ثقافة

«كتبجية النبي دانيال».. وجه جميل آخر لعروس المتوسط

“شارع النبي دانيال، بالنسبة لأهل اسكندرية، ولكل الوافدين إليها، هو ملتقى الثقافة والفكر والتراث، هو شارع المثقفين والكتاب والآدباء، شارع من الزمن الجميل” هكذا قدم حسين سلمان، رئيس جمعية “النبي دانيال للحفاظ على الكتاب القديم” الشارع الشهير بالأسكندرية. أما مجدي بخيت والشهير بشيخ حارة شارع النبي دانيال، فيصفه بأنه شارع الثقافة والآثار، فيه مسجد النبي دانيال، والكنيسة المرقسية والمعبد اليهودي.

عُرفت مدينة الاسكندرية بكونها عروس البحر الأبيض المتوسط،، يزورها كل عشاق البحر، ولكن هل لزائر المدينة المحب للثقافة، أن يتجاهل زيارة شارع النبي دانيال؟ بالطبع لا، حيث يحتل الشارع مكانة خاصة لدي محبي القراءة، سواء كانوا من أهل المدينة ذاتها، أو من زوارها. ولكن ما هى قصة شارع النبي دانيال؟

يشير محمد حجازي، البالغ من العمر خمسين عاما ويعمل في مجال بيع الكتب بالشارع المعروف -منذ كان طفلا في العاشرة من عمره-  إلى أنه قد ورث هذه المهنة عن والده، حيث كان الأب  يفترش الرصيف مع عدد محدود من بائعي الكتب القديمة، لا يتجاوز العشرة أفراد، وذلك في سبعينيات القرن الماضي. ويضيف قائلا: كنت أقف مع والدى لأساعده في بيع الكتب، وحين حصلت على ليسانس الحقوق من جامعة الأسكندرية، حاولت أن أبحث عن عمل اّخر، إلا أن والدى أشار علىّ بأن أواصل العمل معه، وأقنعني بأن عملي في المحاماة سيعرضني للتعامل مع الخارجين على القانون، أما استمرار العمل في مجال بيع الكتب، فسيتيح لى فرصة التعامل مع الطلاب والمثقفين والآدباء، واقتنعت بكلامه.

محمد حجازي

أما مجدي بخيت، فقد بدأ العمل مع إخوته الذين كانوا قد سبقوه إلى بيع الكتب منذ بداية السبعينات، بالفرش على الرصيف، ثم تطور الأمر بعد ذلك إلى إنشاء أكشاك تعرض فيها الكتب للبيع  بلغ عددها في الوقت الراهن خمسين كشكا.

جمعية خاصة لمواجهة المعوقات

الكتبجية كما يفضل أن يطلق عليهم مشايخ المهنة، في شارع النبي دانيال، مثلهم مثل غيرهم من ممارسي أى مهنة يواجهون العديد من المعوقات والمشكلات، الأمر الذي دفعهم لتأسيس جمعية خاصة بهم تدافع عنهم وتعبر عن مطالبهم.

 عن تلك الجمعية ودورها وكيف أُسست يروي حسين سلمان رئيس الجمعية، قائلا: أُشهرت هذه الجمعية في الشئون الاجتماعية عام 2011، في أعقاب ثورة 25 يناير، ومن ساعدنا في ذلك هم طلاب الجامعة الفرنسية بالقاهرة، الذين جاؤوا إلينا عام 2010، وقدموا لنا الدعم المالي لتأسيس المكان، وسهّلوا لنا عقد العديد من الاجتماعات، بالمركز الفرنسي بالاسكندرية. ثم جاءت ثورة يناير لتوفر لنا المناخ المحفز للعمل الأهلي الجماعي، فتم إشهار الجمعية بسهولة ويسر.

 وعن أهداف الجمعية يشير رئيسها حسين سلمان، إلى أنها  بمثابة نقابة، تدافع عن أعضائها، وتحافظ على الكتاب القديم، وتقدم الدعم المادي للمرضى، والمساندة في مختلف المناسبات الاجتماعية التي قد يتعرض لها أي عضو. أما عضوية الجمعية، فإلى جانب الخمسين مشاركا من بائعي الكتب، هناك العديد من أساتذة جامعة الأسكندرية، وغيرهم من المثقفين المهتمين بالحفاظ على شارع النبي دانيال، من أهالي الأسكندرية.

 ويواجه بائعو الكتب بشارع النبي دانيال العديد من المشكلات والمعوقات، يجملها محمد حجازي في الرسوم الكبيرة التي يدفعها أصحاب الأكشاك لإدارة الكهرباء والتي تصل إلى 400 جنيه عن كل كشك، إضافة إلى خمسين جنيها ضريبة عقارية، ومائة جنيه إشغال طريق،  بخلاف تعرض بعض الكتب للتلف نتيجة الأمطار، في فصل الشتاء. أما المشكلة الأكبر التي تحدث عنها حجازي، فتكمن في هيئة المصنفات، التي تأتي إليهم من حين إلى أخر بدعوى عدم الحصول على رخصة بيع كتاب معين، حيث تقوم بغلق أحد الأكشاك، كنوع من الترهيب لباقي البائعين، “كيف لنا أن  نحصل على مثل تلك التراخيص، ونحن بالأساس نعمل في مجال الكتب القديمة”.

  تغيرات هائلة

منذ ما يقرب من نصف قرن، نشأت ظاهرة الكتبجية بشارع النبى دانيال، فما التغير الذي طال هذه المهنة؟ هل تغيرت نوعية الكتب التي أصبحت تحظى بالإقبال؟ هل تغير جمهور القراء؟

يجيب على هذه التساؤلات محمد موسى وهو في الأربعينات من عمره، حاصل على الثانوية الأزهرية، ويمارس مهنة بيع الكتب منذ 26 عاما، فيقول: “كل وقت وله نوعية معينة من الكتب التي لها رواج وانتشار، الكتب الدينية كانت أكثر رواجا فى التسعينات، وفي بداية القرن الحالي، أما الآن فإن الكتب الأدبية هى التي تحظى بالرواج”.

أما عن جمهور القراء، يشير موسى إلى أن طلاب جامعة الأسكندرية وباحثيها وأساتذتها هم الشريحة الأكبر من جمهور المترددين علي “كتبجية النبى دانيال”، إلا أن هذا لا يمنع من وجود جمهور مختلف ومتنوع يأتي إليهم مع فصل الصيف، لكن بشكل عام فإن سوق الكتب شهد تراجعا شديدا في السنوات الأخيرة، حيث انخفضت المبيعات وفقا لموسى إلى نحو الثلث تقريبا.

 يصنف موسى،- في هذا السياق- جمهور القراء من الشباب والطلبة إلى صنفين، صنف محب  للقراءة بالفعل، وصنف يتفاخر بكونه يشترى كتبا من باب التباهى -ليس أكثر- وهؤلاء تنقطع علاقتهم بالكتب تماما بعد التخرج، أما محبو الكتب فإن علاقتهم بالكتب لا تنقطع. وفي هذا السياق يشير موسى إلى فكرة “الموضة” في إنتشار كتاب معين في وقت معين، بين فئة الشباب ويضرب مثلا بكتاب “فن اللامبالاه” الذي كان متاحا دون أن يكون عليه أي إقبال من قبل الجمهور، إلى أن ظهرت صورة للاعب الكرة الشهير محمد صلاح وهو يقرأ هذا الكتاب، فأصبح من أكثر الكتب مبيعا.

سوق الكتب

يعتمد بائعو الكتب في شارع النبي دانيال على جمع الكتب القديمة إما من “باعة الروبابيكا ” مباشرة، أو بالذهاب لبعض الأسواق التي تعمل في بيع الأشياء القديمة، مثل سوق الحضرة وسوق باكوس، إضافة إلى البائعين من الأفراد الذين قد يترددون على الأكشاك يعرضون كتبهم القديمة للبيع، بعضهم يبيع كتبه مقابل بعض المال، وآخرون يستبدلون كتبهم القديمة، بكتب أخري جديدة، وقد يستدعى الأمر أن يدفعوا بعض المال كفرق للسعر. لكن المصدر الأهم  للحصول على الكتب حديثة الطباعة، فيتمثل فيما عرف ب “الكتاب المضروب“، وعن هذه الظاهرة يتحدث وليد شبيب البالغ من العمر 27 عاما، والحاصل على بكالوريوس فنون جميلة، ويعمل في مجال بيع الكتب منذ نحو خمس سنوات، والذي يرى أن ارتفاع سعر الكتاب يعد السبب الرئيسي وراء انتشار ظاهرة الكتاب المضروب(المزور أو المسروق)، فالكثيرون من جمهور القراء لا يمكنهم شراء تلك الكتب التي قد  يصل سعر بعضها إلى مائتي جنيه.

 ويعزو شبيب سبب انتشار تلك الظاهرة إلى أن بعض مؤلفي الكتب يسعدهم ظهور تلك الطبعات، لأنها من وجهة نظره تعمل على رواج وإنتشار اسم المؤلف، خاصة ممن ينتمون للجيل الجديد من الأدباء الشبان.

 يقترح محمد موسى لمواجهة ظاهرة الكتاب المضروب، على القائمين على طباعة الكتب، أن يحرصوا عند التعاقد مع المؤلف أن يَصدر من الكتاب الواحد نسختان إحداهما طبعة جيدة، وأخرى شعبية، بسعر مخفض مع ترميز كل كتاب برقم متسلسل، حتي يضمن المؤلف حقوقه في عدد النسخ المطبوعة، فالعديد من الناشرين -وفقا لما أشار إليه موسى- يقومون بطباعة عدد من النسخ أضعاف ما تم الإتفاق عليه مع المؤلف، حتي أن الأمر قد يصل إلى أن بعض الكتب المضروبة تصدر في بعض الأحيان، عن دار النشر ذاتها، صاحبة الكتاب الأصلي، وذلك دون علم المؤلف بالطبع، مع غياب صاحب دار النشر عن الصورة، وظهور شخص بديل له يتصدر المشهد.

ممنوعون من حقهم الطبيعي

تغيب عارضو شارع النبي دانيال عن المشاركة في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام -مثلهم في ذلك مثل باقي عارضي سور الأزبكية- وهو ما تسبب لهم في الكثير من الخسائر المادية. وعن هذه المشكلة يشير حسين سلمان- الممثل لشارع النبي دانيال في التفاوض مع باقي العارضين بسور الأزبكية- إلى أن إدارة المعرض اعتذرت بكونها لن تتمكن من توفير سوى أماكن محدودة لعدد 33 مشاركا فقط، على عكس ما كان متبعا من قبل، حيث كان من المعتاد أن يشارك نحو 108 أشخاص بسور الأزبكية مقسمة بين شارع النبي دانيال بالاسكندرية والعتبة والسيدة زينب بالقاهرة، الأمر الذي دعاهم مجتمعين إلى الإمتناع عن المشاركة بالمعرض هذا العام. ويعتقد حسين سلمان أن السبب الحقيقى وراء منعهم من المشاركة يكمن فى الإقبال الشديد من قبل جمهور المعرض على كتب سور الأزبكية ذات الأسعار المنخفضة والتنوع الشديد من حيث المحتوى، وهو ما كان من الممكن أن ينعكس بالسلب على مبيعات العارضين الاّخرين، غير أنه يؤكد أنهم سيعودون العام القادم للمشاركة العام القادم بعد الانتقادات التي تعرضت لها إدارة المعرض بسبب غيابهم هذا العام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: