فن

كيف قدمت السينما شخصية المتدين؟..معالجات سطحية في بيئة محافظة

يشغل الدين حيزا مهما في العقل والوجدان الجمعي للمصريين منذ زمن بعيد،. هذا الحيز الذى احتله الدين كان حتى الماضي القريب يؤثر تأثيرا إيجابيا على سلوك الإنسان المصري بشكل عام، وينعكس بصورة طيبة على شكل التعامل الإنساني بين المصريين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والأيديولوجية. وعلى سبيل المثال فإن مصر الثلاثينيات من القرن الماضي، كانت تعيش تعددا دينيا واضحا، رافقته حالة من التعايش بين أتباع هذه الديانات، وبينهم وبين حتى بعض الطوائف اللا دينية، دون أن يقلل ذلك من مواطنة تلك الفئات -حال كانوا مصريين -أو التعامل معهم بأي شكل من الريبة إن كانوا أجانب.

كل ذلك بالطبع لم يكن له أن ينفي أن المجتمع كان طبقيا بامتياز، غير أن ثقافة التسامح والتعايش كانت هي السائدة رغم محاولات الإستعمار الإنجليزى اللعب على مسألة الطائفية الدينية في بعض الأحيان.

انقلب الوضع رويدا رويدا مع الاهتمام بالتدين الظاهري، والذي وصل إلى قمته في حقبة السبعينيات والطريقة التي أدار بها السادات” الرئيس المؤمن” الدولة المصرية، ثم انتقال الأفكار الوهابية مع العائدين من الخليج، ومعهم أصبحت هناك أرضية للتطرف وبداية عهد الجماعات التكفيرية المسلحة.

في السينما وسواء كنت تراها مجرد وسيلة للترفيه، أو وسيلة لنشر الوعي، أو مرآة للمجتمع، أو حتى وسيلة للسيطرة، وربما مزيجا بين كل ذلك، لم تغب مشاهد الدين والتدين عن الشاشة، وتطورت هي الأخرى بناء على التطورات التي حدثت في المجتمع والسلطة في نفس الوقت.

“المتدين في السينما المصرية”، كان عنوان الندوة التي نظمها منتدى الدين والحريات بمركز المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ، وتحدث خلالها ناهد نصر، مخرجة وصحفية بالأهرام ويكلي، ومحمد حسين مدير المحتوى في شركة MAD Solutions لتوزيع وتسويق الأفلام، وأدار الحوار عمرو عزت، الباحث في “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”.

سينما ما قبل ثورة يوليو

قبل عام 1952 وقيام ثورة يوليو كان تأثير التنوع الاجتماعي والثقافي الذي عاشته مصر في الحقبة شبه الليبرالية، واضحا على أفلام تلك الفترة، ونقصد هنا الطابع الاجتماعي المتنوع لمدينتي القاهرة والإسكندرية بالأخص، حيث لم تسع أغلب الأفلام إلى تقديم رسالة أخلاقية مباشرة، فكثير من أفلام تلك الفترة كانت تحتوي على مشاهد الشرب أو الرقص، دون أن يكون ذلك دليلا على مدى فساد أو صلاح الشخصية، ذلك لأن تلك الصفات لم تكن مجرمة أخلاقيا في هذا الوقت، أو على الأدق بين الطبقة التي تشاهد السينما وتصنعها.

في تلك الفترة برز الفنان والمخرج حسين صدقي مغردا خارج السرب بأفلام تقدم محتوى أخلاقيا محافظا، نتج ربما عن شخصيته الحقيقة نفسها. ومن ابرز الأمثلة على ذلك دوره في فيلم “العزيمة” 1939 للمخرج كمال سليم والذي صنف ضمن أهم 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، ويعتبر البداية الحقيقية لتيار الواقعية الجديدة في السينما المصرية، التي انطلقت في أوروبا بعد ذلك بسنوات كثيرة.

هذا الفيلم، كما قال عنه محمد حسين خلال الندوة، “هو أول فيلم يستخدم الطقوس الدينية، وأول لقطة في الفيلم هي صلاة الفجر، واهتم كمال سليم المخرج، بذلك المشهد باعتباره المعبر عن واقع المصريين في ذلك الوقت”

الفيلم الأخر كان فيلم سلاّمة، من إخراج توجو مزراحي وبطولة أم كلثوم ويحيى شاهين، ويقول عنه حسن “الفيلم كان متأثرا بالصورة الكلاسيكية لرجل الدين في السنيما الأوربية”.

مشهد البداية من فيلم العزيمة

اغنية برضاك يا خالقي فيلم سلامة – أم كلثوم-

الأفلام في الخمسينيات

بعد ثورة يوليو، تغيرت النظرة للسينما ككل، فأصبحت السينما جزءا أساسيا من معركة الوعي الجديد لدى السلطة الجديدة، وسواء قبل التأميم أو بعد ذلك كانت السلطة جزءا مباشرا في صناعة السينما وتوجيهها واستخدامها، ويمكن تقسيم أفلام تلك الفترة بين بداية الخمسينات وحتى أواخر السبعينيات إلى شقين: الاولى يضم الأفلام التي تحتوي على شخصية متدينة مثل فيلم “جعلوني مجرما” عام ١٩٥٥ بطولة فريد شوقي، ويحيى شاهين الذي قام بدور المتدين أو إمام المسجد الذي يسعى لإنقاذ المجرم فريد شوقي من الموت. وأبلغ مثال على شكل المتدين في ذلك الفيلم كما يرى محمد حسين، هو مشهد الجامع في نهاية الفيلم، حيث يقنع رجل الدين المجرم بتسليم نفسه، كدليل على قدرة الدين على تهدئة النوازع الاجرامية”. ومن الأفلام الأخرى في تلك الحقبة والذي انتج قبل الثورة بعام واحد، كان فيلم “ابن النيل” ليوسف شاهين، ومن بطولة شكري سرحان ويحيى شاهين،” وفي هذا الفيلم قام يحيى شاهين أيضا بدور الشخص المتدين المحافظ الذي يدافع عن حياة القرية ويحاول إقناع اخيه المتمرد ( شكري سرحان) وانقاذه من غواية المدينة.

وتجدر الإشارة إلى أن يحيى شاهين أكثر الممثلين الذين قاموا بأدوار الشخصية المتدينة أو رجل الدين في السينما المصرية.

مشهد من فيلم إبن النيل

الأفلام الدينية

وإلى جانب الأفلام التي قدمت شخصيات متدينة، كانت هناك الأفلام التي تصنف على أنها دينية، يهدف إلى تقديم محتوى ديني خاص ومركز من خلال السينما، سواء كان ذلك بتشجيع من الدولة، أو خدمة لأهدافها ورؤيتها. وقد بدأ هذا النوع من الأفلام عام 1951، وكما ذكر الناقد والكاتب محمود قاسم في كتابه “الأديان في السينما المصرية،” يمكن حصر تاريخ الأفلام الدينية في اثنى عشر فيلما: أولها كان فيلم “ظهور الإسلام” لإبراهيم عز الدين عام 1951، وانتصار الإسلام لأحمد الطوخي عام1952، وبلال مؤذن الرسول، عام1952، والسيد البدوي في عام1953، وبيت الله الحرام عام 1957، وخالد ابن الوليد لحسين صدقي، عام1958، والله أكبر، عام1959، وشهيدة الحب الإلهي عام1962، ورابعة العدوية لنيازي مصطفى عام 1963، وهجرة الرسول، عام 1964، وفجر الإسلام، عام1971، والشيماء، عام 1972″.

مشهد من فيلم الشيماء

أغلب تلك الأفلام قدم شكلا كاريكاتوريا للحياة والمجتمع الجاهلي قبل ظهور الإسلام، أو لشخصيات تلك الفترة قبل دخولها في الإيمان، وذلك مقارنة بأفلام انتجت لاحقا عن تلك الحقبة وكانت أكثر جدية واتقانا في تجسيد هذه المرحلة من تاريخ العرب و المسلمين مثل فيلم” الرسالة” للمخرج السوري الراحل مصطفى العقاد، وهو فيلم ظل ممنوعا من العرض لفترة طويلة في مصر، بسبب تجسيده لبعض كبار الصحابة والتي كان هناك خلاف على حرمانية تجسيدها على الشاشة.

مشهد من فيلم الرسالة – انتوني كوين-

من الستينيات وحتى الأن

تبدل حال السينما المصرية بعض الشيء بعد نكسة يونيو1967، وشهدت بعض الانفتاح، ومن أبرز أفلام تلك الفترة التي ظهرت فيها شخصية المتدين أو رجل الدين، كان فيلم” الزوجة الثانية” (اكتوبر 1967)، الذي قدم صورة لرجل الدين المدلس (حسن الباردوي) الذي يخدم السلطة متمثلة في العمدة (صلاح منصور). وعلى النقيض كانت صورة الرجل المتدين في فيلم “شيء من الخوف” عام 1969 للمخرج حسين كمال حيث يقود رجل الدين(يحيي شاهين) المقاومة ضد عتريس (محمود مرسي) رجل القرية المستبد.

فيلم شيء من الخوف

في حقبة الثمانينات، ومع بداية اختمار فكرة التدين الظاهري التي بدأت في الانتشار مع بداية السبعينيات ،وبلوغ ذروة التطرف باغتيال السادات وظهور الجماعات المتشددة، بدأت شاشة السينما تعطي مساحة أكبر للمتدين العنيف، في محاولة للتوعية من خطورة هذا الشكل من التدين، وكانت البداية، كما يقول محمد حسين “مع فيلم” الملائكة” عام 1984 من بطولة كمال الشناوي وكان انتاجا مصريا كويتيا مشتركا.

من الأفلام التي قدمت الرجل المتدين في تلك الفترة، كان فيلم “كراكون في الشارع” لعادل إمام عام ٨٦، من خلال شخصية “الحاج ناجي” المقاول الذي يقوم بالنصب على المواطنين، وهو النموذج الذي انتشر في تلك الفترة تحت عنوان شركات توظيف الاموال، والذي كان في بعض الأحيان بمباركة الدولة نفسها.

بركة الحج نادي  – فيلم كراكون في الشارع-

وكما شهدت فترة التسعينيات انتشارا لافتا لأفكار الجماعات الإسلامية والعمليات الإرهابية الموجهة ضد المسيحيين والسياحة ومحلات المجوهرات والخمور ومحلات بيع شرائط الفيديو، شهدت السينما بالتزامن مع ذلك أيضا صعودا لشخصية المتدين المتطرف، مثل فيلم “الإرهابي” لعادل إمام و من اخراج نادر جلال وتأليف لينين الرملي، ورغم أن الفيلم رسم صورة كاريكاتورية مضحكة وسطحية للجماعة واعضائها وقادتها وعلى رأسهم أحمد راتب، إلا أن فكرة تطور الشخصية الرئيسية للفيلم (عادل إمام) من تبني فكر متشدد إلى التخلي عنه وفي النهاية الموت على يد نفس الجماعة، كانت هي الرسالة المباشرة للفيلم، بأن هذا طريق يبدو بلا رجعة.

صورة أخرى قدمها عادل إمام نجم الشباك في ذلك الوقت والوسيلة الأسهل للوصول لكل بيت مصري، من خلال فيلم “الإرهاب والكباب”، الفيلم رغم أنه أكثر سخرية من الإرهابي ويسبقه في الزمن، إلا انه قدم تصورا أكثر عمقا لما يمكن أن نطلق عليه الغضب الشعبي سواء من الغلاء أو من البيروقراطية والروتين ومن الأحوال الاجتماعية في ذلك الوقت وانتهاء بتلاحم المواطنين والموظفين داخل مجمع التحرير مع طلبات البطل الذي كان منبوذا في أول الفيلم.

الفيلم قدم صورة للموظف المتدين الذي يستخدم التدين الظاهري في خدمة البيروقراطية والروتين، وبشكل مباشر وفج

قدم أمامها فكرة أن مساعدة المواطنين في أداء مهامهم هي من صلب الدين.

مشهد من فيلم الإرهاب والكباب

مع بداية القرن الحادي العشرين تغيرت قليلا نظرة السينما للمتدين، لتقدمه في صورة أكثر واقعية، حيث أصبحت صورة الشخص المتدين المتزمت غير العنيف حاضرة في بعض الأفلام، بالإضافة إلى الإهتمام بالبعد الطبقي للشخصيات لتتناسب مع الواقع. فالمتدين لم يعد من طبقة فقيرة، لكنه أصبح من قلب الطبقة المتوسطة مثل فيلم “أنا مش معاهم بطولة” أحمد عيد وبشرى، وفيلم “الشيخ جاكسون” والذي قال عنه محمد حسين إنه ” قدم رؤية شبه واقعية لرحلة شاب مع السلفية ،فالفيلم يحتوي على مشاهد طقوسية لحياة الشخص السلفي، ليس هناك فرصة لمعالجة شخصية متدينة بصدق دون ظهوره وهو يقوم بطقوسه الدينية الشخصية خلال حياته العادية”..() “ومفهوم السلفي حديث نسبيا، وبالتالي ظهوره في الأفلام كان حديثا نسبيا، ويطرح عمرو سلامة في الفيلم معضلة الجيل المولود في السبعينات وهي العلاقة مع الأهل أو الأب تحديدا”

فيلم الشيخ جاكسون – تريلر-

نظرة المتلقي المحافظة وحرية الإبداع

كعادة أفراد الطبقة المتوسطة المحافظة، التي تتوقع دائما أن وجهة نظرها هي وجهة النظر السليمة والصحيحة ،ولا مجال للاختلاف حول صدقها أو صدق رؤيتها للأحداث، وقدرتها على نشر تلك الرؤية وتسيدها، فغالبا ما تنظر هذه الطبقة إلى الأفلام التي تقدم شخصيات متدينة، نظرة الشك والرفض ،حتى وإن كان صناع الفيلم هم من أبناء تلك الطبقة ذاتها، ولن يختلف رد الفعل هنا بين المسلم أو المسيحي.

هذه النظرة المتشددة ربما يتغافل أصحابها عن حقيقة أن حرية التعبير وليس سلطة المنع أو الرقابة، هي الوسيلة الوحيدة لظهور أفلام دينية أو تقدم الدين او الشخصية المتدينة بشكل إيجابي، دون أن يشكل ذلك عائقا على الأفلام التي تقدم صورة مغايرة أو حتى تنتقد الدين. فالسينما العالمية قدمت أفلاما دينية وأخرى معادية وساخرة من الأديان، ففيلم مثل “آلام السيد المسيح” من إخراج وتأليف ميل جيبسون هو تجسيد سينمائي للرؤية الإنجيلية للأيام الأخيرة للسيد المسيح وقدم بشكل تجاري يحمل كل سمات السينما الهوليودية وحاز على نجاح جماهيري كبير. وعلى الجانب الأخر كانت هناك أفلام تسخر من فكرة الدين نفسه مثل فيلم “year one”، بطولة جاك بلاك ومايكل سييرا وإخراج هارولد لاميس، وهو يحكي عن شخصين من العصر الحجري تقودهما الظروف لمقابلة قابيل وهابيل ومشاهدة حادثة القتل وتقديمها بشكل ساخر، وهناك أيضا الفيلم الفرنسي The Brand New Testament، الذي يقدم فانتازيا حول الإله الذي يدير شئون الأرض من وراء الكمبيوتر، لنا أن نتخيل أن الفيلمين الأخيرين تم تقديمها في مجتمعنا.

التريلر الخاص بفيلم ” The Brand New Testament “

على مدار تاريخها حفلت السينما المصرية بتقديم العديد من الأفلام الدينية أو التي تصور شخصيات متدينة، لكنها لم تكن بنفس الجودة من حيث المضمون والمعالجة الدرامية أو الإبهار من حيث الشكل والاخراج. وبينما قدم بعض هذه الأفلام معالجة أكثر عمقا وموضوعية لشخصية المتدين، اتسم البعض الآخر بالسطحية الشديدة في التعامل مع هذه الشخصية. لكن يبقى في النهاية أنه دون حرية الإبداع فلن تستطيع السينما أن تقدم أشكالا أكثر تنوعا للأفلام وشخصياتها بشكل يرضي الجماهير بمختلف فئاتها وبما فيها المحافظة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق