رؤى

حكاية آهات بيرم مع أم كلثوم.. وتجربة عبد الناصر مع «ندّابات الإخوان»

تذكرت أمير الزجل، وشاعر العامية الكبير «بيرم التونسي» لسببين دفعاني لأن أستعيد ذكراه، وأتذكر عدداً من قصائده وأشعاره وأزجاله، وعشت معها ساعات من الشجن والعذوبة ومشاعر الوطنية الصادقة، وتذكرت حسه الشعبي الذي لا يدانيه فيه أحد من كُتّاب الكلمة الشاعرة، والأغنية المتفردة.

Related image

السبب الأول أننا نمر هذه الأيام بذكرى ميلاده السادسة والعشرين بعد المائة، فقد ولد شاعرنا الكبير في منطقة «السيالة»، بالإسكندرية يوم 3 مارس 1893، ورحل عنا في 5 يناير 1961. أما السبب الثاني فيتعلق بما اعتادت عليه «قنوات الإخوان» التي تبث سمومها يومياً من الخارج، ويكاد يكون العداء مع «جمال عبد الناصر» فقرة يومية ثابتة في برامجها الرئيسية، يشتمونه من دون سبب، وبغير أي صلة بالموضوع المطروح، وهو عداء قديم يتجدد كل يوم، وكأنه مقرر على العاملين في هذه القنوات، فتحولوا إلى «ندّابات» على الهواء.

Related image

في كل مرة أشاهد هذه القنوات، وأنصت إلى هؤلاء المذيعين أتذكر «بيرم التونسي» ووقائع ما جرى مع أغنيته الشهيرة «الآهات» التي عرض كلماتها على سيدة الغناء العربي «أم كلثوم» وقد تخوفت من غنائها، فرأت أن تستشير صديقها الكاتب والشاعر الكبير «كامل الشناوي» في الأغنية، فحذرها بشدة من أن تشدو بها، وقال لها بالحرف: هذه الأغنية ستجعلك في نظر الناس «ندّابة».

«بيرم» الذي قدمه «زكريا أحمد» إلى «أم كلثوم» كان “يشد شعره” من الصدمة حين أبلغته كوكب الشرق، برأي الكتاب والنقاد في أغنيته، فاستغاث بصديقه الملحن الكبير الذي أبدى حماسة كبيرة لتلحين «الآهات»، وقال لأم كلثوم: «ستكون أغنية الموسم»، وخاطرت «أم كلثوم» بغنائها لأول مرة في حفل حديقة «الأزبكية» سنة 1944.

«نجيب محفوظ» عقب و قص علينا ما جرى مع أغنية «الآهات» فقال: «وبالفعل لاقت الأغنية نجاحاً منقطع النظير، وما إن انتهت كوكب الشرق من وصلتها حتى تواصل التصفيق أكثر من عشرة دقائق، وكانت هذه أطول مدة تصفيق استقبل فيها الجمهور أغنية من أغاني أم كلثوم طوال حياتها».

هناك إجماع على أن المصريين يعشقون الفكاهة ويتقنون فن التنكيت، وهناك اجماع في المقابل على أنهم من أشد الشعوب معايشة للأحزان، فقد آخى المصريون المصائب طويلاً، حتى أنهم صاغوا لأحزانهم بعضاً من الطقوس التي عرفها الفراعنة القدامى، وحافظ عليها أحفادهم حتى يومنا هذا، وهم أول من اخترع مهنة «الندّابة» من قديم الزمان.

ظلت «الندّابة» إلى وقت قريب من أشهر طقوس الأحزان لدى المصريين، وهي بالأصل امرأة تحترف البكاءَ على الميِّت، وتعدِّد محاسنَه، وقد لا تكون لها أي علاقة بالشخص الذي توفيَّ، يتم تأجيرها لتملأ مكان العزاء صياحاً وبكاءً بكل جوارحها وكأنها واحدة من أقرب أقارب المتوفى.

وتجد بعض النساء في جلب «الندّابات» إلى عزاء فقيدهن العزيز فرصة للبكاء بصوت مسموع على جراح من القهر والظلم لا يستطعن أن يبكينها في حينها، مثل سفر الإبن أو غربة الزوج، أو وفاة عزيز أو فقدان أرض، أو التعرض لظلمٍ لا يمكن دفعه.

في يوم وفاة الرئيس الراحل «جمال عبد الناصر» فوجئ الأجانب الذين كانوا في زيارة إلى مدينة «الأقصر» بالنساء يضربن الدفوف في هذه المناسبة الحزينة، وتساءلوا باستغراب: كيف يُضرب الدُف في الجنازة حيث في العادة يُستخدم الدف في الفرح.

ندابات يونيو

«الندابة» المستأجرة في الأحزان في صعيدنا أو في بعض مناطق الأرياف، تحولت في السياسة إلى مهنة يحترفها البعض، ليس في ذكر محاسن الأموات من الزعامات السياسية الراحلة، بل على العكس يقوم هؤلاء «الندّابون الجدد» بالنواح والندب السياسي، ولهم في ذلك مواسم أشهرها وأكثرها رواجاً لممارسة أصول مهنتهم خلال شهري يونيو ويوليو من كل عام، حتى سّماهم البعض من كبار كتابنا الساخرين «ندّابات يونيو» حيث يبدأ موسم الندب الرسمي كل عام من دون توقف طوال الخمسين عاماً الماضية.

«جمال عبد الناصر» هو الزعيم المصري الحاضر دائما في حفلات الندب الصاخبة، حيث يناله النصيب الأوفر من نواح «الندّابات» السنوي في هذا الموسم، الذي يجمع أعداء الأمس واليوم والغد، فتجتمع “ندّابة” الإخوان مع ندّابة بعض الماركسيين مع ندّابات الأنظمة المتعاقبة، إلى أن ظهر للإخوان إعلام فضائي، فصار الندب يومياً من دون انقطاع.

لست من هؤلاء الذين يرون أن مرحلة «جمال عبد الناصر» بريئة من كل خطأ، أو أنها مبرأة من أي نقيصة، وإن كنت أحسب نفسي على هؤلاء الذين يتمسكون برؤيته الوطنية، ويعظمون مواقفه القومية، وينحازون إلى انحيازاته الطبقية. لكني أفهم أن هذا العداء السافر المتواصل ليس موجهاً في الحقيقة إلى شخص «عبد الناصر»، من جانب هؤلاء الذين رضعوا كراهية الرجل، بل هو العداء مع خطه الوطني، وضد توجهه الاشتراكي، وضد تجربته التي يعمل أعداء مصر التاريخيون على ألا تتكرر في أي بقعة عربية مرة أخرى.

والحق أن الطعن المستمر في مسيرة الرجل هو طعن مباشر في هذا الشعب الذي مضى مع «عبد الناصر» في مسيرته الوطنية، وناصره، وأحبه، واعتبره قائد عملية الخلاص من نير الاستعمار وعسف وجور الظلم الاجتماعي الذي وقع  عليهم قروناً طويلة، وهو طعن في هذا الشعب الذي خرج عن بكرة أبيه مودعاً زعيمه بعد وفاته، متخوفاً من المآل الذي يمكن أن يصيبهم في غير وجوده.

تعددت الأسباب واختلفت توجهات هؤلاء «الندّابين»، بعضهم من بقايا الاقطاعيين القدامى والرأسماليين الجدد الذين يكرهون التوجه الاشتراكي، وعلى جانب آخر ستجد بعض هؤلاء من الماركسيين واليساريين الذين يتحسسون مسدساتهم الفكرية المتطرفة حين يذكر اسم «عبد الناصر»، يكرهون فيه أصوله العسكرية، وينعون عليه إيمانه باشتراكية عربية لا تنكر الأديان، ولاتعادي الرأسمالية الوطنية، لكن أكثر هؤلاء “الندابين والندابات” هم من جماعات «الإسلام السياسي» وعلى رأسهم جماعة «الإخوان» التي حاولت قتله حياً  في المنشية، وتستميت في اغتياله ميتاً على هواء قنواتهم الفضائية.

إلى جانب هؤلاء جميعاً يتصدر  عرض الندّابات المستمر، أنصار الليبرالية الذين يختزلون المرحلة الناصرية في سوءة غياب الديمقراطية وخطيئة الحجر على التعدد الحزبي والسياسي.

أكاذيب إخوانية

النقد غير التجريح، والتقييم الموضوعي لا علاقة له بالترديد المتواصل للأكاذيب وتدبيج «المفبركات»، حتى تصبح من كثرة «الزن» حقائق يصعب مواجهتها، وقد وصل بعض هذه الأكاذيب والفبركة إلى تأليف الكثير من قصص التعذيب في عصر «عبد الناصر»، بل وفبركة الوثائق التي تحتوي على خطط «عبد الناصر» ضد «الإخوان» ومحاربة الإسلام، والقصة التي رواها الزميل «هيثم أبو زيد» صارت مشهورة في هذا الخصوص، ويحكيها نقلاً عن المهندس «أبو العلا ماضي» (رئيس حزب الوسط) أحد قيادات الجماعة، وكان قد انشق عنها لفترة ثم عاد إلى أحضانها بعد تولي محمد مرسي» رئاسة الجمهورية في سنة 2012.

التفاصيل يرويها «أبو العلا » نقلاً عن المهندس «مراد جميل الزيات» الذي أخبره أنه زار «يوسف ندا» (أحد أكبر قادة وممولي الإخوان، مفوض العلاقات الدولية السابق  للتنظيم الدولي، وأحد المتهمين في محاولة اغتيال عبد الناصر سنة 1954، والهارب خارج مصر من سنوات طويلة) في مقره بسويسرا، وتحدث معه عن التعذيب الذي تعرض له الإخوان في السجون، وخص بالذكر ما نشره الشيخ «محمد الغزالي» في كتاب «قذائف الحق» عن الوثيقة التي أعدتها المخابرات المصرية واعتمدها عبد الناصر للقضاء على «الإخوان»، والعمل على استئصال شأفتهم نهائياَ، فضحك «يوسف ندا» حتى استلقي علي ظهره، فسأله الزيات متعجباً: لم الضحك يا أخ يوسف؟، فأجابه ندا وهو ما يزال يضحك: «لأنني من كتب هذه الوثيقة، ووضعها في كتاب «الغزالي» لتشويه نظام الحكم الناصري، فتساءل «الزيات»: لكن هذه فبركة؟، فأجابه ندا: «ولكن الحرب خدعة».

قصة الوثيقة الملفقة اعترف بها الدكتور «محمد سليم العوا» في لقاء حضره أبرز قادة حزب الوسط، حيث قال: «هذه الرواية حقيقية، وأنا أعلم بها منذ أربعين سنة، والنص الأصلي للوثيقة التي كتبها يوسف ندا عندي في مكتبتي».

يوسف ندا                                          محمد سليم العوا

عبد الناصر وبيرم

«جمال عبد الناصر» تجربة هائلة، فيها الكثير من الإنجازات العظيمة، وبها الكثير من الإخفاقات الكبيرة، لم يكن نبياً كما قال الشاعر الكبير «نزار قباني» في قصيدته الرائعة «الرجل ذو الظل الأخضر»، لكنه كان تجربة بشرية بكل ما فيها من إنجازات واخفاقات، والأهم أن خطه كان امتدادا طبيعياً ومتطوراً على خط الثورة الوطنية المصرية، أضاف إليها، وعضّد وجودها في الواقع، وجعلها أملاً يرتجى في المستقبل.

و«بيرم التونسي» الذي نفاه الملك فؤاد، وعفا عنه الملك فاروق، ومنحه الرئيس «عبد الناصر» الجنسية المصرية كانت له «آهاته» الخاصة غير «الآهات» التي كتبها لتغنيها أم كلثوم، «آهات» يندب فيها حظه العاثر فيقول:

الأولة آه والتانية آه والتالتة آه

الأولة مصر .. قالوا تونسي ونفوني

والتانية تونس .. وفيها الأهل جحدوني

والتالتة باريس .. وفي باريس جهلوني

الأولة مصر .. قالوا تونسي ونفوني جزاة الخير

والتانية تونس .. وفيها الأهل جحدوني وحتى الغير

والتالتة باريس .. وفي باريس جهلوني وأنا موليير

وقد روى الكاتب الروائي «يوسف القعيد» في كتابه «عبد الناصر والمثقفون»، وهو عبارة عن حوار مطول مع «محمد حسنين هيكل» أن الرئيس عبد الناصر كان يحفظ شعر بيرم، ويحبه من دون حدود، وكان يردد دائماً أبياته التي يقول فيها:

قال إيه يكفي ابن آدم؟، قلت له شقة

قال إيه يعجل بعمره؟، قلت له زقة

قال حد فيها مخلد؟، قلت له لأه

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق