الحدث

عن النقطة السحرية التي تشفي الأمم

استيقظ الوطن صباح الأربعاء، السابع والعشرين من فبراير على كارثة جديدة من كوارث القطارات، راح ضحيتها اثنان وعشرون مصريًا (والعدد مرشح للزيادة) إضافة إلى أكثر من خمسين مصابًا، أما عن الخسائر المادية فلم يصدر بشأنها بيان رسمي بعد وإن كانت لن تقل عن مليونى جنيه مصرى على أقل تقدير.

ليس من حقنا التطرق لتفاصيل تحققها النيابة العامة، كما أن التذكير بالمآسي سيعد من فضول الكلام. لكن ما يهمنا (بل واجبنا) الآن وبسرعة هو البحث عن النقطة السحرية التي ما أن تعثر عليها أمة من الأمم حتى تعرف الطريق للشفاء من أمراضها.

نعم هناك نقطة سحرية مكونة من خمس كلمات لا تزيد كلمة، وهي: “كفى، نقطة ومن أول السطر“. كل أمة أرادت الخروج من مأزقها والشفاء من أمراضها المزمنة المتوطنة قالت بجماع قلبها تلك الكلمات الخمس.

قالها الرسول الكريم

نعود إلى تاريخنا الإسلامي الذي تسكنه ينابيع حكمة وتجرى في أرضه أنهار رحمة وعقل. منذ أن صرخ بها أبو القاسم محمد بن عبد الله: أنا رسول الله إليكم، وأهله الأقربون يناصبونه العداء، ذلك العداء الذي تحول إلى معارك طاحنة تواصلت على مدار إحدى وعشرين سنة، هلك خلالها الزرع والضرع كما يقولون.

على مدار تلك الرحلة الدامية، كان رسولنا الكريم يبحث عن تلك النقطة، وكلما اقترب منها عمل الآخرون على المباعدة بينه وبينها. ولكن كان لابد من الإمساك بتلك النقطة وإن طال السفر وكثرت المعارك.

أخيرًا وفي رمضان من العام الهجري الثامن تمّكن الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه أكابر أصحابه من الإمساك بالنقطة، لقد دخلوا مكة التي كانت حصن العدو الحصين.

جيش الإسلام كان عدده يصل إلى عشرة آلاف مقاتل أحاطوا بمكة وتفرقوا في دروبها، مكة كلها الآن بين يدي النبي، لو شاء قتل بل ذبح كل الأعداء لفعل، وما كان لأحد أن يتصدى له، لكنه كان يبحث عن نقطة الشفاء لا عن نهر الدم.

الآن دانت له الرقاب، رقاب الملأ، رقاب السادة فنظر لهم نظرة واحدة وقال: “ما ترون أني فاعل بكم ؟”.

قالوا صادقين: أخ كريم وابن أخ كريم. فقال حامدًا لله ومتواضعًا له: فإني أقول كما قال أخي يوسف: “لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين”. اذهبوا فأنتم الطلقاء“.

لولا العثور على النقطة، والبدء من أول السطر لهلك العرب مسلمهم وكافرهم، وبعد العثور عليها ساد العرب العالم ونشروا دينهم ورسالتهم وأخلاقهم وثقافتهم. وتلك النقطة هى التي أنقذت العرب وأوربا من مفرمة الحروب الصليبية، لقد شنت أوربا الحرب على العرب والمسلمين وفي نفسها رغبة مجنونة في استئصالهم، ومحو وجودهم من على ظهر الأرض. وقد تواصلت الحرب لقرون، ثم جاء العقل لحكماء أوربا فقالوا: كفى، نقطة ومن أول السطر.

ولكي تصل أمة من الأمم إلى قناعة تامة بضرورة وحتمية العثور على النقطة فلابد وأن تجلس إلى نفسها وتحاسب ضميرها، وتدفع ثمن الحساب كاملًا غير منقوص، وذلك لأن الأمر كله جد لا هزل فيه، والقفز فوق تفصيلة صغيره سيؤدي إلى هروب النقطة السحرية.

تجربة شيكاغو

في التاريخ القريب، احترقت ولاية شيكاغو الأمريكية كلها، أصبح أكثر من ثلاثمائة ألف مواطن من المشردين، ومات عدد فوق الحصر، ومن قلب هذا الخراب جاء رجل كان نصف مخمور وصاح: “تجلدوا أيها الرجال وعضوا على شفاهكم كما تفعل الإبل، سنعيد بناء بلدنا لتصير أبهى وأجمل”.

جلست شيكاغو إلى نفسها، فاكتشفت إن كل المباني كانت من الخشب، فقررت شيكاغو كلها قرارًا لا رجعة فيه: كل المباني ستكون من الطوب.

لقد عالجوا بحكمة وسرعة كل أوجه التقصير، وأقاموا أعظم نظام إطفاء عرفه العالم، ورغم مضي السنين، ظلت منظومة إطفاء الحرائق التي أقامتها شيكاغو هى الأحسن على مستوى الكرة الأرضية.

ونحن وقد توالت كوارث سككنا الحديدية نستطيع فعلها، لا ينقصنا إلا الإمساك بالنقطة السحرية: كفى، نقطة ومن أول السطر. نعم هناك ثمن كبير جدًا بل ومؤلم أيضا  هو مهر النقطة السحرية، ويجب أن نوافق جميعًا على دفعه، وإلا فسيكون القادم أصعب وأسوأ.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق