منوعات

رحلة هيكل من «الجازيت» إلى «دار العودة» (الأخيرة)

“مصر مقبلة على ما لم تشهده من قبل فى تاريخها.. هذان العامان سيحكيان لنا عما سيحدث.. هتشوفوا اللى عمركم ما شفتوه قبل كده”، بهذه العبارة ختم الأستاذ محمد حسنين هيكل ندوة نظمها نادي القضاة في مايو عام 2008، تحدث فيها بإسهاب عن الوضع فى مصر والإقليم.

في نهاية الندوة قال هيكل موجها كلامه للحضور من قضاة وشخصيات عامة وصحفيين: السؤال الذى يواجهنى دائما إحنا رايحين على فين؟ وأقول إجابة مختصرة حملها بيت شعر لحافظ إبراهيم بإننا “رايحين فى داهية”.

هيكل مع جلال عارف والسناوي في نادي القضاة

لم يشأ الأستاذ أن يضع القضاة فى حرج بحديثه عن الأوضاع الداخلية، فأزمتهم مع نظام مبارك لم تكن قد انتهت بعد، “دائما ما أتعرض لأزمات ومشاكل ولا يهمنى، ولكن لا أريد هنا أن تحدث لكم مشاكل”، لكنه لم يستطع أن يقاوم الاشتباك مع الأوضاع، ورد على سؤال “هل سنتعرض لردة عن الإصلاح فى حرية الرأى والتعبير خلال الفترة المقبلة؟”، مجيبا: “ما سيحدث هو شدة وليست ردة، ومصر مقبلة خلال الفترة المقبلة على ما لم تشهده من قبل فى تاريخها”.

دعا الأستاذ جميع الأطراف المعنية أن تتدبر مواقفها وخطواتها جيدا لمعرفة كيف يمكن أن تواجه ما سيحل على مصر بعد عامين، وكأنه كان يقرأ الطالع وخَبر أن نظام مبارك يتداعى، وعلى الجميع أن يفكر في اليوم التالي للسقوط.

الأستاذ هيكل في نادي القضاة

ثلاث مراحل

ظل هيكل حاضرا في المشهد، رغم إتمامه عقده التاسع، فشغفُه الصحفي جعله يتابع ويستقصي ويسأل ويحلل ويصل إلى استنتاجات لم يسبقه إليها أحد، أستأذن في الانصراف، لكنه لم ينصرف، أطل على الجمهور العربي من شاشة قناة “الجزيرة” ببرنامج “تجربة حياة”، ليبقى ما يطرحه جاذبا ومثيرا  للجدل على قدر ما كان يكشف من وثائق ومعلومات امتلكها دون غيره.

جزء من برنامج الأستاذ هيكل على قناة الجزيرة

مرت علاقة هيكل بمبارك بثلاث مراحل واضحة، المرحلة الأولى “سادتها درجة من إيثار حسن الظن، ترى للرجل “حقا في فرصة”، والمرحلة الثانية “سادتها خلافات مع مبارك طالت معظم سياسته الداخلية والخارجية”، أما الثالثة، “فأملاها موقف معارض بغير التباس، فقد ظهر الانفراط والتفريط يجرف كل خصب على أرض، ويزيح حرمة السيادة والشرعية والثروة الثقافية حتى بدا وكأن مصر تضيع وطنا وشعبا وتاريخا ومستقبلا”، بحسب ما أورده الأستاذ في كتابه “مبارك وزمانه.. من المنصة إلى الميدان.

عرف هيكل كيف اختار الرئيس الراحل أنور السادات قائد سلاح الطيران نائبا له، وعلم جيدا الأدوار التي لعبها مبارك قبل توليه منصب نائب الرئيس، وتابع عن قرب كيف ارتبط الرئيس المغدور في المنصة وخَلَفه بأمريكا وإسرائيل.

 رسالة “شاهد ملك”

مطلع عام 2010 التقط هيكل حوارا نشرته “المصري اليوم” مع الدكتور مصطفى الفقى، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب المصري، كشف فيه عن الدور الأمريكي والإسرائيلي في اختيار رئيس مصر.

كان الفقي قد اقترب لفترة طويلة من مبارك بحكم عمله كمدير لمكتب الرئيس للمعلومات، ألقى الرجل قنبلة، وقال في حوار مسجل إن “الرئيس القادم لمصر يحتاج إلى موافقة أمريكا وعدم اعتراض إسرائيل”، وذلك في معرض الإعراب عن ثقته في أن جمال مبارك سيكون المرشح المنتظر للحزب الوطني الحاكم في حال فراغ المنصب.

هيكل ومصطفى الفقي وإبراهيم سعدة

بعث هيكل رسالة إلى “المصري اليوم” بعنوان “شاهد ملك” وصف فيها تصريح الفقي بأنه “جملة كاملة، ومعبرة، ومسئولة بلا سهو أو خطأ، باعتبار أن صاحبها يعلم ما يقول، ويقول ما يعلم، فقد تولى منصبا رفيعا في الرئاسة لسنوات طويلة”، وهو ما يجعل ذلك التصريح خبرا كبيرا، لكنه خبر غير مستوفي الشروط ويحتاج إلى الإجابة عن أسئلة ضرورية لإستيفاء عناصره”.

وأضاف هيكل في رسالته أن: “الدكتور الفقي أجاب عن سؤال واحد من أسئلة الخبر، وهو السؤال بـ: ماذا، أي ماذا حدث.. لكن حق المهنة وواجبها يستدعي بقية من أسئلة لابد لها من إجابة عليها حتى يستوفى الخبر أركانه، هناك السؤال عن: متى؟ (أي متى وقع الخبر؟ ومتى أصبح اختيار الرئيس في مصر بموافقة أمريكية وعدم اعتراض إسرائيل؟!). وهناك السؤال عن: كيف؟ وهناك السؤال عن: أين؟ وهناك السؤال عن: من؟ وهناك السؤال عن: لماذا؟ وأخيرا هناك السؤال عن: ثم ماذا؟!”.

هيكل ومبارك

بعد تلك الرسالة بعام، ضرب زلزال 25 يناير نظام مبارك، وفقدت إسرائيل “كنزها الاستراتيجي”، وخرج هيكل بكتابه قبل الأخير “مبارك وزمانه” يرصد فيها قصة صعود مبارك إلى أعلى هرم السلطة بعد حادث المنصة، وسقوطه في ميدان التحرير في 11 فبراير 2011.

يقول هيكل: لقد وقع ما كان يجب أن يقع من أمة ترفض أن تستسلم، فزيادة الاستفزاز استدعت رصيد الإرادة، خصوصا عندما وصل الاجتراء إلى درجة التحضير لتوريث مصر، ولم يبق مجال للشك في أن شرعية السلطة في مصر سقطت، وأن هناك شرعية أخرى تنتظر من يرسي أسسها، ويبني قوائمها، ويستكمل بناءها، في ظرف من أصعب ما خبرته التجربة المصرية.

ويتساءل: كيف استطاع هذا الرجل أن يجلس على رئاسة مصر ثلاثين سنة؟! ــ ثم كيف استطاع شعب مصر أن يصبر ثلاثين سنة؟! ويجيب: بالنسبة لـ”كيف” الأولى فالجواب على سؤالها: أنه حظه طالما استطاع البقاء!! وأما “كيف” الثانية فجواب سؤالها: أنها مسئولية الشعب المصرى كله لأنه هو الآخر استطاع ــ بالصبر والصمت ــ وإظهار السأم والملل أحيانا ــ حتى جاءت ثورة 25 يناير 2011، عندما لم يعد الصبر قادرا، ولا الصمت ممكنا، ولا الملل كافيا!!

مقال هيكل في الشروق خلال ثورة يناير 2011

لقاء الست ساعات

بعد خروجه من سجن طرة، عقب اغتيال السادات، تلقى هيكل دعوة للإفطار مع الرئيس الجديد، وقبل الموعد المحدد زار الأستاذ صديقان قديمان، هما أسامة الباز مستشار الرئيس في حينها ومنصور حسن وزير الدولة لشئون الرئاسة، وكلاهما يعرف مبارك معرفة دقيقة، وخلال حواره معهما أكد هيكل لهما أنه لا يريد علاقة خاصة مع مبارك ولا يسعى إلى صدام، وإنما يريد ومن بعيد علاقات عادية، وسألهما: كيف أتعامل مع صاحبكما فى هذه الحدود، خصوصا أننى كما قلت أعرف دواعى التزامه بسياسات لا أعتقد فى صحتها، ومن ناحية ثانية فإننى أراه أمامى شخصية أعقد بكثير من انطباع عام لدى الناس أشاع عنه نكتة “البقرة التى تضحك”، بينما هو فى ظنى شخصية أكثر تعقيدا.

     أسامة الباز                          محمد حسنين هيكل

ورد الباز على هيكل قائلا: أنك على صواب فى طرح حكاية “البقرة التى تضحك” جانبا، لأنها بالفعل تبسيط لشخصية مركبة، وأضاف ناصحا: إذا طلبت رأيى فلدى ملاحظتان، أولاهما: لا تتطرق فى الحديث معه إلى أى قضية فكرية أو نظرية، فهو ببساطة يجد صعوبة فى متابعة ذلك، لأنه أقرب إلى ما هو عملي منه إلى ما هو فكري أو نظري، وإذا جرت معه محاولة للتبسيط بالشرح، فإنه سوف يشرد من محدثه.

والثانية، والكلام لايزال للباز موجهه إلى هيكل: أننى أعرف أسلوبك فى الحديث، تستطرد فيه أحيانا، ثم تذهب إلى خاطر يلوح أمامك، ثم تعود إلى سياقك الأصلى بعده. لكن مبارك لن يتابعك فى ذلك، كلِّمه فى موضوع واحد فى المرة الواحدة، ولا تدع الموضوعات تتشعب، وإلا فسوف تجد نفسك تتكلم بعيدا، وهو ليس معك.

مبارك يحلف اليمين الدستورية رئيسا للجمهورية

في بداية اللقاء، قال هيكل لمبارك فور جلوسهما إنه “فكر بالأمس أن يطلب الرئاسة، راجيا تغيير موعدنا، لأنه قرأ في الصحف عن مشاورات يجريها مبارك لتعديل وزاري أعلن عنه”، وخطر إلى هيكل، أن موعده مع الرئيس قد يُحدث التباسا وخلطا لا ضرورة له، بين لقاءاته فى إطار التعديل الوزارى، وبين لقاءاته العادية الأخرى وضمنها موعده، وأول الضحايا في هذا الخلط والالتباس سوف يكون فريق الصحفيين الذين يغطون أخبار الرئاسة.

فرد مبارك وهو يبتسم: وماذا يضايقك في ذلك.. اتركهم يغلطوا، وأضاف: دول عالم “لَبَطْ”، اتركهم يغلطوا حتى يتأكد الناس أنهم لا يعرفون شيئا، إن الصحفيين يدَّعون أنهم يعرفون كل شيء، وأنهم “فالحين قوي”، والأفضل أن ينكشفوا أمام الناس على حقيقتهم، وأنهم “هجاصين” لا يعرفون شيئا.

فرد عليه هيكل: ولكن سيادة الرئيس هذه صحافتك، أقصد “صحافة البلد”، ومن المفيد أن تحتفظ لها بمصداقيتها، ولا بأس هنا من جهد لإبقاء الصحفيين على صلة بالأخبار ومصادرها. ظل مبارك على رأيه لم يغيره قائلا: “إنه إذا عرف الصحفيون أكثر، فسوف يتلاعبون بي”.

فرد عليه هيكل محتجا: “سيادة الرئيس أنت تسىء الظن بإعلامك، وأنا أعرف بعضا من شيوخ المهنة وشبابها، وأثق أنهم لن يتلاعبوا في أخبار، فضلا عن أسرار”.

قال مبارك: لا تزعل يا محمد بيه، إذا قلت لك إنني لم أكن أقرأ مقالاتك رغم إنني أسمع أن كثيرين يقرأونها، ولا أخفى عليك أننى كنت أمنع ضباط الطيران من قراءتها، فتساءل هيكل عن سبب ذلك فرد عليه مبارك: ما كان يحدث أن مقالك “بصراحة” يُنشر في “الأهرام” يوم الجمعة، ثم يجىء الضباط يوم السبت وقد قرأوه، وكلهم متحفزون لمناقشته، وكثيرا ما كانوا “يتخانقون”، وأنا لا أريد في السلاح “خناقات” ولا سياسة.

وأضاف مبارك: أما عني أنا، فقد كنت لا أقرأ مقالاتك لأني عندما حاولت، لم أفهم ماذا تريد أن تقول في نهاية المقال، ومقالك دائما ينتهي دون أن “نرسى على بر”.

خلال لقاء الست ساعات، طلب مبارك من هيكل الانضمام إلى الحزب الوطني، لكنه رفض متعللا أن الصحفي أفضل له ألا يتحزب، بل وطالبه هو بتجميد عضويته في الحزب لأنه -أي الحزب- يستمد بذلك وجوده من السلطة وليس من الناس وهذا هو الخطر، فرد مبارك: تخوفك من الحزب الوطنى مُبالغ فيه، ووجودى فيه ليس المشكلة، المشكلة فى العمل التنفيذى، فى الحكومة وأنت تعرف حجم المشاكل، وزاد علينا خطر الإرهاب، والناس بتطلب “لبن العصفور”، ولابد من الاستقرار قبل أن نستطيع عمل أى شيء، والجماعات الإرهابية كامنة، وتنتشر تحت الأرض”.

اتنهى اللقاء، بالاتفاق على لقاءات أخرى، وأعطى مبارك لهيكل أرقام هواتف الرئاسة المباشرة، وطلب منه الاتصال به أو بمستشاره أسامة الباز لو كان هناك ما يريد أن يطرحه أو ينصح به، ألا أن هيكل أدرك قيمة الرجل الذي يتعامل معه، وحدد معالم شخصيته ومفاتيحها من خلال هذا الحوار الذي اعقبته لقاءات واتصالات محدودة.

جرت في النهر مياه كثيرة، وحدث ما توقعه هيكل، انحيازات مبارك لا تختلف عن انحيازات سلفه، مواقفه من أمريكا وإسرائيل وتعامله مع قضايا الأمن القومي، استئثاره بالسلطة ونقضه لكل عهوده، دفعت الأستاذ إلى الانتقال من مربع المراقب بحذر إلى المعارض لسياسات وتوجهات نظام مبارك.

سلطة شاخت في مقاعدها

فى ١٠ يونيو ١٩٩٥ أرسل هيكل رسالة إلى الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين احتجاجا على القانون ٩٣ الذى استهدف وضع قيود على الصحافة والصحفيين، وأطلق عليه حينها قانون “اغتيال الصحافة”، قرأها على الصحفيين يحيى قلاش سكرتير عام النقابة، وكان نصها يحتوى على ما يمكن اعتباره مواجهة مباشرة مع نظام مبارك.

قال هيكل في رسالته: إن هذا القانون استفزنى كما استفزكم، واستفز الرأى العام وحملة الأقلام وكل القوى السياسية والنقابية والثقافية فى هذا البلد، فالأسلوب الذى اُتبع فى تصميمه وإعداده وإقراره هو- فى رأيى – أسوأ من كل ما احتوته مواده من نصوص.

اجتماع مجلس نقابة الصحفيين خلال أزمة القانون 93

وأضاف: أشهد آسفا أن وقائع إعداد القانون كانت أقرب إلى أجواء ارتكاب جريمة منها إلى أجواء تشريع أحكام.. إن هذا القانون فى ظنى يعكس أزمة سلطة شاخت فى مواقعها، وهى تشعر أن الحوادث تتجاوزها، ثم إنها لا تستطيع فى نفس الوقت أن ترى ضرورات التغيير، وهنا لا يكون الحل بمعاودة المراجعة والتقييم، ولكن بتشديد القيود وتحصين الحدود، وكأن حركة التفكير والحوار والتغيير تستحق أن توضع فى قفص.

ويقول هيكل في كتابه “مبارك وزمانه”: “أصبح تعبير سلطة شاخت فى مواقعها على كل لسان، بل أصبح شعار كل المعارضين لسياسة مبارك، وظل كذلك حتى لحقته قضية التوريث، ثم جاءت محاضرة لى فى الجامعة الأمريكية فى القاهرة نوفمبر 2002، تحدَّثت فيها عن احتمالات التوريث، ونبَّهت إلى مخاطره، وثارت عواصف الغضب.. وكان داعى الغضب فجائيا: من ناحية لأن السر تفجر فى العلن، ومن ناحية أخرى لأن تفجير السر وقع على غير انتظار.

اجتماع مجلس نقابة الصحفيين خلال أزمة القانون

معول في مشروع التوريث

يعدد هيكل أسباب غضب مبارك منه بعد إذاعة محاضرة الجامعة الأمريكية على قناة دريم ويقول: كانت المحاضرة قد أذيعت على “دريم” ثلاث مرات فى يومين، ثم تنبَّه المحتفلون إلى آثارها، فإذا عاصفة الغضب تطيح بكل من كان له دخل فى إذاعتها وتكرار إذاعتها وتركز الغضب على رجل وسيدة كان لهما دور فى تكرار إذاعة المحاضرة، وهما المهندس أسامة الشيخ (مدير قناة دريم وقتها)، والدكتورة هالة سرحان (منسقة برامجها)، ونجا صاحب القناة الدكتور أحمد بهجت بشبه معجزة، وقال لى بنفسه بعدها: إن إذاعة هذه المحاضرة كانت على وشك أن تكلفه 2 مليار جنيه، لولا أن قدَّر الله ولطف، واستطاع شرح موقفه لمن يعنيهم الأمر.

ورغم تعقد العلاقة بين نظام مبارك وهيكل الذي ضرب أول معول في مشروع التوريث، ألا أن مبارك اتصل به عندما أصيب بأزمة صحية في ديسمبر 2003، وعرض عليه أن يتكلف بعلاجه، لكن الأستاذ رفض العرض وشكره.

محاضرة هيكل في الجامعة الأمريكية

بعد تلك المكالمة توقفت الاتصالات بين هيكل ومبارك،غير أنه –وكما يقول هيكل- “لكن حوارى مع سياساته لم يتوقف، حتى وصلنا إلى سنة 2010، وكان رأيى أن نظام مبارك انتهى تاريخيا، حتى وإن بقى على قمة السلطة فى مصر سياسيا، وأن هناك انتقالا ضروريا للسلطة لابد من الترتيب له، وعرضت تصورا متكاملا يقوم فيه ما سميته مجلس أمناء للدولة والدستور بإدارة مرحلة الانتقال، وفى حضور القوات المسلحة ممثلة فى المشير محمد حسين طنطاوى، ورشحت لعضويته أسماء رجال طرحها الناس فى أحاديثهم بعفوية كمرشحين صالحين للرئاسة، ومن المفارقات أن معظم من رشحتهم الآن على رأس القائمة فى سباق رئاسة الجهمورية بعد 25 يناير 2011”.

ويقول هيكل: حين جاء يناير سنة 2011 فقد حدث أن تذكرت ما بدأت به من استعادة لمقولة أندريه موروا: أن غير المتوقع يحدث دائما، وأبعد الظنون أقربها إلى التحقيق! ذلك أن الذين وضعوا استثماراتهم المهولة على مبارك كانوا أسرع الجميع إلى التخلى عنه بعد أن تجلى إصرار كتل الجماهير وطلائع الشباب معا على أن الشعب يريد إسقاط الرئيس. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية بين أوائل من سحبوا استثماراتهم على مبارك، فقد كان تصميمهم على أن مصر لا يجب أن تضيع من أيديهم مرة أخرى، هو رهانهم الحقيقى.

فرض الأستاذ بما يملك من تراكم وخبرة حضوره على المشهد بعد سقوط مبارك، وصار مكتبه على نيل الجيزة أو منزله الريفي في برقاش قبلة للسياسيين وشباب الثورة ورجال الحكم، يسمع منهم ويسمعون له باعتباره حكيم الأمة.

اقتراح هيكل بإنشاء مجلس لحماية الدولة والدستور في 2010

إلى “دار العودة”

قبل وفاته بأسابيع، وخلال احتفال أصدقائه وتلاميذه بعيد ميلاده الأخير نهاية عام 2015، بدا الرجل الذي شعر باقتراب الأجل قلقا على حال مصر، محذرا من التخبط والتفكك الذي ضرب الجبهة الداخلية “لو استمر التفكك فى الجبهة الداخلية فمصر مقبلة على كارثة”، مؤكدًا أن الدولة تحتاج إعادة النظر فى أولوياتها فى هذه اللحظة.

وتساءل: ماذا نفعل؟.. نحن أمام ناس تائهة.. العصر طرح حقائق جديدة ومتغيرات جديدة.. ونحن خياراتنا كما هى لم تتغير ولا تصلح لمسايرة المتغيرات الجديدة.. وختم الأستاذ الجلسة قائلًا: نحتاج عقولًا ترصد التطورات التى جرت فى الداخل والخارج، حتى نعرف من أين نبدأ.

هيكل في عيد مولده الأخير

رحل الجورنالجى بعد تلك الجلسة الكاشفة بأسابيع، انتقل إلى مكان اختار له عنوانا صحفيا “دار العودة”، مضى بعد رحلة طويلة ختمها بالإشارة إلى مواطن الخلل، ولفت النظر إلى مفاتيح الحل.

رحم الله الأستاذ هيكل

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق