رؤى

الإسلام وحرية الاعتقاد.. حين يكذب بعضهم على الله

هل ضمن الإسلام حرية الاعتقاد؟ سؤال ربما يرى الكثيرون أن إجابته بديهية، وأنه لا معنى لطرحه . لكن بعض رموز وعلماء السلفية لهم رأي آخر في هذا الشأن. فالشيخ “صالح الفوزان” عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، حينما وُجه هذا السؤال اليه قال بكل وضوح فى فيديو منشور له على موقع يوتيوب: “هذا كذب على الله عز وجل. وتابع: الإسلام لم يأتى بحرية الإعتقاد، الإسلام جاء بمنع الشرك والكفر وقتال المشركين.. ولو كان جاء بحرية الاعتقاد لما احتاج الناس للرسل وإنزال الكتب وما احتاج الناس إلى جهاد وقتال فى سبيل الله وقال كل على هواه، كل حر. لا، الله جل وعلا يقول”وما خلقت الجن والانس إلا لعبدون” ما قال كل ليتبع هواه قال “إلا ليعبدون”. قال تعالى “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله “.

الشيخ الفوزان الإسـلام جـاء بـقـمـع الـشـرك لا حـريـة الإعـتـقـاد

ووفقا لرأي الفوزان، والذي يشاركه فيه العديد من علماء المملكة كالشيخ عبد العزيز بن باز مفتى المملكة الأسبق ورئيس هيئة كبار العلماء، فإن “من يأبى أن يعبد الله يُقاتَل ولا يُترك حتى يرجع إلى الدين أو يُقتل.. الإسلام ما جاء بحرية الأديان الكافرة والملحدة، هذا كذب على الله سبحانه وتعالى والإ لما يبعث الله الرسل والكتب ويضع الحدود والعقوبات إلا لحماية الناس من العقائد الفاسدة.

الشيخ عبد العزيز بن باز مفتى المملكة الأسبق

وفي رأي الشيخ الفوزان فإن قوله تعالى “لا إكراه في الدين” ليس معناه حرية الرأي، “بل أننا لا نملك أن نجبر أحد أن يدخل الدين في قلبه، فهذا بيد الله وحده، ولكن نحن نجاهد الكفار والمشركين، ونأمر بالمعروف، ونبين الدين للناس، ونعاقب من ترك هذا الدين”.

انتهى كلام الشيخ والسؤال هنا ماذا يفعل المسلمون بناء على هذا الرأى وكيف يتصرفون مع غيرهم ممن ليسوا على دين الإسلام؟ الإجابة واضحة لاتحتاج لإستنتاج، على المسلمين أن يقاتلوا كل من لا يؤمن بالإسلام، عليهم أن يدخلوا فى صدام مع العالم كله أو يستعدوا لقتال العالم كله، فهل هذا شيء يُعقل؟

في واقع الأمر  وبناء على هذه الفتاوى وهذه الاختيارات الفقهية المشابهة لها، فإن الارهابيين يقاتلون بالوكالة عن تلك الفكرة التي لا تريد للمجتمعات الانسانية والبشرية أن تعيش آمنة مطمئنة. الارهاب ليس سلاحا، إنما قبل السلاح وبعده ومعه هناك الفكرة التي يرتكز عليها. ولعل هذا يرد بمنتهى الوضوح على من يرى أن التيار السلفي تيار مسالم، فحقيقة الأمر أن هذا التيار هو المؤسس والمنظر لكل العقول التي تحمل السلاح.

أما الضرر الأعظم والاكبر فهو تشويه مثل هذه الافكار للدين الإسلامي ذاته، فحينما يقول الشيخ الفوزان إن حرية الاعتقاد كذب على الله، فكأنه يصرح بأن الله أرسل رسوله وأنزل كتبه لا ليهدى وإنما ليقمع ويقهر ويجبر كل البشر على الايمان به، معاذ الله جل جلاله عن هذا وهو القائل “﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) سورة الزمر “.

أرسل الله الرسل لهداية الناس، فإن آمنوا فبها ونعمة، والله يرضى ذلك ويحبه لعباده، وإن لم يؤمنوا فهذا اختيارهم الذي يتحملون نتائجه، وهو الغني عنهم أجمعين، ولا يرضى ذلك  لعباده، لذا قال جل جلاله: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(256). البقرة. “وقال {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]. ثم أكد هذه الحقيقة لنبيه صلى الله عليه وسلم، وبَيَّنَ له أن عليه تبليغ الدعوة فقط، وأنه لا سلطان له على الناس ولا يملك أن يجبرهم على الإسلام وليس مطلوباً منه ذلك فقال: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99]، وقال: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ} [الغاشية: 22]، وقال: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ}[الشورى: 48).

طريق النبي صلى الله عليه وسلم ومن يريد الإقتداء به مسطور فى كتاب الله تعالى بقوله”ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْـحِكْمَةِ وَالْـمَوْعِظَةِ الْـحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} النحل: 125 ]. ولا يوجد طريق آخر غير هذا ، طريق الحوار والإقناع “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، فإذا لم يصل الحوار إلى نتيجة، فلكل دينه الذى يقتنع به قالها الله جل جلاله بكل وضوح وأمر نبيه أن يقولها:”لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون:6)

فلا قتال إذن على الدين، لأن ذلك يناقض الطبيعة الاختيارية للدين ومضمونه الأخلاقى، لذا أحسن جمهور الفقهاء حينما جعلوا علة القتال ومشروعيته ليست هى الكفر، وإنما المغالبة والمحاربة من قبل أهل الكفر وذلك لدفع عدوانهم،  وهذا مذهب الحنفية والمالكية والحنابلة، والشافعي في أحد قوليه، فليس هناك قتال على الكفر من أجل كونه كفر إنما هناك قتال لدفع العدوان وهذه العلة أى ضرورة دفع العدوان تطبق على المسلم المعتدى والكافر فى آن واحد، لذا يقول محمد بن الحسن الشيبانى تلميذ أبى حنفية وجامع المذهب ومؤسس القانون الدولى الحديث كما قرر بعض المستشرقين: “إن الكفر وإن كان من أعظم الجنايات، فهو بين العبد وربه جل وعلا، وجزاء مثل هذه الجناية يؤخر إلى دار الجزاء “. انتهى بيان الرجل الواضح الشافى الكافى فمن الذى يكذب على لله إذن ويشوه دينه إذن؟!

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق