منوعات

رحلة هيكل من «الجازيت» إلى «دار العودة» (4)

في منتصف عام 1968، توجه رئيس مجلس الأمة أنور السادات إلى مكتب الأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام حينها، وأخبر مديرة مكتبه السيدة نوال المحلاوي بأن هناك موعدا مع الأستاذ، انتظر السادات 45 دقيقة في قاعة الضيوف الملحقة بمكتب هيكل، ثم توجه إلى مديرة المكتب مرة أخرى وطلب منها أن تسأل الأستاذ إذا كان يرغب في تأجيل الموعد إلى يوم آخر، دخلت المحلاوي وخرجت بعد ثوان، لتقول لرئيس مجلس الأمة: “اليوم الأربعاء، والأستاذ مشغول بكتابة مقاله.. سيحدد لسيادتك موعدا آخر، إن شاء الله”.

أصاب هذا الموقف السادات بغصة في حلقه، وذكًر هيكل به فيما بعد.. كان السادات يشعر بالدونية أمام هيكل، “وفقا لما ذكره الكاتب الصحفي محمد حمّاد في كتابه “الرئيس والأستاذ.. دراما العلاقة بين الكاتب والسلطة”.. وعن ذلك يقول حمّاد “لم يقصر هيكل في ترسيخ شعور السادات تجاهه خلال فترة عبد الناصر، وحسب شاهد عيان فقد كان يعامله “معاملة درجة ثالثة”..

الكاتب: محمد حماد وكتابه “الرئيس والأستاذ”

الرئيس يعتذر لمحرر “الأهرام”

وهناك قصة تروى في هذا الشأن خلاصتها أن المحرر البرلماني في جريدة الأهرام كتب ما لم يعجب السادات، وكان وقتها رئيساً لمجلس الأمة، فطلبه إلى مكتبه وعنفه، ويكاد يكون طرده من المكتب بطريقة غير لائقة، وذهب المحرر إلى هيكل طالباً نقله إلى عمل آخر، وعندما استفسر عن الأسباب ذكر له ما حدث، فلم يكن من هيكل إلا أن طلب منه أن يخرج من مكتبه مباشرة إلى مكتب السادات قائلا: اذهب إليه الآن، وسوف يعتذر لك.

 وعن هذه الحكاية يروي حمّاد في كتابه أن هيكل “طلب السادات على التليفون، ويكاد يكون “وبخه”، طالبا منه أن يعتذر فوراً للمحرر، الذي هو في طريقه إلى مكتبه الآن. وفعلا لم يكد الصحفي يصل إلى أول شارع مجلس الأمة، وقبل دخوله بوابة المجلس، وجد من يبلغونه بأن رئيس مجلس الأمة يطلبه، ويسأل عنه، وما إن وصل إلى مكتب السادات حتى بادره قائلا: “دا كلام يا فلان… رايح تشتكيني للأستاذ هيكل، أنت صدقت، دا أنا بهزر معاك… أنت أخذتها جد.. يا سيدي أنا أعتذر لك”.

هيكل والسادات

كان السادات يحسد هيكل على قربه من عبد الناصر. وكان يعرف، بل ويقول لهيكل: “لولا هذا الخط المباشر بينك وبين الراجل الكبير لكانت رقبتك طارت من فوق جسدك”، وكان السادات يذهب إليه في مكتبه، وينتظر، حتى يفرغ من أحاديثه مع الرئيس في التليفون. يروي حماد مدللا على مشاعر الحقد الدفينة التي سكنت السادات ولم يتمكن من ترجمتها الإ بعد أن تسلطن وأحكم قبضته بعد أكتوبر 1973، “عندما أصبح السادات رئيسا، بتخطيط مشترك مع هيكل، اختلفت طبيعة العلاقة بين الرئيس والأستاذ، فلم يكن هيكل يريد أن يواصل العمل في خدمة “سيد جديد”، بل أراد أن يكون شريكاً حقيقياً، كان قد خرج من قمقم “التابع”، الذي ظل حبيساً داخله طوال 18 عاماً في ظل سلطة رجل استثنائي، وبدأ مسيرة علاقة دراماتيكية”.

 ويضيف حمّاد “منذ البداية لم يكن السادات يستريح لهيكل، ولكنه كان في حاجة إليه، وتصورها هيكل فرصته لكي يستخدم السادات ولكن في النهاية ظهر أن السادات هو الذي استخدم هيكل، فالسادات لم يكن سهلا”.

شارك هيكل في صناعة شرعية السادات، وكرس لتلك الشرعية في مايو 1971، وأشار البعض إلى أنه هو الذي صاغ أساس الشرعية الجديدة في أكتوبر سنة 1973، بعدما أطلق على السادات: “صاحب قرار أكتوبر العظيم”، ومع ذلك، لم يكن أمامه من خيار بعد 4 أشهر، إلا أن يرضى بهيكل الجديد، هيكل الملتزم، أو أن يحمل عصاه ويرحل بعيداً في الظل.. بعيدا عن الجريدة التي صنع لها مجدها وبريقها فأضفت عليه قوة ضاق بها السادات فقرر حرمانه منها، وأبعده عن المقعد الذي كان يمقته عندما كان مديرا عاما لجريدة الجمهورية وعندما كان رئيسا لمجلس الأمة وحتى عندما صار نائبا للرئيس عبد الناصر، وإمعانا في التنكيل بهيكل عين السادات على أمين رئيسا لتحرير الأهرام خلفا له، وكانت العلاقة بين هيكل وآل أمين قد وصلت إلى مرحلة العداوة والتراشق باتهامات التخوين.

ناصر يحسد هيكل على منصبه

عندما زار عبد الناصر مبنى الأهرام الجديد في 13 فبراير عام 1969 بصحبة نائبه السادات، شعر نائب رئيس الجمهورية أن هيكل أسس دولة مستقلة ذات سيادة، بحماية صديقه عبد الناصر، في تلك الزيارة قال الرئيس لنائبه وهو يجلس على مكتب هيكل “هذا هو العمل الذي كنت أرغب فيه”.

تجول عبد الناصر في الأهرام بصحبة هيكل لنحو 5 ساعات، التقى فيها بالصحفيين في صالة التحرير دون حراسة، واجتمع بتوفيق الحكيم وحسين فوزي ونجيب محفوظ ولويس عوض وعائشة عبد الرحمن، ولم يرحل قبل أن يحصل على الطبعة الأولى من الأهرام وصور الزيارة في الصفحة الأولى.

كان هيكل قد تسلم رئاسة تحرير الأهرام في أغسطس عام 1957، بعد أن أعتذر لصاحبي “أخبار اليوم” على ومصطفى أمين، وكانت “الأهرام” جريدة شاخت وتراجع توزيعها وأوشكت على الإفلاس في تلك الفترة. “في يومه الأول رئيسا لتحرير “الأهرام” فاجأته التحديات، فهو في الثالثة والثلاثين من عمره بينما قيادات الصحيفة العريقة تجاوز أغلبهم الخمسين، وهو قادم من “أخبار اليوم” وهى تجربة صحفية تناقض ما اعتادته “الأهرام” من تقاليد أساليب راسخة في كتابة الأخبار والتحقيقات والعناوين وترتيب الصفحات.. وهذه مسألة حساسة لوحدها بغض النظر عن ميله الطبيعى إلى النهج المهنى لـ”الأهرام”.. لكنه استطاع تجاوز فجوة الأعمار وجفوة المدارس، على ما ذكره الكاتب الصحفي عبد الله السناوي في كتابه “أحاديث برقاش.. هيكل بلا حواجز”.

لمدة شهر كامل، تابع هيكل حركة العمل فى الصحيفة، ترك كل شىء يمضى بالطريقة المعتادة.. “لا أمليت تصورات مهنية متعجلة، ولا أقدمت على تغيير الخط التحريرى العام.. وأخذت وقتى فى التعرف عن قرب على الكفاءات والمواهب التى يمكن الاعتماد عليها فى أى خطط تطوير مستقبلية لاكتساب قارئ جديد.. أخذت ما أحتاج إليه من وقت للتفكير فى خطط التطوير نفسها.. عندما استكملت خططى بادرت بتغيير شامل فى الأهرام محاولا أن أضفى على موادها التحريرية حيوية تفتقدها مع الحفاظ على شخصيتها الرصينة.. وكان تقديرى أن الاتصال بمصادر الأخبار بالطريق الصحيح واللائق مسألة حاسمة للانفراد الصحفى ودقة ما ينشر، فكل صحيفة تغطى أولا ما يغطيه غيرها من أخبار، وتنافس ثانيا فى متابعة تلك القصص الإخبارية واستقصاء خلفيات جديدة، ثم تحاول ثالثا أن تنفرد بأخبار تسجل أمام قارئها قدرتها على إشباع احتياجاته من المعلومات أكثر من غيرها”.

و تجربة هيكل في الأهرام  يقول السناوي في كتابه “لم يكن ما وصلت إليه الأهرام فى ستينياتها تحت رئاسته من معدلات توزيع عالية ضربة حظ، ولم يجر تصنيفها كواحدة من أكبر عشر صحف فى العالم ضربة حظ أخرى، فقد وهب وقته كله من أجل الصحيفة التى ترأسها.. وأودع روحه فى بنيانها الجديد الذى صمم على أفضل ما أتاحه العصر، زين جدرانه بلوحات تشكيلية لكبار الفنانين، كأنها ثقافة بصرية رادفت ثقافة السمع، فقد كان ممكنا أن تسمع أنغام السيمفونيات تصدح بخفوت فى مكتبه.. وكان درة تاجها احتضانها العلامات الرئيسية فى قوة مصر الناعمة.

 وعن ذلك يقول هيكل: “لم أسمح لنفسى فى أى لحظة لأى سبب أن استدعى أحدا من كبار الأدباء والمفكرين الذين احتواهم الدور السادس إلى مكتبى فى الدور الرابع.. أنا الذى أذهب إلى مكاتبهم محاورا عندما يتوفر عندى وقت.. أردت توفير مناخ للإبداع بدون ضغوط أو شواغل أخرى وتركت القيمة تتجلى وفق ما يرى أصحابها.. مثلا: قلت لنجيب محفوظ لا أريد منك أن تفعل شيئا غير أن تهتم بفنك الروائى، كل ما أتمناه أن تنشر كل عام رواية جديدة على حلقات.. أردت بوجودهم أن أؤسس لصحافة القيمة والارتفاع بمستوى الحوار العام وأن يكون المثقفون والأدباء والمفكرون الكبار فى قلب المشهد يتابعون ما يجرى فيه ويكتبون عن معرفة”.

هيكل ومحفوظ وأم كلثوم

تضاعف توزيع الأهرام في عهد هيكل مرات، فمن 70 ألف نسخة في عام 1957 إلى 350 ألف نسخة في عام 1967، واقترب العدد الأسبوعي من مليون نسخة.

قطار الانتقام ينطلق

وفي القمة وبعدما استتبت الأمور للسادات، واستغل نصر أكتوبر لوضع قواعد شرعية جديدة، ساعدته في تأسيسها الهالة الإعلامية التي صاحبت الحرب وما بعدها، حينها بدأ السادات مرحلة تفكيك ميراث عبد الناصر والتخلص منه وفتح الباب لنهش وديعة سلفه وفي المقدمة منها هيكل، هذا الرجل الذي أشعره بـ”الدونية”، خلال سنوات حكم صديقه، كما أراد أن يكون شريكا خلال سنوات حكمه.

وعن تطور الخلاف مع السادات يقول هيكل في كتابه “بين الصحافة والسياسة”: “مرت شهور.. ومرت بعد الشهور سنون.. وطرأت على علاقتى بالرئيس السادات مشاكل، وظهرت بيننا خلافات تعقد بعضها ووجدنا لها حلا، واستحكم بعضها الآخر بغير حل.. اختلفنا فيما قاله عن سنة 1971 باعتبارها سنة الحسم.. واختلفنا فى الطريقة التى عالج بها مظاهرات الطلبة أواخر سنة 1971، ولم أكن أرى أن العنف وسيلة للتعامل مع الشباب.. واختلفنا فى الطريقة التى عالج بها موضوع الفتنة الطائفية.. فقد كان يرى تفجير المشكلة وكنت أراها مشكلة لا تصلح فيها سياسة الصدمات الكهربائية، وإنما لابد من علاج حذر لأسبابها وعوارضها، ولجذورها قبل الفروع.. واختلفنا فى الطريقة التى راح يجرى بها اتصالات خفية مع الولايات المتحدة الأمريكية، واختلفنا حول الطريقة التى جرى بها طرد الخبراء السوفييت من مصر”.

ويضيف: “في هذا كله كنت أحرص على أن يظل الخلاف فى حدوده.. فهو رئيس الدولة وصاحب القرار ولى الحق أن أبدى رأيى ولكنه المسئول وحده أولا وأخيرا.. ثم جاء الخلاف الأكبر حول الإدارة السياسية لحرب أكتوبر. وكنت أرى أن نتائج الحرب تضيع واحدة بعد الأخرى. ورحت أكتب رأيى بصراحة لا لبس فيها فى مجموعة مقالات امتدت من أكتوبر 1973 إلى أول فبراير 1974”.

انتهى خلاف السادات مع هيكل بقرار أصدره الأول في الثاني من فبراير 1974 بنقل هيكل من الأهرام للعمل مستشاراً للرئيس، وهو ما رفضه هيكل، وعلق عليه في تصريح لصحيفة “صنداي تايمز” البريطانية قائلا: “إنني استعملت حقي في التعبير عن رأيي، ثم إن الرئيس السادات استعمل سلطته، وسلطة الرئيس قد تخول له أن يقول لي اترك الأهرام، لكن هذه السلطة لا تخول له أن يحدد أين أذهب بعد ذلك، القرار الأول يملكه وحده، والقرار الثاني أملكه وحدي”.

Related image

 في عام 1975 نشر هيكل مجموعة مقالات في صحف عربية خارج مصر، تم جمعها بعد ذلك في كتب، وانطلق قطار الانتقام الساداتي من محطته، وصدر قرار التنكيل بهيكل بشكل معلن، من خلال الإعداد لما يسمى بقانون “العيب” الذي أطلق عليه البعض قانون هيكل، “حاول فى هذه الفترة أن يدفعنى إلى الهجرة من مصر، وخاف كثير من أصدقائى، ولم أهاجر، بل ولسنة كاملة لم أسافر من مصر على الإطلاق حتى أكون تحت تصرف أى قانون حتى ولو كان مفصلا من أجلي”.

لم يكتف السادات بحملات التشهير بالأستاذ فحرك ضده جهات قد تقيد حركته، “قرر الرئيس السادات سنة 1978 أن الفرصة قد واتته ليضرب وأحالنى إلى المدعى الاشتراكى ومنعنى من السفر، وجرى التحقيق معى صيفا بأكمله، والصحف تكتب قبل كل جلسة أنه يحقق معى لأننى أسأت إلى مصر فيما كتبت خارجها. ولم أسئ لمصر، علم الله، بحرف، وإنما كنت أنتقد سياسة رئيسها واعتبرها هى التى تسىء لمصر. وانتهى التحقيق، وانتظرت التصرف فيه، لكنهم تركوه معلقا، وقررت نشر محاضره كاملة فى كتاب “وقائع تحقيق سياسى”.

بكاء هيكل في طره

ويضيف هيكل: “خلال هذا كله كانت حملات التحريض مستمرة علي، ثم كان أن شملتنى اعتقالات 5 سبتمبر سنة 1981، ولم تظهر كلمة دفاع واحدة عن الحرية بل حدث العكس مع الأسف وقتها رغم ضربة القمع التى شملت كل القوى السياسية في مصر”.

وفي سبتمبر 1981..  وجد هيكل نفسه سجينا في إحدى زنازين سجن الاستقبال بمنطقة سجون طره، وفقا للكاتب الصحفي صلاح عيسى الذي رافق هيكل في اعتقالات سبتمبر الشهيرة، “حدث الذي لم يكن أحد يتخيله أو يتوقعه.. ووجد هيكل إلى جواره، في الزنزانة بعض الذين نازعهم ونازعوه سدانة المعبد، ممن كانوا يسمون آنذاك بـ”مراكز القوى”.

ويقول عيسى في كتابه “شخصيات لها العجب”: في 28 سبتمبر 1981، اعتذر هيكل عن الحديث في احتفال كنا -على سبيل التحديث- قد قررنا إقامته في ذكرى وفاة عبد الناصر واختفى في زنزانته، وقال لي أحد الذين يشاركونه سكناها من زملائنا المعتقلين: إنه أخفى وجهه تحت غطائه واندفع في بكاء حار”.

وفي 6 أكتوبر 1981 سمعنا خبر مقتل السادات..  ورغم المشاعر المتعددة التي ناوشتنا بعد سماعه، فقد كان “هيكل” هو الوحيد الذي أغلق عليه باب زنزانته، واندفع مرة أخرى في بكاء عنيف”.

“وكان صوت جميل يأتي من بعيد، يتلو قول الله عز وجل: “قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير…وخرجنا جميعا من السجن ..بعد ثلاثة أشهر إلى قصر رئاسة الجمهورية، وبعد لقاء مع الرئيس الجديد الذى قال للكل يومها: أريد أن ننسى ما حدث، وأريد صفحة جديدة وأريد تعاون كل القوى في مصر” ..يختم عيسى الفصل الذي خصصه عن هيكل في كتابه.

الفيديو جرافيكس

نص: بلال مؤمن

تحريك ومونتاج: عبد الله إسماعيل

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق