكل ما أوتينا من قوة.. وأننا سنبلغ ما نرجوه بالصدق والبعد عن المناورة.. وقد رأينا “داود عبد السيد” حريصا كل الحرص على هذه القيمة منذ بدأ وحتى الآن.. وربما كان هذا أحد أهم أسباب تفرده،وإذا كان داوود عبد السيد قد اعتبر أن لجوء السينما إلى الأدب خيانة مشروعة -إذا أحسن مبدعو العمل السينمائى صنعه – فإننا نعتبر ما صنعه داوود من أفلام مأخوذة عن أعمال روائية هو” خيانة جميلة “بكل تأكيد –لا خيانة مقبولة فقط كما قال هو، جميلة ذلك الجمال الأخّاذ الذى قدمه داوود فى كل أفلامه ،سواء تلك التي كتبها بنفسه- و وتمثل أغلب أعماله – أو المأخوذة عن مبدعيْن كبيريْن بحجم خيرى شلبي وإبراهيم أصلان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق