فن

«Cold War».. حين ينتصر الحب على السلطة والسياسة

في بعض الأحيان يولد الحب بين شخصيات متناقضة.. لكن هل يصبح ذلك التناقض والاختلاف بالضرورة سببا لاستمرار واشتعال العاطفة، أم العكس؟، وكيف تؤثر الظروف المحيطة على علاقة بهذا الشكل، وعلى أي علاقة بشكل عام؟، وماذا إذا كانت تلك الظروف هي التواجد في قلب عالم خرج لتوه من حرب عالمية، وأصبح يعيش فى صراع  بارد مستمر ومتواصل تغذيه المؤامرات وتضارب المصالح؟

في ملحمة طويلة تغطي أكثر من عشر سنوات من التناقض والغضب والغيرة والعاطفة والحب وأيضا الحرب يقدم لنا المخرج البولندي “بافل بافليكوفسكي”، فيلمه الجديد “Cold War”، أو “الحرب الباردة” الذى قام ايضا بكتابة قصته الفيلم مرشح لثلاث جوائز أوسكار، لأحسن مخرج وأحسن فيلم أجنبي وأحسن تصوير، كما فاز بجائزة أحسن مخرج في مهرجان كان في نسخته الماضية.

صُوّر العمل المهم  بتقنية الأبيض والأسود، مثل فيلم بافليكوفسكي الأخير “إيدا” في عام2013 والذي حاز على جائزة أفضل فيلم أجنبي، في بداية الفيلم ربما تتساءل لماذا اختار المخرج تلك التقنية، لكن في نهايته  ستعرف أنك لم تكن بحاجة إلى الألوان مطلقا، ربما في مشهد أو اثنين كانت الألوان ستعطي قيمة للصورة، مثل مشهد الفرقة التي تقدم الفن الفلكوري البولندي.

خط واصل

” قلبان وأربعة عيون سود

 كانت تبكي كل الليل والنهار

 العيون السوداء التي كانت تبكي

ما عاد يمكنك أن تلتقي

 ما عاد يمكنك أن تلتقي

 كطفل أنكرته أمه

 طفل ما عاد يحبه أحد”

تلك الأغنية الفلكورية البولندية، هي الخط الواصل بين أحداث الفيلم التي تقع بين عامي 1949 و1959، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ويتجول الفيلم بين أطراف الصراع فتدور الأحداث بين بولندا وفرنسا وألمانيا، الفيلم بطولة” توماس كوت”، و”جوانا كوليج” في تعاونها الثالث مع بافليكوفسكي، و ويشاركهما فى بطولة الفيلم الفنان بوريس شيس.

 يبدأ الفيلم بالموسيقي “فيكتور” الذى يجسده” توماس كوك” وحيث  يرغب في تكوين فرقة تعيد غناء الفلكور البولندي، عبر البحث عن أبرز المواهب في القرى على أن يقوم هو ومساعدوه ومن ضمنهم كاتشماريك  الذى يؤديه ” بوريس شيس” بتدريبهم وتحويلهم إلى فرقة محترفة، ينبغي أن أقول هنا أن المخرج خلط بعض الأحداث الواقعية بقصته، فتكوين الفرقة في الفيلم يشبه إلى حد كبير تكوين فرقة  “Mazowsze” التي قامت بالفعل بتقديم كل العروض في الفيلم.

ومن ضمن الفتيات اللاتي تقدمن للحصول على الفرصة، كانت “زولا ” التى تجسدها”جوانا كوليج”، والتي يقع فيكتور في غرامها وتبادله هي الأخرى نفس الشعور.

بافليكوفسكي، استخدم في الفيلم تقنية التصوير “بالنسبة الأكاديمية” وهي تقنية تعطي انطباعا قديما نسبيا ويمكن توضيحها ببساطة بالفرق بين الأفلام المعروضة على التلفاز القديم وبين الشاشات الحديثة، فالثانية أعرض من الأولى “شبه المربعة”، يضاف إلى ذلك المونتاج الحاد، مما يجعل تكملة بعض المشاهد هي جزء من خيال المشاهد حيث التركيز الكامل على بطلي القصة.

صدام مع السلطة

قصة الحب بين فيكتور وزولا، تبدو في بدايتها سلسة وخفيفة، كلاهما من بولندا، التي خرجت من الحرب واقعة تحت الوصاية السوفيتية الستالينية، وبداية انقسام العالم لمعسكرين “شرقي وغربي “يمارسان حربا باردة، فلا علاقات واضحة أو حرب. لكنهما غير مهتميْن بالسياسة وبالتالي ليسا معارضين لهذا أو ذاك.

تنتقل الفرقة من نجاح إلى نجاح إلى أن تطلب السلطات السوفيتية أن تقوم الفرقة بالغناء لصالح السلطة الجديدة بجانب الفلكلور، ويقبل فيكتور ذلك بامتعاض، ويصبح كاتشماريك هو حلقة الوصل بين السلطة الستالينية والفرقة.

ولكن سرعان ما تصطدم العلاقة بين الرجل الحالم والمرأة المليئة بالطاقة، بالحرب الباردة وتعليمات السلطة الجديدة، فتعترف زولا لفيكتور بأنها تقوم بكتابة التقارير عنه وعن الفرقة لصالح كاتشماريك – صوت السلطة-، ورغم أنها تقوم بكتابة تقارير مضللة إلا أن فيكتور أصبح يشعر أنه مراقب وأن حريته على المحك.

يقرر فيكتور الهرب إلى الجانب الاّخر من العالم أملا في الحرية التي يفترض وجودها، ويدعو حبيبته للتواجد معه، لكنها تخذله للمرة الاولى فيستكمل مسيرته إلى فرنسا، ويصبح قائد الفرقة الفلكورية، فردا في إحدى الفرق التي تقدم موسيقى الجاز في فرنسا.

المخرج والمؤلف بافليكوفسكي، لم يستخدم أي موسيقى تصويرية خاصة سوى “الفلكورية “

حينما نكون في الجانب الشرقي من العالم و”الجاز” عندما نكون في الجانب الغربي، ليفرق بشكل غير مباشر بين الجماعية المفروضة سلطويا على ذلك الجانب أو الفردية في الجانب الاّخر.

بعد سنوات تصبح الفرقة ذائعة الصيت عالميا، ويلتقي الحبيبان مجددا لتقتنع “زولا “هذه المرة بالبقاء مع”فيكتور” في باريس، وهذه المرة تصطدم هي مع معطيات العالم الغربي الفردي.

ويبقى الحب.. بالموت

على كل حال أبرز مشاهد هذا الجزء هي غناء نفس الأغنية التي أشرنا لها سابقا بالخط الواصل للفيلم ولكن هذه المرة على نغمات موسيقى الجاز، لتصل للمشاهد فكرة أن ما يجمعهما حتى الأن هو أقوى من تلك المتغيرات المحيطة، وأن هناك رغبة في أن يستمر هذا الحب ويتأقلم مع ما حوله، ولكن ذلك أيضا دليل على تمسكها بالماضي حتى لو قامت بالهروب مع حبيبها.

ومثل عنوان الفيلم الذي يرمز إلى زمن الحرب الباردة بين المعسكرين، نجد أن الحرب الباردة أصبحت جزءا من العلاقة بين بطلينا، فتولد الاختلافات ويبرز التناقض، فالشوق والغرام يأتي في أعقابه الفتور والخيانة ثم الغرام مرة أخرى وهكذا إلى أن تقرر “زولا “منفردة العودة لبولندا رغبة منها في الاستمرار في حياتها السابقة، ويقرر “فيكتور” الذهاب وراءها مرة أخرى إلى بولندا فيتم حبسه بتهمة التجسس والعبور بدون تصريح.

في نهاية الفيلم وبعد خروج فيكتور من السجن، يجد العاشقان نفسيهما في مواجهة مع العالم بمعسكريه، ورغم أنهما لم يرغبا سوى في أن ينمو هذا الحب بعيدا عن ذلك العالم يصلان إلى نقطة اللاعودة، وأن حياتهما لن تعود كما كانت أبدا فيقرران الزواج والانتحار ليبقيا سويا إلى الأبد.

المخرج قام بإهداء الفيلم إلى والديه اللذين يقول إنه استوحى القصة منهما، سواء في طريقة التعارف أو التناقض الدائم والاختلاف والعلاقة المضطربة بينهما أو حتى السفر من بلد إلى بلد في ظروف مشابهة، بل وحتى في أسماء ابطال الفيلم، وأخيرا في بقاء الحب.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: