ثقافة

صوت الجنوب المسموع (2-2): الإبداع.. بعيدا عن «غواية المركز»

ويستمر الحوار مع مبدعي الجنوب حيث يواصلون شهاداتهم حول ظرفية المكان في إبداعهم، ويروون كيف تغلبوا على “نداهة” القاهرة واّمنوا بأن ارتباطهم ببيئتهم الجنوبية وإخلاصهم لها هو نقطة ضوء حقيقية في مشوارهم الإبداعي، وأن اختيارهم القابض على جمر مقاومة اغراءات “مركز الدائرة الإبداعية” يظل اختيارا حقيقيا يتجاوز زيف التزيد والمتاجرة.

يوسف فاخوري” المراهن على الكتابة

 “يوسف فاخوري، مبدع أسواني متفرد له عدد من الكتابات ذات الطابع الخاص، حيث كتب «التاريخ الإنساني للسد العالي»، وقدم لنا «حكايات الغريب» (عنوانها الأصلي حكاية الغريب الغرابي)، و«فرد حمام»، و«كانت تعترف لي»، و«تانجو»، وروايته «فتنة اللحظات الأخيرة».

Image result for ‫يوسف فاخوري‬‎

يوسف فاخوري

يقول “فاخوري”: علينا أن نتوقف كثيرا عند ماهية دور الكاتب، ففي رأيي أن دوره يتوقف عند الكتابة، وهذا معمول به في كل دول  العالم، ثمة مؤسسات وهيئات ومنظمات تلعب كل الأدوار الأخرى التي تلي عملية  الكتابة مثل النشر والتسويق والدعاية والترجمة.. وهذا غير موجود بالمرة في مصر وعالمنا العربي، وعلى الكاتب أن يقدم نفسه إلى هذه المنظومة، والحقيقة المؤسفة أن هذا الدور لا يليق بالكاتب فقط، بل يليق بالانتهازيين الباحثين عن الأضواء الزائفة.

ويرى “فاخوري”أن فعل الكتابة يعنى بالضرورة مواجهة القبح في عالمنا، لذا “كتّاب الجنوب والدلتا” هؤلاء الذين يكتبون بعيدا عن صخب المدينة “القاهرة” وزحامها، لا يحتفي بهم الإعلام ولا المؤسسات سواء حكومية أو مستقلة، خاصة أن واقع المشهد الثقافي مؤسف. وبالضرورة هم بعيدون عن الانتهازية والبحث عن ضوء زائف لا يستمر كثيرا، ذلك أن رهانهم  الأساسي على الكتابة.

خصوصية ثقافية جنوبية

الناقد والأكاديمي وأبن الجنوب الدكتور “محمد محمود حسين هندي”، يقول إن المطّلع على واقع الثقافة المصرية، يدرك جيدًا أن الجنوب كان – ولايزال – رافدًا مهما في تشكيل هذه الثقافة في جميع مجالاتها، والمقام لا يتسع هنا لذكر أمثلة من العلماء والمفكرين الذين أسهموا برصيد وافر في أن تتبوأ الثقافة المصرية منزلة رفيعة بين ثقافات العالم، حتى أصبح واحدًا مثل رفاعة رافع الطهطاوي، قبلة للباحثين في ثقافتنا العربية.

ويضيف: “من هذا المنطلق، كانت رؤيتي النقدية التي أسعى جاهدًا إلى أن تكون مكملة لهذا الإبداع الجنوبي، خاصة سوهاج هذا الإقليم الذي أنتمي إليه، غير رافض للتوجهات الأخرى خارج هذا الإقليم، فالمعرفة لا يمكن لها أن تحقق فاعليتها وحضورها إلا بتفاعلها مع غيرها من الرؤى داخل الوطن وخارجه.

محمد محمود حسين هندي

ويقول “هندي” ما أقصده تحديدًا هو أنني أبحث جاهدا في إبراز خصوصية هذا الإقليم، الذي ربما يُنظر إليه نظرة هامشية، وفي هذا يمكن القول، إن رؤيتي هذه تهدف- من خلال إبراز هذه الخصوصية الثقافية- إلى سد الفجوات التي ربما تكون موجودة  في واقع الثقافة المصرية المعاصرة، من هنا كانت سعادتي غامرة بحصولي على جائزتي مؤسسة “كتارا” الثقافية القطرية، في دورتها  الرابعة، “الطيب صالح ”  في فئة النقد ٢٠١٩.. هذا الفوز أشعرني بأنني قادر على تقديم شيء ما قد يغير ثقافتنا المصرية العربية في المستقبل القريب، شيء ربما يسهم في تغيير وجهة النظر تجاه الجنوب عامة”.

أحمد أبو خنيجر.. ابن الطبيعة المختلفة

أحمد أبو خنيجر، أحد أوتاد  الجنوب “أسوان”، المتفردين بالحكي، تظل كتاباته التي جاءت من هناك، تحمل بصمتها ككتابة  ناضحة بالمحبة، معجونة بالأسطورة، وهي السمة الرئيسة في أغلب إنتاجه الأدبي. البدايات جاءت كنبوءة لمولد قاص وروائي متفرد، يحمل هم الكتابة عن الجنوب المنسي، كتب روايته الأولى “نجع السلعوة”، ومن ثم “حور الجمال”، “العمة أخت الرجال”، وغيرها من الكتابات التي وضعت اسمه كواحد من أبرز كتاب الجنوب.

Image result for ‫أحمد أبو خنيجر‬‎

أحمد أبو خنيجر

يقول “أبو خنيجر” : “كل دروب الكتابة مفتوحة، الأهم ماذا نكتب، بالطبع شرط المكان ضرورة حتمية لفعل الكتابة، ومدينة القاهرة بزحامها لم تكن لي رغبة  في العيش بها، ولا أتحمل زحامها، أنا ابن طبيعة وبيئة مختلفة تسكن روحي ومتصالح معها، والحقيقة هذه الطبيعة لم تمنعني من أن أكون أكثر انفتاحا على العوالم الأخرى، عبر القراءات المتعددة، وعبر الكتابة بشكل جاد”.

ويضيف أبو خنيجر: “صحيح أن الأمر في البدايات ينظر إليه عبر محيط الجنوب بنوع من السلبية، خاصة في ظل صورة سلبية تم تصديرها وترسيخها عبر وسائل الإعلام، والسينما والتليفزيون بتلبيس المثقف الكاتب دور المجنون والمفلس.. إلخ

ويلفت أبو خنيجر إلى أن مركزية القاهرة والأقاليم قد تكون تلاشت وانتهت في ظل وجود وسائل التواصل الاجتماعي،”أضف إلى ذلك وجود فعلي وحقيقي للكاتب عبر كتابات جادة ومشروع حقيقي يجعل لصوت الإبداع صدى بعيد المدى، ويصل إلى كل الدنيا”.

رغدة مصطفى.. شاعرة من الجنوب

“من الجنوب تبدأ الحضارة”.. جملة أكد عليها الكاتب الراحل الكبير أحمد بهاء الدين، ومن الطبيعي في أرض لها تاريخ، تنضج  فيها  أشجار الحكايات وتثمر، أن يأتي الشعر بالطبع كابن بكر للحكاية، لذا ظل الرجل الجنوبي «الشاعر، الروائي، القاص، والزجال»، متصدرًا للمشهد الثقافي، لكن فى الآونة الأخيرة، شهد الجنوب بروز أصوات نسائية تكسر كل المحرمات التي ظلت أساسية وراسخة في الصورة النمطية لمجتمع الصعيد المحافظ. من بين هؤلاء الشاعرة والقاصة الشابة “رغدة مصطفى” وهي مواليد مدينة دشنا محافظة قنا، والتي جاءت من مدينة القصة إلى وطن الشعر لتصبح إحدى أبرز شاعرات جيلها.

رغدة مصطفى

تقول «رغدة» إن الجنوب تغلب عليه طبيعة القبيلة، فيتصدر الشاعر مشهده الشعري، وغالبا ما نجد صعوبة أو ندرة في ظهور أسماء لشاعرات جنوبيات، تزاحمن بجدية  هذا المشهد الإبداعي المقيد بأصفاد القبيلة، هذا يأخذنا لتساؤل لماذا الشعر؟

تجيب رغدة مصطفى على ذلك قائلة “ثقافة الجنوب متنوعة، ولا يمكن للقبيلة السيطرة عليه، والصورة التي تهيمن على أذهان البعض عن مجتمع الجنوب ليست هي الصورة الكاملة عن الجنوب..الأعراف القبلية المتشددة موجودة لكنها  لا تتحكم في أغلب مناطقه، ووجود القبلية ربما يقلل من ظهور شاعرات بكثرة، الآن أصبح طبيعيا ومتاحا وصول الفتيات لمرحلة التعليم الجامعي، والعمل بعد التخرج في مجالات مختلفة، لكن الدخول في مسارات مغايرة بالاعتماد على موهبة، أو مهارات فردية أو الذكاء الشخصي، أمر يُقابَل عادة بالسخرية أو التشكيك وأحيانا أخرى بالرفض، وهو نفس الأمر الذى يواجهه الرجل في الصعيد.. مناط الأمر في رأيي هو إيمان الفرد بذاته، في شجاعة دخول التجربة مرة بعد أخرى، ليصنع مساره بنفسه، لا أن يسير على خطى من سبقوه”.

نجحت رغدة في نشر كتاباتها القصصية وأشعارها عبر العديد من الدوريات الثقافية، وجاءت أدوات التواصل الاجتماعي لتسرّب عبرها أشواقها للشعر، ومن ثم نشرت العديد من نصوصها الشعرية، وجاء أول ديوان “سربني لحواسك”، ليحصد المركز الثاني في جائزة مجلة “أخبار الأدب”، وينشر عبر كتاب أخبار الأدب.

Image result for ‫الشاعرة رغدة مصطفى‬‎

خواطر جنوبية

ونختم هنا بشهادة الكاتب الروائي والقاص محمد صالح البحر التي يقول فيها: “يسموننا الهامش، ويسمون أنفسهم المتن، متناسين أن التجربة هي الطريق الوحيد الذي يقود إلى الإبداع، ومتغافلين عن كون التصنيف أول رايات العنصرية التي  تخاصم الحق والعدل والجمال، وتتنافى  والطبيعة الإبداعية التي تنتصر دوما للتفاصيل الصغيرة، وتغزل من خيوطها الواهنة وغير المرئية، مدنا، وعوالم، وأجنحة ملائكية، للذين يرغبون في معانقة السماء”.

Image result for ‫القاص محمد صالح البحر‬‎

القاص محمد صالح البحر

 ويضيف محمد البحر: “إذا كان الإنسان يستطيع أن يحقق النجاح في أي وقت وأي مكان، فما بالك بالمبدع، الذي يمتلك الثقافة والوعي اللازمين لتحقيق ذلك، بالطبع هو الأقدر، علينا فقط أن نحدد المفاهيم، كي نصل إلى الغايات، فالنجاح بالنسبة للمبدع فني بحت، لذلك يقدر على تحقيقه متى امتلك الأدوات اللازمة، أما النجاح المادي والإعلامي، فأظنه ابنا شرعيا للعاصمة، حيث تتركز الميديا ووسائلها واحتياجاتها، وكذا مجموعات المصالح، وهو ما يتطلب الوجود في قلبها، أو قريبا منها على أقل تقدير، فالميديا تتعامل في أدائها اليومي وفقا للمثل الشعبي “القريب من العين قريب من القلب” وكل ما تتطلبه، في كافة المجالات وليس الإبداع فقط، أن تملأ ساعات فراغها، وأن تحشو مساحتها بالصور والكلام، بغض النظر عن المحتوى، وليس لديها الجهد أو الوقت للتنقيب عن الأجود”.

ويعتبر البحر أنه لا المكان ولا الزمان يقدران علي دفن أحد، أو منعه من التحقق، “قد يضعان المعوقات في طريقه، لكن القتل والمنع فذلك هو المستحيل، وإلا فإننا نقف إزاء شخصية وأدب ضعيفين، إن عدم تحقق أي موهبة في أي إقليم خارج العاصمة يكون بيدها هي، إما لعدم إخلاصها لمشروعها وعجزها عن تطوير ذاتها، وإما لعدم قدرتها علي بذل المجهود اللازم لظهور هذا المشروع وبروزه بالقدر الذي يستحق.

القاص محمد صالح البحر

 فالإبداع، عند محمد البحر، مشروع حياة وليس رحلة ترفيهية، أو وسيلة لامتلاك المال والشهرة، “وينطبق هذا أيضا علي الكثيرين من الأدباء داخل العاصمة نفسها، سواء القاهريين أو الذين هاجروا إليها. القاهرة الآن تعج بالمبدعين من كل مكان، وكثير من الذي يسري علي المبدعين خارج العاصمة يسري علي مَنْ بداخلها، فالعبرة ليست بالمكان بل بالعلاقات والمصالح. القاعدة الأساسية للحياة الثقافية المصرية تحكمها منذ ثلاثة عقود المصلحة والتبعية، وكل مَنْ هو خارج هذه القاعدة ليس له إلا نصه وجهده – وربما حظه في الأحوال النادرة”.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق