منوعات

ذو العقل حين يشقى بعلمه.. والجاهل في جهله يتنعم

على مدار سنوات الدراسة، منذ الطفولة وحتى الجامعة، عادة ما أفرزت الامتحانات والاختبارات الدراسية ردود أفعال غريبة وغير متوقعة، حيث يشيد أكثر الطلاب فشلًا على المستوى الدراسي بسهولة أسئلة الامتحانات، بينما يشتكى المتفوقون من صعوبتها، بل ويبكون على ما قد يظنون أنهم خسروه من درجات. لكن الأحوال دائما ما تتبدل عقب ظهور النتائج، فيتحول المتفوقون إلى الفرحة لرؤية أسمائهم ضمن الأوائل، في حين يصاب الأقل حظًا دراسيًا بخيبة أمل نظرًا لتدني درجاتهم لأقل من الحد الأدنى للنجاح.

وكثيرا ما كان البعض يفسر تلك الظاهرة بأنها تمثيلية متقنة من الأوائل خوفًا من حسد زملائهم، إلا أن الأبحاث العلمية أثبتت أن الأمر لا علاقة له بفكرة الحسد، بل باحتمالية سوء تقديرنا لقدراتنا الشخصية سواء بأكثر أو أقل من الحقيقة.

معرفة أقل.. ثقة أكثر

في عام 1995 شهدت مدينة “بيتسبرغ” الأمريكية واحدة من أغرب حوادث السرقة، حيث قام رجل يدعى “ماك آرثر ويلر” بالسطو على مصرفين في وضح النهار دون أي محاولة للتخفي، ثم عاد لبيته كالمعتاد. ألقت الشرطة القبض عليه في غضون ساعات قليلة، وبسؤاله في التحقيقات عن سبب ما فعل، قال “ويلر” أنه قرأ أن الليمون يستخدم كحبر سري لا يظهر إلا إذا سخنت الورقة التي كتب عليها به، فدهن وجهه بعصير الليمون وهو على يقين بأن الكاميرات لن تتمكن من تصويره.

أثارت ثقة “ويلر” في معرفته المحدودة فضول عالمي النفس “دايفيد دانينج” و”جاستن كروجر”، وبداّ دراسة أسباب العلاقة الطردية ما بين قلة المعرفة وارتفاع الثقة، وبتوسيع دائرة البحث على أعداد أكبر وفي مجالات متعددة، خلصوا في عام 1999 من خلال ورقة بحثية، إلى أن الجهل يزيد من ثقة الشخص في معلوماته. فعدم إدراك الأشخاص لمعايير التقييم السليمة، أو المهارات المطلوبة لإنجاز شيء ما، ينتج عنها فشلهم في إدراك ذواتهم وتقييم مهاراتهم بشكل عادل.

عرفت هذه الظاهرة بـ “تأثير دانينج- كروجر” وهو أحد أنواع التحيز المعرفي التي تدفع الأشخاص غير المؤهلين إلى المبالغة في تقدير مهاراتهم، فالمعرفة التي يحتاجونها لتقييم أنفسهم بشكل صحيح هي نفسها التي يحتاجونها لاكتساب المهارات المطلوبة أصلًا.

يصادفنا العديد من تلك النماذج في حياتنا اليومية، ولكن المشكلة  تكمن في هيمنة الجهلاء على المجتمعات بكل ثقة ويقين أنهم على صواب، فوفقًا لأعظم الفلاسفة وعلى رأسهم سقراط فإن “الحكمة الحقيقية الوحيدة هي معرفة أنك لا تعرف شيئًا”، لذا فإن من يدعون المعرفة المطلقة ويقودون أمما بكل ثقة، قد لا يوجد بينهم وبين “ويلر” أي فروق حقيقية، سوى أنهم نجحوا في أن يجعلوا الناس تصدق أن الليمون يمكنه إخفاء الحقائق فعلًا.

“متلازمة المحتال “

وكما قال الشاعر الكبير “أبو الطيب المتنبي” في إحدى قصائده: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله.. وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم.. فقد أظهرت الدراسات أن  70% من ذوي الكفاءة العالية يعانون من شكوك في قدراتهم، حيث يشعر العديد من المتميزين فعلًا بمختلف المجالات والأعمار، على الأقل في مرحلة ما من حياتهم، بأن ما حققوه كان مجرد ضربة حظ، وأنهم لا يستحقون المكانة التي يضعهم فيها الآخرون، لدرجة أنهم يشعرون بأنهم محتالون وأن زملاءهم أو عملاءهم سيكتشفون ذلك في أي لحظة، فيما يعرف بـ “متلازمة المحتال”.

وقد ظهر هذا المصطلح عام 1978 على يد عالمتي النفس “بولين روز كلانس” و”سوزان إيمس”، وعلى الرغم من تركيزهما على النساء الناجحات، إلا أن الأبحاث اللاحقة أكدت أن الأمر غير مرتبط بنوع أو وظيفة معينة، ولا تعني تلك المتلازمة الخوف من الفشل بقدر ما هي شك في استحقاق المكانة أو العمل الذي حصل عليه الفرد بمجهوده، وعادة ما يعوض المصابون بتلك المتلازمة هذا الشعور بالعمل أكثر والتدقيق المبالغ فيه، وهو ما يجعلهم ينجحون أكثر ويحصلون على المزيد من الثناء، إلا أن هذا النجاح لا يزيل عنهم شكوكهم وإنما يمثل عبئا  إضافيا عليهم.

ومع قراءة الناجحين في مجالاتهم وتوسع معرفتهم، يشعرون بأنهم ليسوا جيدين كفاية مقارنة بالآخرين، فيسعون إلى الكمال والإحاطة بكل تفصيلة دقيقة في عملهم، وهو ما يشكل  ضغوطًا شديدة عليهم، ويجعلهم دائمًا يشعرون بأن ما يفعلونه ليس كافيًا حتى وإن كان ناجحًا، بل ويشعرون بأنهم لا ينتمون إلى المكان الذي هم فيه لاعتقادهم بأن كل من حولهم أفضل منهم، ففي إحدى المناسبات حيث كانت هناك العديد من الشخصيات المرموقة قال الأمريكي “نيل أرمسترونج” وهو أول رائد فضاء يمشي على سطح القمر “عندما أنظر إلى كل هؤلاء الناس، اسأل نفسي ما الذي أفعله هنا معهم؟ لقد توصلوا إلى أشياء عظيمة، أما أنا فقد ذهبت فقط إلى حيث أرسلوني”.

صورة ذات صلة

نيل أرمسترونج

لكن المؤسف هنا هو أن التقييم غير العادل للنفس قد يؤدي إلى سيطرة الجهلة على المجتمع، إيمانًا منهم بأنهم الأكثر كفاءة وقدرة، في حين ينزوي أصحاب الكفاءات الحقيقية والعلماء لتشككهم في قدراتهم على التغيير، لذا تحتاج المجتمعات معايير محايدة لتقييم ما يقدمه أفرادها بشكل محايد وموضوعي، مع تفادي الاعتماد على رؤية كل شخص لنفسه، لأنها قد تكون مغايرة تماما للواقع، ومع ذلك مهما بلغت ثقة الجاهل في نفسه، ستثبت الأيام القيمة الحقيقية لما قدمه، في حين سيكون شك الناجحين أو العلماء في قدراتهم دافعًا ليطوروا من أنفسهم باستمرار، دون توقف عن البحث والتدقيق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: