رؤى

الطلاق المسيحى.. القضية الحائرة بين الدولة والكنيسة والقانون

كان هنري الثامن ملك انجلترا شابا يافعا لا يزيد عمره على ثمانية عشر ربيعا. يتفجر حيوية، تجتاحه شهوة فائقة للصيد والقمار ومبارزة الفرسان وعشق النساء، حين طلب من البابا تطليق زوجته الأولى، لرغبته في الزواج بأخرى، لكنه فوجيء بالرفض القاطع من قبل البابا. وكانت النتيجة انشقاق كنيسة انجلترا عن الكنيسة الكاثوليكية لتُعرف فيما بعد بالكنيسة “الانجليكانية”، والتي ترأسها ملكة انجلترا، ذلك لأن الكنيسة الكاثوليكية لا تعترف بأى سبب يفرق بين الزوجين اللذين تزوجا زواجا صحيحا إلا بالموت الجسدى، ف(ما جمعه الرب لا يفرقه إنسان) كما ورد في الإنجيل..

 أمل لم يتحقق

في بلاد المشرق الإسلامي لا تزال الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية تتخذ نفس مواقفها الصارمة تجاه قضايا التفريق بين الأزواج على الرغم من التطور الهائل الذي لحق بقوانين الأحوال الشخصية في مختلف بلدان العالم. وعلى الرغم من أن الشريعة المسيحية لا تتيح الطلاق بوجه عام، إلا أن مواقف كنائس الطوائف المسيحية الثلاث الرئيسية فى مصر (الأرثوذكس والكاثوليك والإنجليين) تتباين  وتختلف بقدر ما، إزاء تلك القضية، وهو ما تجلى واضحا في مواقف الكنائس الثلاث من قانون الأحوال الشخصية المصري المقترح من قبل وزارة العدالة الانتقالية عام 2014، والذي مثّل بارقة أمل لألاف من الأسر الحالمة في مصر بتصحيح مسار حياتها الإنساني والاجتماعي نتيجة حياة زوجية تتسم بالشقاء والنفور ما بين الأزواج.

فقد وُوجه القانون بالرفض من قبل الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية وكذلك الكنيسة الإنجيلية، حيث اعتبرت الكنائس الثلاث قضية الزواج والطلاق للمسيحيين شأنا كنسيا خالصا لا علاقة للدولة به، ثم سارعت الكنائس الثلاث في مرحلة لاحقة لاستصدار قانون موحد للأحوال الشخصية أدى إلى إغلاق إنفراجة الأمل في وجوه الباحثين عن زواج ثان من جديد.

فمن ناحية لا تعترف الكنيسة الكاثوليكية بالطلاق والتفريق بين الأزواج على وجه الإطلاق، بينما تتيحه الكنيستان الأرثوذكسية والإنجيلية في حالتين لا ثالث لهما، الأولى هي علة الزنا، ويأتى معها -على نفس المستوى – الشذوذ الجنسي أو قيام أحد الطرفين بتغيير ديانته، أما الحالة الثانية فهى أن يشوب عقد الزواج بطلان جوهرى،

 غير أن بعض رجال الدين المسيحي يرون في اتخاذ الزنا علة للطلاق افتئاتا على الشريعة المسيحية، واجتهادا غير موفق من البابا شنودة، وهو ما رفضه الآباء المسيحيون على مر التاريخ.

إشكالات

وهنا تظهر العديد من الإشكالات، فالمحاكم المصرية التي تٌرفع أمامها دعاوى الطلاق لا تعترف بغير مفهوم “الشريعة الإسلامية “للزنا، والذي يقتضي وجود أربعة شهود – وهو شرط يصعب جدا تحققه-، أو اعتراف أحد الطرفين بارتكاب واقعة الزنا مما يعرضه- فى الشريعة المسيحية-  للحرمان الكنسي فيما بعد، وهو ما يعني الحرمان من حق الزواج الثاني بعد وقوع التطليق.

 بينما تتبنى الكنائس الثلاث مفهوم “الزنا الحُكمي” كوجود دليل على أن هناك طرفا ثالثا في حياة أحد الزوجين، أو الخروج من الملة وتغيير الطائفة الدينية، ويقدر محامون ومتضررون مصروفات الشهادة الواحدة لتغيير الملة بين 80 و100 ألف جنيه (4000 – 5300 دولار)، يدفعها الراغب في الحصول على مستند انتسابه إلى طائفة أخرى.

وسواء حكمت المحكمة بالتطليق أم لا فإن الكنيسة لا تعترف بسلطة القضاء في التفريق بين الأزواج باعتبارها السلطة الوحيدة المخولة بمنح حق الزواج الثاني. وعلى الرغم من أن هناك مئات من حالات الطلاق بموجب أحكام قضائية فلا زالت مصائر هؤلاء معلقة بأيدي المجلس الاكليريكي الذي يرفض منحهم حق الزواج الثاني، أو هو في أحسن الأحوال يمنح هذا الحق لأحد الطرفين دون الطرف الآخر الذي يثبت عليه تهمة الزنا أو تغيير الملة. وعادة ما يعترض أولئك الراغبون فى الزواج الثانى ويثيرون مسألة حقوقهم الطبيعية في تصحيح أوضاعهم الاجتماعية والأسرية بعد تأكدهم من استحالة اكتمال الحياة الأسرية مع أزواجهم، فالواقع يؤكد أن أكثر حالات طلب الطلاق بين الأقباط أمام المحاكم، تأتى من إساءة أحد الطرفين للطرف الآخر، وهو ما يؤدى إلى استحكام النفور بينهما.

بداية الأزمة

استمر صراع الأقباط من أجل الطلاق على مدار عدة قرون حتى قام الراهب أنطونيوس السريانى بعمل بحث للكلية الإكليريكية ومعهد الدراسات القبطية عام 1958 عن (شريعة الزوجة الواحدة فى المسيحية وحينما رٌسم أنطونيوس السريانى ليصبح ( البابا شنودة الثالث)، صدر القرار رقم (7) لسنة (1971) للمجلس الأكليريكى ،والذى ينص على عدم إصدار قرار زواج ثان إلا إذا كان الحكم الصادر من المحاكم المصرية قد صدر بناء على سبب الزنى فقط، وليس على أى سبب من الأسباب التسعة التى تنص عليها لائحة 1938 والمدونة بالقانون (462لسنة 1955)، الذى كان ينص على تسعة أسباب للطلاق منها الزنى، وبذلك أنهى البابا شنودة كنسيا وروحيا العمل بالقانون واللائحة وإن كانت المحاكم لا تمتلك غيرهما..

وبذلك تعطلت حياة عشرات الآلاف من الأسر في انتظار قرارات كنسية تحسم وضع الأزواج المعلقين. في الوقت ذاته، فإن النزاعات المستعصية بين الأزواج تنعكس على حياة الأبناء ومستقبلهم. وبرغم إعلان الحكومة حيادها في القضايا المتصلة بالكنيسة، فإن تدخل الأمن لفض احتجاج 3 يونيو 2015 لمتضرري الأحوال الشخصية، والذي ألغى بسببه البابا تواضروس عظته الأسبوعية، وتم توقيف مشاركين فيه، فٌسر من قبل البعض باعتباره انحيازا ضد الأفراد الساعين للخروج من جمود القرار الكنسي..

أين الحلول الجذرية؟

ويُرجع البعض السبب الرئيسي في تلك المشكلة إلى الوضع الذى  تعيشه الدولة بعدم حسم هويتها فيما إذا كانت دولة دينية أم مدنية، فعلى الرغم من تولي وزارة العدالة الانتقالية مهمة إعداد قانون الأحوال الشخصية الخاص بالأقباط إلا أنها أرسلته إلى كنائس الطوائف الثلاث للبت فيه دون طرحه للنقاش المجتمعي أو حتى أخذ أراء من تعلقت به مصائرهم من المسيحيين، وتحاول الدولة احتواء آثار المشكلة مجتمعيا دون محاولة إيجاد حلول جذرية، وليس أدل على ذلك من دورها في عدد من القضايا مثل قضية “كاميليا شحاتة”، و”وفاء قسطنطين ” وكلها قضايا كانت ناتجة في مجملها عن هذه المشكلة.

وعلى الرغم من التكتم الكنسي حول حجم المشكلة وأعداد حالات قضايا الطلاق المسيحية أمام المحاكم إلا أن بعض التقديرات تشير إلى أنه في محافظة أسيوط وحدها- التي يشكل الأقباط نحو 25 إلى 30% من سُكّانها الذين يزيد عددهم على 4 ملايين نسمة-، شهدت المحاكم 1002 قضية طلاق بدعوى فسخ أو بطلان العقد، و55 قضية بسبب تغيير ملة أحد الزوجين، في الفترة من 1999 وحتى 2004- حسبما توثّق مؤسسة قضايا المرأة المصرية- المعنية بقضايا الأحوال الشخصية للمسيحيين.

كما رصد مركز قضايا المرأة المصرية- 1449 قضية طلاق في القاهرة بين عامي 1999 و2004، أما في محافظة الأقصر فرصد 35 قضية طلاق لأسباب مثل “النفور- الزنى- الهجر” و51 قضية اعتراض على إنذار الطاعة، وحسب آخر احصائية نشرتها محكمة الأسرة المصرية فإن نحو 6500 دعوى طلاق رفعت أمام محكمة الأسرة بسبب إلحاد العقيدة حتى عام 2015.

ما تزال ألاف الأسر المسيحية المصرية تنتظر إنفراجة في مستقبلها بإستصدار قانون للأحوال الشخصية يراعي الحاجات الإنسانية والاجتماعية للمواطنين دون التهديد بالتحلل والخروج من العقيدة والديانة المسيحية.

الوسوم

بلال مؤمن

كاتب و محرر مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق