مختارات

أهل العمامة في مصر المملوكية

بدت العلاقة غير الشرعية بين السلطة والمال في مصر عهد سلاطين المماليك قريبة الشبه مما عاشته مصر قبل الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) 2011؛ حين أسدل الستار على عهد لا حد لغرابته وبدا المشهد المصري شديد الإعتام، لا يفتح نوافذ على الخيال، ولا تتسرب من مسامه المغلقة آفاق التفاؤل؛ ليس بسبب الفساد وحده، وإنما أيضاً بتحالف أصحاب النفوذ مع رجال المال، تجسيداً لما عُرف بزواج السلطة بالمال، وهو زواج أفرز الكثير من مظاهر الفساد فكانت السبب الأبرز في إشعال ثورة المصريين ضد حكم ظنَّ أنه حكم وتسيَّد واستعد لتوريث الملك الرئاسي. وكتاب «أهل العمامة في مصر عصر سلاطين المماليك» للمؤرخ المصري حسن البطاوي (2019)، رصد لنا ظاهرة خطيرة هي اتجاه بعض المعممين إلى توريث وظائفهم، فكان الواحد منهم سواء في وظيفة دينية أو ديوانية حريصاً على تدريب ابنه على عمله ليشاركه فيه عندما يشب، وحتى تكون الوظيفة من نصيب الابن بعد وفاة الأب. وأشار إلى تمكن هذه الظاهرة من المجتمع المصري آنذاك إلى الحد الذي جعل السلاطين يعترفون ضمناً بتوريث الوظائف، تأكيداً على أن الفساد لم يكن كله رشوة، ولا محسوبية، لكن ضياع حقوق الناس فساد، وحرمان البعض من فرص يستحقونها فساد، وتوريث الوظائف فساد، ودفع جيوش السوس للنخر في أصولها وثوابتها، لدرجة تصل إلي الخيانة العظمي.

ففي الوقت الذي كنا فيه نقاوم توريث الوظيفة الأولى بالدولة لابن الحاكم كانت أغلب مؤسسات الدولة أذعنت لفكرة توريث الوظائف لأبناء العاملين بها، بحيث أصبحنا أمام مؤسسات ضعيفة لم تتشكل بمعيار الكفاءة، وإنما بمعيار «الأقربون أولى بالوظيفة» وهو معيار باطل قانوناً، فضلاً عن كونه حراماً شرعاً. ولكن الموظفين وأهل العمامة في عصر سلاطين المماليك كان لهم رأي آخر في إقرار الوراثة لتولي وظيفة ناظر ديوان الإنشاء «الذي تفرد دون غيره من الموظفين بملازمة السلاطين كثيراً». فنجد أن أحدهم بعد أن يحفظ القرآن ويتعلم اللغة والخط وشيئاً من الحديث والفقه يتجه إلى التدريب على الكتابة في ديوان الإنشاء، وغالباً ما كان يجرى تدريبه على يد والده أو عمه أو أحد أقاربه، حتى إذا تهيأ للعمل شارك والده في أعمال كاتب السر. وإذا خلا المنصب بوفاة والده يتم تعيينه خلفاً له حتى ولو كان صغيراً. وجرى تعيين الكثير من كتّاب السر بهذه الطريقة، وهذا يعني أن أسراً بعينها احتفظت بهذا المنصب زمناً طويلاً. ونأخذ مثلاً على توريث وظيفة كاتب السر؛ فمن ذلك إنه عندما توفى فتح الدين محمد بن عبد الظاهر كاتب السر في عام 691هـ/ 1292م ترك ابنه علاء الدين علي، وله من العمر دون العشرين عاماً، فأقرّه السلطان الأشرف خليل بن قلاوون في ديوان الإنشاء خلفاً لوالده، وأجرى عليه ما كان باسم والده من الرواتب والجراية، ورتَّب معه أحد كتاب الديوان القدامى ممن له دراية بأعمال الديوان لمعاونته إلى أن يستطيع مزاولة مهام منصبه منفرداً. وجرى مثل ذلك أيضاً في عام 832هـ/ 1429م، فقد توفي القاضي بدر الدين محمد بن مزهر كاتب السر بالديار المصرية، وترك ابنه جلال الدين دون العشرين عاماً، فأقرَّه السلطان برسباي في وظيفة والده، وأقام معه شرف الدين أبي بكر الأشقر موقع الدست ليقوم بأعباء الديوان.

أما اختيار قاضي القضاة فهو أمر راجع إلى السلطان، أو الأمراء ذوي السلطة والنفوذ، وكانت تحكمه اعتبارات معينة، وأحياناً ظروف سياسية معقدة. ورصدت الدراسة أن اختيار قاضي القضاة على مدار عصر المماليك جرى بواحدة من طرق عدة، وهذه الطرق: الشهرة العلمية للقاضي، ووراثة القاضي للوظيفة، والعلاقات الودية بين القاضي وأهل الشوكة في الدولة، واستشارة السلطان أو القائم بأمر الدولة للقضاة القائمين في الوظيفة في من يصلح ليشغل الوظيفة الشاغرة، وأخيراً وصل بعض ضعاف النفوس إلى هذا المنصب بالرشوة. كما حرص بعض قضاة القضاة على إعداد أولادهم لممارسة الوظيفة عن طريق مشاركة الولد أباه في العمل، أو تعيينه نائباً عنه حتى يشب الابن مؤهلاً للوظيفة. ومن ذلك أن أسرة ابن بنت الأعز تعاقبوا على ولاية قضاء القضاة الشافعية في صدر دولة سلاطين المماليك، ثم تبعتها أسرة ابن جماعة التي استأثرت بنفس الوظيفة منذ ولاية بدر الدين محمد بن جماعة في عام 690هـ/ 1291م وحتى عزل برهان الدين ابن جماعة آخر أفراد هذه الأسرة في الوظيفة عام 784هـ/ 1382م، باستثناء فترات محدودة انقطعوا فيها عن مباشرة الوظيفة، ثم خلفتهم أسرة البلقيني في ولاية هذه الوظيفة. ومثل هذا يقال عن أسرة علاء الدين التركماني التي وليت وظيفة قضاء القضاة الحنفية من عام 748هـ/ 1347م حتى وفاة صدر الدين التركماني في عام 776هـ/ 1375م باستثناء فترات قليلة. وأما أسرة الإخنائي فقد وليت وظيفة قضاء القضاة المالكية من عام 718هـ/ 1318م حتى عزل عبدالوهاب الإخنائي في عام 778هـ/ 1377م، باستثناء فترات قليلة أيضاً. وكذلك أسرة نصر الله والتي ولّيت وظيفة قضاء القضاة الحنابلة من عام 769هـ/ 1368م حتى عام 802هـ/ 1400م، ثم عاد أحمد بن نصر الله إلى الوظيفة في عام 857هـ/ 1453م، واستمر إلى عام 876 هـ/ 1471م.

وحدث في عام 750هـ/ 1349م أن اجتمع رأي كثير من فقهاء الحنفية على أن يكون قاضيهم جمال الدين عبدالله بن قاضي القضاة علاء الدين التركماني بعد وفاة والده وخلو المنصب، وطلبوا ذلك من الأمير شيخو وغيره من الأمراء، فأجيبوا إلى ذلك، واستقر جمال الدين في القضاء وعمره دون الثلاثين. وعندما أشرف كمال الدين بن العديم قاضي قضاة الحنفية على الموت أوصى ابنه ناصر الدين أن يصر على أن يخلفه، فلم يدع ابنه وسيلة إلا اتخذها للوصول إلى المنصب، بلا جهد ولا تضحيات، مع الملاحقة الأمنية والقضائية للأصوات التي تعلو لتشكل نوعاً من المصارحة والمكاشفة، أو الجرد الشامل لسنوات طوال من التخريب المنظم للدولة، وهو أمر راجع إلى علاقة هذه الأسر بالحكام، أو إلى الشهرة العلمية لكثير من رجالها، والتي أتاحت لأفرادها شغل هذه الوظائف، ووجدنا معارضين للتوريث. فقد قام أثير الدين أبو حيان في مجلس قاضي قضاة الشافعية تقي الدين ابن بنت الأعز، ونادى قائلاً: «يا مولانا، قدموا أولادهم، قدموا أولادهم»، فقال له قاضي القضاة: «ما معنى هذا! ، قال أثير الدين: «الشيخ ابن دقيق العيد نزل لولده عن تدريس إحدى المدارس».

وسارت البلاد في اتجاه تدعيم ظاهرة التوريث، وانتشر بخار الفكرة معظم الوظائف على المدى الزمني الطويل لدولة المماليك، مع تكاثر الطحالب، وتكالب ذوي المصالح، وتقنين الفساد حتى أصبح فساداً عارياً لا يتوارى ولا يخجل، بل يفرض نفسه في وقاحة وقدر غير مسبوق من الفجور والشراسة، وعمد سلاطين الدولة إلى تنفيذ نظرية معاوية، فلا يحولوا بين الناس وبين ألسنتهم، ما داموا لا يحولون بينهم وبين الكرسي. هكذا سارت الأمور في مصر لقرون لا عدالة ولا مساواة فيها، أناس فوق القانون لأنهم أبناء فلان وعلان، هم يرثون مناصب آبائهم الحكومية؛ لنجد ظاهرة التوريث أصبحت ثقافة بشكلها الواسع طالت جميع المجالات.

نقلا عن موقع الحياة

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق