رؤى

سؤال آثار جدلا في أمريكا(2-2): هل نحن بحاجة لمئذنة لنكون مسلمين؟

ربما يبدو بناء مسجد فى أى ولاية أمريكية تحديا جسيما، كما قال إمام أحد المساجد الذي خاض غمار معركة على مدي سنوات طويلة لاستخراج تصاريح البناء اللازمة في إحدى الضواحى، لكن التحدي الحقيقي – وفقا لرؤية هذا الإمام – يكمن- من بين أشياء أخرى- في إسناد أمر الإمامة إلى إمام يؤم المصلين، ويعي جيدا في ذات الوقت طبيعة المجتمع المحلي.

عادة ما يحتفظ الأئمة لأنفسهم بقدر من الاستقلالية في إدارة خدمات المسجد واختيار موضوعات الدروس. وربما تتضمن الأسئلة الأكثر أهمية التي تواجه الكثير من المساجد مسألة تعيين وتحديد مسئوليات الأئمة، كما أشارت نانسي خليل في كتاب The Politics of Islam in Europe and North  America

الفجوة بين الأجيال المسلمة

وبينما تحاول كثير من المجتمعات المحلية المحيطة بالمسجد التمسك بالممارسات الإسلامية الأصولية، فإنها تسعى أيضا إلى الانفتاح على أبناء الجيل الأصغر سنا ، الذين لا يألفون جيدا التقاليد التي عايشها أباؤهم في بلادهم الأصلية بصورة مباشرة. إذ تضم كثير من المساجد مجموعتين مختلفتين، هما جيل المهاجرين الأكبر سنا الذي يتحدث العربية أو الأوردية أو الفارسية … إلخ، والجيل الأصغر سنا الذي يتحدث الإنجليزية. وتسعى هذه المساجد بقوة إلى تجسير الهوة بين هذين الجيلين.

وتبقى مسألة الفجوة الجيلية ذات تجليات مختلفة في أوساط المسلمين السود المولودين في أمريكا. فالفجوة اللغوية والجيلية تتشابك بصورة معقدة مع القضايا العقدية. وبينما تدعم بعض المجتمعات المحلية المناهج التقليدية، ولا تجعل من الطلاقة في اللغة الإنجليزية شرطا لتعيين الإمام، تسعى مجتمعات أخرى كثيرة جاهدة من أجل العثور على أئمة يجيدون لغتين في محاولة لتجسير الفجوة بين الأجيال.

وفي حالة “مسجد مكة” -على سبيل المثال -وجد القائمون على المسجد حلا بخلق منظومة ثنائية معمول بها في العديد من المساجد في ولايات أخرى. فبينما يتم تعيين الإمام في “مسجد مكة” من خريجي جامعة الأزهر المصرية المرموقة، تُسلم القيادة الشبابية بالمسجد إلى “شيخ محلي”. ورغم ذلك، وفي سياق هذا التسلسل الهرمي الناشئ في المساجد المؤسسة حديثا، يُكلًف كل من الإمام والقائد الشبابي بتقديم تقارير منتظمة إلى مجلس الحي. وبينما تخضع كثير من القرارات الصادرة عن هذه المساجد للتدقيق والمداولة من قبل أعضاء المجلس، تحث واحدة من بواكير مطبوعات المسجد الرواد على التصويت في كل من الانتخابات الرئاسية وانتخابات أعضاء مجلس الحي.

وتعد هذه الممارسات جديدة بالنسبة للمساجد؛ إذ يخضع أغلبها – بصورة تقليدية – لإدارة أئمة تقليديين يصدرون قرارات تقليدية. “لكن السياق المتغير تطلب تعديل اللوائح والقوانين، وغيّر من واقع هذا التسلسل الهرمي في إدارات المساجد بما يخدم مصالح المجالس المحلية”، كما يقول أحد رواد المسجد. وبالنسبة لكثيرين من رواد المساجد، فقد غير تحول المسجد من مسجد يخضع لإدارة الإمام إلى مسجد يخضع لإدارة مجلس الحي هيكلة المسجد بصورة كاملة، بما في ذلك محتوى الخطب. فمع تقويض استقلالية الإمام، تبرز المجالس واللجان كمنصات لمناقشة وتقرير أفكار واهتمامات مختلفة، وهو ما يؤدي إلى صياغة ممارسات إسلامية جديدة.

المسجد وتوحيد الهوية

برغم أن العديد من الدراسات تختزل الخلافات حول بناء المساجد في مشاحنات بين الجماعات المتصارعة (المسلمة والمناهضة للإسلام)، إلا أن هذه الخلافات في واقع الأمر تتضمن طيفا واسعا من أصحاب المصالح. وبدلا من تأليب مجموعات ضد بعضها البعض، تساعد هذه النزاعات في الغالب على توثيق العلاقات والروابط داخل وبين الجاليات المسلمة.

في هذا السياق يؤكد عضو في أحد المراكز الإسلامية: “كان لدينا نوعا ما شعور غامض بالوحدة والتضامن قبل أن نحاول بناء مركز تعليمي”. لقد تطلبت إجراءات بناء هذا المركز عدة سنوات، إضافة إلى خوض غمار العديد من الصراعات من أجل الحصول على تصاريح استخدام خاص. وعلى سبيل المفارقة “كانت قرارات تقسيم المناطق وجلسات الاستماع العامة هي ما خلق فينا هذا التآزر؛ حيث قمنا بالتنسيق فيما بيننا للمشاركة في جلسات الاستماع، وجمع الأموال اللازمة لتمويل بناء المركز، كما استقطعنا من أوقات أعمالنا لنتمكن من الحضور في المحكمة، وقمنا باستئجار جليسات لأطفالنا، إلخ”. والأهم من ذلك، أن عبارات من قبيل “لم نكن نعرف الإجراءات ، أو “تلقينا مساعدة من مركز إسلامي لم تربطنا به علاقة من قبل”، تتردد كثيرا على ألسنة كثير من أعضاء المساجد لتعكس بجلاء ما يعانيه هذا المجتمع من قصور في فهم اللوائح المحلية، والتعاون الناشئ بين جماعات متنوعة تنطوي فيما بينها على اختلافات عقدية في مواقف وظروف أخرى. وتظهر المقابلات مع كثير من أبناء الجاليات المسلمة أن هذه الجاليات ليست هي من يبني المساجد، وإنما قرار بناء المساجد هو من يوحد هويات المسلمين، ويوثق عرى ما بينها، ومن ثم يخلق المجتمع بمعناه الحقيقي. وتتباين ردود أفعال الجيران واللجان (مثلا مجالس تقسيم المناطق والتطوير والمقاطعة) بشكل لافت.

وعندما يتم تحديد مواعيد جلسات الاستماع العامة، تستطيع مجموعة صغيرة محكمة التنظيم أن تغير إيقاع المناقشات، بينما قد تؤدي طرق تشكيل لجان تقسيم المناطق والتطوير والخبرات الفردية للأعضاء إلى نتائج مختلفة تماما. وبينما تحاول بعض المجتمعات التي تواجه قضايا خلافية بشأن تقسيم المناطق أن تقلل من هذه المناقشات، وتحولها إلى محادثات مصغرة بين مجموعات مختلفة، يجعلها آخرون أحد الأركان الرئيسة لمطالبتهم بالعمل الموحد والجهود المنظمة والمتناسقة لجمع التمويلات.

إضافة إلى ذلك، يتم في بعض الاحيان توجيه هذه الخلافات نحو الداخل، أو تحويلها إلى وسيلة لتعزيز فكرة الهويات المتمايزة، بما يؤكد عمق الأزمة الوجودية في سياق عدائي يتم فيه شيطنة الإسلام. وتلعب القيود الخاصة بتقسيم المناطق دورا في رسم استراتيجية أمريكية خاصة ،تُعامل من خلالها كل الهويات المسلمة على أنها متشابهة، بينما يستطيع المرء داخل مجتمعات المسجد أن يشهد ديناميكيات سلطة متغيرة، ومساحات متزايدة للتعبيرات الإبداعية التي تنظر إلى اللحظة الراهنة باعتبارها لحظة تغيير وبناء هوية جديدة. لا شك أن هذه التعبيرات تحظى بأهمية خاصة؛ إذ يؤطر لها باعتبارها نتيجة لتجسيد الهوية الإسلامية في دول متنوعة، ومن منظور وضع المسلمين بين أقليات أخرى. ويبين استيعاب هذه القضايا أن المساجد، بمجرد تأسيسها، تصبح عوالم خاصة لممارسات تفسيرية ناشئة حديثا وتنطوي على تداعيات مهمة.

وبينما تستخدم الهويات الجمعية للتعبير عن دعاوى تقسيم المناطق والاستخدام الخاص، تلقي هذه التعبيرات الضوء على عملية تمييز مستمرة للإسلام تتصدى لطيف متنوع من القضايا بدءا من التحول اللغوي إلى كون المرء مسلما في الوقت الذي يصارع فيه بعض التعاليم الإسلامية.

وتروق هذه القضايا المهمة المتجذرة في صلب العقيدة والتحديات التي تواجه المقاربات النمطية للإسلام بدرجة كبيرة للأعضاء الأصغر سنا في مجتمع إسلامي يجابهون فيه بالرفض من قبل التيار العريض من المجموعات المسلمة وغير المسلمة وأيضا الجيل الأكبر سنا، ويريدون أن يتواصلوا مع مجموعات أخرى تنتقد عمليات التهميش التاريخي التي جرت في الماضي. “إننا أقلية داخل أقلية”، يقول أحد أفراد الطائفة الاسماعيلية، ويضيف: “على سبيل المثال، لا يعتقد بعض المسلمين أنني مسلم، وفي الوقت نفسه يرفض عميل أن يعمل معي بعد أن اكتشف أنني مسلم؛ رغم ذلك أكافح ليتعامل معي الآخرون كمسلم في مدرستي من قبل المجموعات المسلمة. إنني مهمش في كل المجتمعات”.

الإسلاموفوبيا والتعايش

رغم أن المناقشات بشأن بناء المساجد غالبا ما يطويها النسيان بعد الحصول على التصاريح الخاصة ببنائها، أو حتى بعد رفض منح هذه التصاريح، إلا أن كثيرا من مجتمعات المساجد عادة ما تسعى إلى خلق هيكلة مالية قابلة للتطبيق وتجمعات موالية بمجرد أن يتم بناء المسجد. ونتيجة لذلك، تساعد طريقتهم في مقاربة القضايا الراهنة المحيطة بهم وفي أداء خطب الجمعة والمواعظ الدينية في تعديل وبناء مفاهيم إسلامية جديدة. لذا، فإنه ليس من المستغرب أن يكون الموضوع الأول الذي يتناوله “مسجد مكة” هو قضية الإسلاموفوبيا، وأن يقدم القائمون على هذا المسجد تلك القضية من خلال التركيز على السنوات الأولى في تاريخ الإسلام، وعزل هذه القضايا تماما عن سياقها الراهن.

ويبرزون من خلال تناولهم لهذه القضية الحرب الاجتماعية والنفسية التي تعرض لها المسلمون الأوائل، والتي تمثلت في اتهامهم بالكذب والجنون وكيف استعان هذا الرعيل على هذه الاتهامات بالصبر والصلاة. كما تصف هذه المناقشات ما قدمه النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) من أنشطة سياسية واجتماعية في كل من مكة والمدينة، للتأكيد على أهمية النقاش والتفاعل في المجتمع الإسلامي الأول. وبينما تتجذر هذه الدعوات في الروايات التاريخية الإسلامية الدارجة، إلا أنها تأخذ اليوم مصطلحات جديدة، مثل الإسلاموفوبيا والنشاط السياسي والاجتماعي وتؤصلها في الممارسة الإسلامية الأولى؛ ومن ثم تحول مجابهة الإسلاموفوبيا إلى ممارسة دينية أصولية. وتخلص إحدى الخطب التي ألقاها إمام مسجد مكة إلى أنه: “يجب أن يكون التعايش والاندماج هو نمط حياة المسلم في أي مكان. ويجب أن نتجنب التقليد الأعمى للآخرين، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين”. وتُطرح اليوم على موائد النقاش في أروقة المساجد العديد من القضايا التي كانت محل تجاهل تام، خاصة في الدول ذات الأغلبية المسلمة. على سبيل المثال، لا تركز محاضرة عن التنوع على تعدد الهويات في الولايات المتحدة الأمريكية، وإنما على تعدد الهويات داخل المجتمع المسلم والآثار المترتبة على تمييز جماعة على أخرى، أو قضية إسلامية – إثنية على نظيرتها (اللاجئين السوريين، إلخ). وبالمثل، تثير قضية تعاطي المجتمع مع النزعة الفردية المفرطة جوانب مختلفة، فالفطرة تتطلب من الأفراد حماية أنفسهم ليس فقط من هوليوود، وإنما أيضا من بوليوود، كما يقول أحد الأئمة؛ والدعوة هي الوسيلة الأكثر فائدة لأنها تعكس ما قاله القرآن عن الطبيعة البشرية ونزوعها إلى تمييز الشر وعمل الخير، وتختلف مقاربة الإسلام للطبيعة البشرية عن غيره من الأديان، وهو ما يثير مجموعة من الأسئلة الوجودية ذات العلاقة بالأصول الدينية الأخرى التي لا تطرح في كثير من الدول ذات الأغلبية المسلمة.

المسجد والهوية الإسلامية في المناطق الحضرية

يشكل بناء مسجد في الغرب تحديا جسيما للجاليات المسلمة “التي لم تعتد من قبل – مثل غيرها من الجاليات – جمع الأموال اللازمة لبناء دار للعبادة”، كما يقول عضو مجلس تنفيذي في أحد مساجد مدينة شيكاغو. إزاء ذلك، يتطلب عدم وجود تقليد راسخ للتمويل من السكان تطبيق تقليد جديد (ممارسة جديدة لبناء المسجد الخاص بالمجتمع المحلي)، لجمع المبالغ الضرورية أثناء البحث عن مكان لبناء مسجد. وفي ظل بناء عدد من المساجد الجديدة تثير أي عمليات لبناء مساجد أخرى موجة من الاعتراضات التي سرعان ما تُختزل في مجموعة من الأفكار الهشة عن الإسلام وأتباعه. على إثر ذلك، يفضل بعض الأعضاء مغادرة المكان مباشرة لينأى بنفسه عن أي قلاقل محتملة، والالتحاق بالمجتمعات الإسلامية الأكثر استقرارا ورسوخا. ويدفع التنازع حول المناطق الحضرية ، و التوجه المتزايد للحكومات المحلية لاستخدام تقسيم المناطق لإدارة عائدات الضرائب والنمو، والقيمة العقارية المتزايدة ،كثيرا من المجتمعات المسلمة الوليدة إلى البحث عن مباني أو قطع أراضي، خاصة في المناطق والضواحي النائية ،حيث تكون الإدارة الحضرية اقل حضورا وأكثر قابلية للاستيعاب. و رغم ذلك، تضم هذه المناطق في أغلب الأحوال سكانا يتفاعلون مع قضية بناء المساجد بصخب أكبر.

ويهدد إحجام الحكومات المحلية عن استيعاب الهويات الجديدة، خاصة عندما يُنظر إليها على أنها مزعزِعة للاستقرار على المستويين الرمزي والاقتصادي، والتوجه المتزايد لنقل المساجد إلى مناطق صناعية، بفرض شكل من أشكال العزلة المكانية على تلك المساجد وتقويض مكانتها ودورها الروحي. وتبدأ كثير من المجتمعات المحلية عمليات بناء المسجد دون أن تتوافر لها معلومات كافية عن تقسيم المناطق وغيرها من المتطلبات، وبقدرات مالية محدودة؛ وبهذه الطريقة تواجه هذه المجتمعات عمليات تحول جذرية ،ليس فقط على مستوى الهوية الدينية، وإنما أيضا على مستوى الكيفية التي تقارب بها الإدارة المحلية والوطنية. ومع تراجع حجم المجتمعات المحلية، أصبح من السهل تنظيم معارضة ضد مشروعات بناء المساجد.

وهكذا، غدا بناء المساجد في المجتمعات الصغيرة أكثر صعوبة حيث يستطيع صوت أو صوتين معارضن في بعض الأحيان منع البناء. وفي الوقت نفسه، لا تقدم المراكز الحضرية ذات الأعداد السكانية الكبيرة مساحة كافية لبناء دور عبادة جديدة، مما يضطر المسلمين إلى الانتقال إلى الضواحي، حيث يصبح الصراع على موقع المسجد محل خلاف شائك لا يغير فقط من الهويات الإسلامية، وإنما من هيكلة المدن والضواحي في الولايات المتحدة الأمريكية.

وتواجه الضواحي والمناطق المنعزلة تهديدا سافرا بأن تصبح أكثر تشظيا بسبب ردود الأفعال التي تعج بها ضد تخصيص أماكن جديدة لدور العبادة من جانب ، أو نقل دور العبادة الجديدة إلى مناطق تجارية أو صناعية، وهو ما يهدد بتعميق الهوة الاجتماعية بين عناصرها. وتشير الجماعات التي تناضل ماليا من أجل بناء المساجد إلى التكاليف الاجتماعية التي يمكن أن يتمخض عنها رفضهم جمع الأموال؛ حيث تصبح الإسلاموفوبيا علة القيام بالكثير من الإجراءات الجمعية التي تهدد بتأجيج الأوضاع.

ومع ذلك، يشهد المجتمع الأمريكي طرح أسئلة دينية جديدة بسبب التعديلات الطوعية والمفروضة استجابة لمتطلبات البيئات الحضرية. وفي الوقت نفسه، تعزز الإجابات الكثيرة الناشئة تعددية الآراء داخل المجتمع المسلم.

وخلف الجدل بشأن بناء المساجد أو النزاعات حول بناء المآذن، يكمن تقاطع التحول الحضري والقضايا الدينية التي تسمح للمجتمعات بتطوير مفاهيم إسلامية متجذرة محليا ،وتحظي باهتمام عالمي، مما يوحي بأن إسلاما مقبولا ورائجا يتميز بمساحات حضرية أمريكية في طور الإعداد.

يمكن الاطلاع على النص الأصلي للدراسة باللغة الإنجليزية من هنا👉

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: