رؤى

صفحات من تاريخ الكنيسة المصرية (3): مدارس الأحد.. ميلاد النهضة من رحم التحديات

غيّب الموت القديس “حبيب جرجس” في أغسطس 1951، بعدما بعث النهضة في أركان الكنيسة القبطية، وسلم جيلا جديدا راية التحديث، وعقدت اللجنة العليا لمدارس الأحد اجتماعا تم خلاله اختيار الأستاذ “وهيب عطا الله” وكيل الاكليريكية بالقاهرة (الأنبا غريغوريوس)، أسقف الدراسات القبطية والبحث العلمي، نائبا للرئيس العام لمدارس الأحد، وأضحى المسؤول عن تلك المدارس.

نتيجة بحث الصور عن القديس حبيب جرجس

القديس حبيب جرجس مؤسس مدارس الأحد

وكما لم يكن عام 1954 عاما عاديا في تاريخ مصر السياسي، لاسيما في ضوء الأحداث التي أعقبت ثورة يوليو، والإطاحة بالرئيس محمد نجيب، فإنه لم يكن كذلك أيضا بالنسبة للكنيسة المصرية. فقد قرر الاستاذ نظير جيدالانبا شنودة الثالث – في هذا العام دخول عالم الرهبنة بدير السريان باسم الراهب انطونيوس السرياني، ليلحق بخدام مدارس الأحد الأستاذ سعد عزيز “باسم القمص مكاري السرياني”  –الأنبا صموئيل -والدكتور يوسف اسكندر -الأب متى المسكين – الذين التحقوا بعالم الرهبنة في ظل رعاية القمص مينا المتوحد -الأنبا كيرلس السادس.

اختار المجمع المقدس الأنبا “إثناسيوس مطران” بني سويف قائمقام بعد وفاة الأنبا يوساب، وكان الاتجاه يذهب نحو منع المطارنة والأساقفة من الترشح للمنصب، وأن يأتي اختيار البطريرك من الرهبان، وبدأ شباب مدارس الاحد العمل بنشاط  وحماس داخل مجموعات لهذا الأمر، وتركزت الترشيحات في ثلاثة رهبان من دير السريان، وكانوا جميعا من رواد مدارس الأحد، وهم القمص مكاري السرياني، والقمص متى المسكين، والقمص انطونيوس السريانيالأنبا شنودة الثالث-.كما رشح بعض الشباب من فروع مدارس الأحد الدكتور وهيب عطا الله للمنصب البابوي.

صورة ذات صلة

الأنبا أثناسيوس مطران بني سويف

تياران رئيسيان

في تلك الأثناء كانت الكنيسة القبطية يتنازعها تياران رئيسيان، تيار شيوخ المطارنة والأساقفة الذين أحس بعضهم بأن مدارس الأحد استطاعت أن تحقق التواجد بكثافة داخل الأوساط القبطية، وأن روادها بعد دخولهم عالم الكهنوت يستطيعون أن يحوزوا الرتب الكنسية العليا، وتيار مدارس الأحد الذي دخل عالم الرهبنة وأضحى على عتبات قيادة الكنيسة .

وعلى خلفية التطور الذي جعل فرصة حيازة الرهبان الجامعيين رواد مدارس الأحد المنصب البابوي قريبة الحدوث، وأنه قد يكون منصب البطريرك من بين هؤلاء، جاءت جهود بعض شيوخ المطارنة لعقد اجتماع للمجمع المقدس بهدف دفعه لوقف العمل بلائحة 1927 وتعديلاتها للانتخابات البابوية، وطالبوا بوضع لائحة جديدة.

تطور لافت

في نهاية شهر أبريل 1957 صدر قرار وزارة الداخلية بوقف إجراءات انتخاب البطريرك لما كان قد بدأ يشوب الانتخابات من خلافات قد تؤثر على جلال الكرسي، وتتعارض مع الصالح العام. ثم ظهرت اللائحة الجديدة، التي كان أبرز ملامحها سن المرشح، بحيث يكون قد بلغ من العمر أربعين سنة ميلادية عند خلو الكرسي، وأن يكون قد قضى في الرهبنة عند خلو الكرسي مدة لا تقل عن خمس عشرة سنة. وبتلك اللائحة نجح شيوخ المطارنة في تجاوز تيار مدارس الأحد الذي حاول أن يحوز المنصب البطريركي، فقد كان أكبرهم سنا  وأطولهم مدة فى الرهبنة القمص متى المسكين يبلغ من العمر سبعا وثلاثين سنة، بمدة في الرهبنة لا تتجاوز ثماني سنوات.

بعد أربع سنوات وتحديدا عام 1962 كانت مدراس الأحد على موعد مع تاريخ مهم، ففي هذا العام رسّم البابا كيرلس السادس، أول أساقفة عموميين في عهده، وكان من بينهم القمص مكاري السرياني، كأسقف للخدمات العامة والاجتماعية “باسم الأنبا صموئيل ” وهو من أسس مشروع الخدمة الريفية،ووصلت من خلاله مدارس الأحد، لكل قرية ونجع في المحافظات المصرية، والقمص انطونيوس السرياني، أسقف الكلية الاكليريكية، والمعاهد الدينية، ومدارس التربية الكنسية، باسم الأنبا شنودة، وأضحت مدارس الأحد، منذ ذلك الحين، جزءا تابعا لأسقفية التعليم، وتحت رعاية الكنيسة والأنبا شنودة كأسقف للتعليم.

صورة ذات صلة

أحداث الخانكة

وفي الثامن والعشرين من سبتمبر 1970 غيّب الموت الرئيس جمال عبدالناصر ليتولى الرئيس السادات السلطة خلفا له، وبعده بشهور قليلة رحل البابا “كيرلس السادس” وتحديدا في شهر مارس 1971 ليخلفه على رأس الكنيسة  القبطية الأنبا شنودة الثالث، بعد اعتماد اختياره بالقرعة الهيكلية في نوفمبر 1971. و في العام التالي لتنصيب البطريرك الجديد -البابا شنودة – وقعت أحداث الخانكة في نوفمبر 1972. وكان رد فعل البابا شنودة بأن وجه الأساقفة بأن يتقدموا مسيرة حاشدة من الكهنة نحو آثار مبنى الكنيسة المحترقة ـ ليقيموا به  قداس الصلاة، وكانت توجيهات البطريرك بأن يواصل الأساقفة التقدم بغض النظر عما يمكن أن ينتج عن هذا الأمر من عواقب.

نتيجة بحث الصور عن السادات في زيارة الكاتدرائية

لم تكن الأجواء السياسية في ذلك الوقت، تسمح للرئيس بأن يتخذ ردود فعل حقيقية وواضحة، أو أن يُظهر جزءا من تحالفاته على الأرض، فاستجاب لاقتراح  الكاتب الكبير الراحل محمد حسنين هيكل بأن يبادر بزيارة الكاتدرائية والجلوس مع قداسة البابا، والتقطت عدسات الكاميرا صوراً للبابا شنودة الثالث وهو يقف خاشعاً بينما الرئيس السادات ومن معه يؤدون صلاة الظهر.

صورة ذات صلة

كلف السادات مجلس الشعب، بتشكيل لجنة خاصة للتحقيق، في ملابسات حادث الخانكة، برئاسة الدكتور جمال العطيفي وكيل المجلس وعضوية كل من: محمد فؤاد أبوهميلة، وألبرت برسوم، وكمال الشاذلي، ود. رشدي سعيد، والمهندس محب استينو. وقد اشارت اللجنة  في تقريرها إلى مقدمات أسباب الحادث والتي تعود إلى تقرير “مزور” نُسب لجهات الأمن الرسمية، عن اجتماع عقده البابا شنودة الثالث في مارس 1972 أُعتُبر فيه أن ثمة مخططا لدى الكنيسة القبطية من أجل أن يتساوى المسيحيون بالمسلمين من حيث العدد، وقد وجد هذا التقرير سبيله للتوزيع -بشكل كبير – على الرغم من أن الاتحاد الاشتراكي أصدر حينها بياناً يوضح فيه عدم صحة هذا التقرير المزعوم،  لكن اقتصر توجيهه على القواعد التنظيمية بالاتحاد الاشتراكي، ولم يجد طريقه للقاعدة الجماهيرية العريضة، الأمر الذي سمح بتأجيج المشاعر العدائية ضد الأقباط.

حصر تقرير لجنة تقصي الحقائق لسنة 1972 الأزمة في ثلاث قضايا أساسية: أولها الترخيص بإقامة الكنائس، والدعوة والتبشير، والرقابة على نشر الكتب الدينية. وقد لاحظت اللجنة أن هناك عدداً كبيرًا من المساجد لا يخضع لإشراف وزارة الأوقاف، وهو ما ينطبق على الكهنة في الكنائس، كما أكدت اللجنة أنه بعدما أصبحت مادة التربية الدينية مادة أساسية في مناهج التعليم، طبقاً للمادة 19 من الدستور الجديد، فإن المدارس قد أصبحت من مؤسسات الدعوة، وفى هذا الإطار أوصت اللجنة بأن تتسم دروس الدين فى المدارس  بعرض حقائق الأديان بحسن إدراك وسعة أفق بعيداً عن التعصب.

صورة ذات صلة

مسار اّمن

في يناير 1972 أصدر البابا شنودة الثالث قراراً بابوياً، يختص بمدارس الاحد -التربية الكنسية – جاء فيه :على جميع الكنائس كهنتها ولجانها وكل المسؤولين فيها مراعاة مواعيد خدمة التربية الكنسية، ولا يجوز إطلاقا الإتفاق على أية خدمة كنسية تتعارض مع هذه المواعيد، وأن تعلن مواعيد التربية الكنسية في مكان بارز لكل كنيسة.

 وفي ظل أجواء السبعينات التي شهدت تصاعد تيار الإسلام السياسي وإطلاق مشروع قانون الردة، ومواجهة البابا شنودة الثالث، والمجمع المقدس، لذلك المشروع بتحد، كان البابا دوماً حريصا على أن تتواصل مسيرة مدارس الأحد كمشروع نهضة بعيدا عن هذه الأجواء المحتقنة، وان يكفل لذلك التيار مساراً آمناً، يحميه من موجات التصادم وآثارها، وهو ما بدا واضحاً، في اللائحة التي صدرت عام 1977 وورد فيها نص بالغ الدلالة “خدمة مدارس الأحد لا دخل لها اطلاقا بالأمور السياسية أو المشاكل العامة حتى لا تتعطل الخدمة الروحية “.

 وفي النصف الثاني من عام 1981 وقعت أحداث الزاوية الحمراء وتحدث الرئيس السادات طويلاً حول ما جرى، محاولا توصيف الأمور في أدنى درجاتها، لكن الغضب كان قد وصل لدرجة لم يكن يدرك حقيقتها سوى الرئيس والبابا، وكان الحاح سؤال عام الحسم يتشكل هذه المرة على مسار مختلف، إذ أوشك السادات أن يستكمل مشروعه التاريخي القائم على تحقيق السلام مع اسرائيل، ولم يكن على استعداد لاستقبال، أي مفاجأت أو التعامل مع أي أزمات، في الأيام التي تسبق ظهوره منتصراً، على خشبة السياسة الدولية. وجاء تصرف السادات في صورة قرارات سبتمبر الشهيرة، التي تضمنت اعتقال أسماء من كل الأطياف المصرية، وصولاً إلى سحب القرار الجمهوري بتنصيب البابا شنودة الثالث، ووضعه رهن الإقامة الجبرية. هذه اللحظة بدت للكثيرين أنها الجحيم، لكنها في حقيقة الأمر لم تكن غير اللحظة التي تسبق الجحيم الذي اكتملت صورته تماما بما جرى في حادث المنصة الشهير.

صورة ذات صلة

مدارس الأحد بلورت فكر البابا شنودة

أكثر من ثلاثة أعوام قضاها الرئيس الجديد حسني مبارك في الحكم خلفا للسادات، بينما كان الباب شنودة الثالث ينتظر في دير الأنبا بيشوي، حتى صدر قرار عودته إلى الكاتدرائية، قبل احتفالات عيد الميلاد 1985، وقد سبق خروجه الإفراج عن عدد من الأساقفة والكهنة، وإن لم  يسمح لهم بالعودة إلى كنائسهم لفترة، وقد بدت آثار ما حدث واضحة على حركة التعليم في تلك الأثناء.

 وفي الختام يمكن القول إن مدارس الأحد استطاعت بلورة فكر ورؤية البابا شنودة للكنيسة القبطية، وأن تحتوي واقع وأحلام الأقباط المصريين، وتضحى رديفاً للدولة المصرية، في العديد من الأنشطة والخدمات التعليمية والثقافية والاجتماعية، لاسيما في ظل عجز الدولة عن تقديم خدماتها لكافة مواطنيها، تحت وطأة العوز الاقتصادي، وزيادة أعداد السكان بالصورة التي تضجر بها الدولة. وتحت ضغط تصاعد نفوذ الإسلام السياسي، وتزايد التوترات الدينية، نتج انزياح وتخندق للأقباط المصريين على هامش الخدمات الكنسية، وأضحت المؤسسات الدينية الرسمية، وغير الرسمية، ملاذاً آمناً لهؤلاء المواطنين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق