مختارات

التبغ في الإمبراطورية العثمانية

هناك أطروحة علمية هامة ومميزة في اختصاص التاريخ العثماني نال بها دارس عراقي (من كردستان)، هو علي محمد حبيب، درجته العلمية من قسم التاريخ بكلية الآداب – جامعة الإسكندرية، بتقدير ممتاز. فمع اكتشاف العالم الجديد على يد كريستوفر كولومبوس سنة 1492م، انتقلت الكثير من الزراعات والسلع من هذا العالم إلى العالم القديم، ولعل التبغ أهم تلك الزراعات والسلع، والذي انتشر بصورة كبيرة مع سرعة انتقال البشر من مكان إلى آخر حتى صار سلعة عالمية، أخذت تنافس القهوة كسلعة مزاجية، انتقل التبغ من أميركا إلى أوروبا التي أخذ بحارتها يجوبون البحار وينقلون اكتشافاتهم من قارة إلى قارة، وحيث كانت الدولة العثمانية واحدة من أكبر اقتصاديات العالم بفضل عوامل عدة لعل من أهمها سواحلها الممتدة وأراضيها المترامية الأطراف في قارات ثلاث هي آسيا وإفريقيا وأوروبا، فقد جلب التبغ إلى الدولة العثمانية عبر البحارة، وانتشر انتشاراً كبيراً حتى صار من أعمدة الاقتصاد العثماني زراعة وتجارة وما تدرهما من أرباح.

أحدث دخول التبغ إلى الدولة العثمانية ضجة كبرى على غرار ما أحدثته القهوة، فتصدّت له الدولة والعلماء، وأنزلت أشد العقوبات بمدخّنيه، لكن سرعان ما تغلب التبغ على كل من الدولة والعلماء، فصار مصدراً لدخل خزانة الدولة ومشرباً لبعض العلماء. بل الوسيلة الترفيهية الأولى لعامة الشعب الفقير، ومصدر رزق لهم، مع انتشار زراعته في حقول الأناضول والروميللي والشام، حيث المناخ والتربة الصالحان لزراعته، مع انتشار زراعة التبغ في الدولة العثمانية، أصبحت الدولة المنتج الأول للتبغ متفوقة على بلدان وطنه الأصلي، ففرضت عليه الدولة الضرائب عن طريق جماركها التي انتشرت في موانئها، حتى صارت تعريفات التبغ المصدر الرئيسي لتعويض موارد الخزانة العثمانية وأعادت الإصلاحات في جوانب شتى لعل أهمها إعادة بناء الجيش وتسديد الديون .

مع نمو اقتصاد التبغ في الدولة العثمانية والأطماع الأوروبية في ثروات هذه الدولة، تطلعت الدول الأوروبية إلى تكبيل أيدي الدولة والسيطرة على هذا القطاع المربح، كان الاحتكار سبيل الأوروبيين لذلك، فتأسست شركة الريجي الفرنسية لاحتكار التبغ سنة 1884م لاحتكار التبغ مقابل تقاسم عائدات التبغ بين الشركة التي يسيطر عليه الأوروبيين ومؤسسات الدين العام الأوروبية أيضاً والحكومة المغلوبة على أمرها، وعلى الرغم من أن شركة الريجي قد قادت التطور الثاني والحداثة في قطاع التبغ إلا أن أرباحه ذهبت إلى خزائن الأوروبيين، وافتقر المزارع العثماني نتيجة السياسات الاحتكارية للريجي، فلجأ إلى التهريب وقوبل هذا السلوك بعنف من قبل شركة الريجي فتذمّر المزارعون نتيجة سلوكيات الشرطة التي أسستها الشركة، ولم يتوقف هذا الصراع بين تلك القوى والمزارعين.

تكشف هذه الدراسة جانباً جديداً من جوانب التاريخ الاقتصادي العثماني، والذي ظهر من خلال الدراسة أنه عمود الاقتصاد العثماني، وأهم موارد الخزانة؛ كما أن الموضوع لم يتم تناوله في الدراسات العثمانية العربية بصورة شاملة، وهو ما حاول الوصول إليه الباحث، ولكن وقفت عقبة المخطوطات والوثائق أمام استكماله، مما يفتح المجال للباحث لدراسات جديدة في هذا المجال الاقتصادي.

اتبع الباحث في الدراسة المنهج العلمي القائم على تحديد الإطار التاريخي في الفترة الزمنية (من أواخر القرن السادس عشر الميلادي إلى قيام الحرب العالمية الأولى)، ولعل سبب اختيار هذا الإطار التاريخي هو الفترة الزمنية التي تداولت الكتابات التاريخية بداية دخول التبغ إلى الدولة العثمانية، أما تحديد بداية الحرب العالمية الأولى فيعود إلى أن في تلك الفترة بدأت الدولة العثمانية في الانهيار وتراجع نطاقها الجغرافي؛ وهو النطاق الجغرافي الذي حددته الدراسة «الدولة العثمانية»؛ حاولت هذه الدراسة أن تفتح الباب لدراسات جديدة في هذا المجال.

بناءً على هذا المنهج العلمي؛ قام الباحث بتقسيم الرسالة إلى تمهيد وسبع فصول وخاتمة تتضمن أهم نتائج الدراسة وملحقين للخرائط والوثائق المنشورة وقائمة بالمصادر والمراجع، تناول الباحث في التمهيد اكتشاف التبغ وانتشاره في أوروبا وإلى خارج أوروبا؛ أما الفصل الأول فتناول فيه الباحث دخول التبغ إلى الدولة العثمانية وموقف الدولة والعلماء والمجتمع منه، حيث تناول الباحث في هذا الفصل الكلمات الدالة على التبغ في اللغة التركية العثمانية، والآراء التاريخية حول دخول التبغ إلى الدولة العثمانية وموقف العلماء والسلطة من انتشاره وعادات المجتمع العثماني في تدخين التبغ؛ أما الفصل الثاني فقد تناول فيه الباحث أماكن ووسائل تدخين التبغ في الدولة العثمانية خاصة المقاهي والحمامات ووسائل التدخين المستخدم من قبل العثمانيين؛ أما الفصل الثالث فقد تناول فيه الباحث بالدراسة زراعة التبغ والتنباك في الدولة العثمانية متناولاً في هذا الفصل بداية زراعة التبغ وتطورها والعوامل المؤثرة عليها وأصناف التبغ وزراعة التنباك في الدولة العثمانية؛ أما الفصل الرابع فقد تناول فيه الباحث تجارة التبغ في الدولة العثمانية من خلال مراكز التجارة الشهيرة وطرق التجارة وصادرات وواردات التبغ وطبقات العاملين في تجارة التبغ؛ أما الفصل الخامس فقد تناول فيه الباحث نظام الجمارك والضرائب المتحصلة على التبغ في الدولة العثمانية، حيث استعرض نظام الجمارك وبداية تشكيلها وانتشارها في أنحاء الدولة العثمانية والمؤسسات المنوط بها جمع عوائد تلك الجمارك، والموظفين القائمين على إدارة الجمارك والنظم المنظمة لعملهم، ثم تناول الباحث التعريفات المتحصلة على تجارة التبغ داخلياً، حيث تناول الباحث كل تعريفة مأخوذة وظروف وضعها نسبة الضرائب المتحصلة من خلالها، وتناول الضرائب المتحصلة على تصدير واستيراد التبغ، والضرائب المتحصلة على تصدير واستيراد التبغ، والضرائب المتحصلة على زراعات التبغ، وختم هذا الفصل بنموذج للضرائب المفروضة من قبل السلطات المحلية في كل من مصر ولبنان كنموذج من نماذج الضرائب المتحصلة من قطاع التبغ في الولايات العثمانية؛ أما الفصل السادس فقد تناول فيه الباحث احتكار التبغ والتنباك في الدول العثمانية وأثر أزمة الديون التي تعرضت لها الدولة العثمانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر واضطرتها إلى قبول السيطرة الأجنبية على مواردها الاقتصادية وقيام مؤسسات أوروبية للسيطرة على تلك الموارد مثل البنك الإمبراطوري العثماني وإدارة الرسوم الستة (التبغ- الملح- الكحول- الدمغة- الحرير- الأسماك) وإدارة الدين العام ثم تأسيس شركة الريجي التي آل إليها حق احتكار قطاع التبغ في الدولة العثمانية في نهايات القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كما تناول الباحث في هذا الفصل اقتصاديات شركة الريجي من حيث الأرباح والخسائر والعوامل المؤثرة في ذلك، وأثر نظام الريجي على قطاع زراعة التبغ وعلاقة الشركة بتجار التبغ وتجارته، وموقف كل من الدولة والمجتمع العثمانيان من احتكار الريجي لقطاع التبغ، ثم تناول الباحث في نهاية الفصل احتكار تجارة التنباك في الدولة العثمانية؛ أما الفصل السابع فقد تناول فيه الباحث تهريب التبغ والتنباك في الدولة العثمانية قبل وبعد احتكار الريجي، حيث تناول الباحث التهريب في زراعة وتجار التبغ قبل بدء تجربة الريجي وأشكال التهريب والإجراءات التي اتخذتها الدولة العثمانية لإيقاف هذا النشاط المجرم من قبلها، ثم انتقل الباحث لتهريب التبغ خلال فترة احتكار الريجي حيث تناول أسباب اللجوء إلى التهريب، وجهود شركة الريجي للقضاء عليه، وتأثير تلك الجهود على العلاقة بين شركة الريجي والحكومة العثمانية والمجتمع العثماني وأثر التهريب على اقتصاديات شركة الريجي، ثم تناول الباحث التهريب في قطاع التنباك في الولايات العثمانية وأثره على انهيار الشركة الاحتكارية للتنباك ؛ ثم ألحق الباحث الدراسة بخاتمة تضمنت أهم النتائج التي توصل إليها، بالإضافة إلى ملحقين الأول للخرائط والثاني للوثائق المنشورة.

كما أرفق الباحث الدراسة ثبت بالمصادر والمراجع العربية والمعربة والأجنبية الانكليزية منها والتركية. منها بعض الوثائق المنشورة التي قام بترجمة محتوياتها وهو عنصر مهم لدراسة الموضوع ولقد عثر على وثائق ومخطوطات تركية منشورة في بعض الدراسات التي تفيد هذا الموضوع والتي وجد فيها مادة خدمت الموضوع، مستقاة من الأصول فكانت عوضاً عنه في معالجة هذا الموضوع وقام بإدراج ثبت بأهم المخطوطات التي تناولت التبغ ومنها في دار الكتب المصرية، «رسالة في تحريم الدخان» تأليف الشيخ عمر مفتي عينتاب، رقم 87 مجاميع؛ و «تنبيه الغفلان في منع شرب الدخان» تأليف محمد بن غلي الجمالي المغربي المالكي الأزهري، رقم 171؛ و «رسالة في الدخان»، تأليف الشيخ ناصر الدين إبراهيم بن إبراهيم بن حسن اللقاني، رقم 87 مجاميع ؛ و «غاية الكشف والبيان في تحريم شرب الدخان» للفلاني، و «غاية البيان لحل شرب ما لا يغيب العقل من الدخان» تأليف الاجهوري، و «نصيحة الأخوان باجتناب شرب الدخان» تأليف اللقاني؛ «وقمع الشهوة عن تناول التنباك والكفتة والنيفات والقهوة» للسقاف وهي رسالة مطبوعة، و «تذكرة الأخوان في الرد على من قال بحلية الدخان» للسفاقس، و «الأدلة الحسان في بيان تحريم شرب الدخان» لمحمد بن سليمان المالكي، و «مسألة في حكم بيع الدخان واستعماله» تأليف الكوز لحصاري، كما رجع لبعض المخطوطات المحفوظة في مكتبة الأوقاف العامة في بغداد منها «رسالة في التتن والقهوة» لعبد الغني النابلسي رقم 7/9992 مجاميع، ومنها ما هو مطبوع مثل «الإعلام بعدم تحريم الدخان» للراضي وطبعت في مصر، و «تأييد الإعلان بعدم تحريم الدخان» للراضي، و «ترويح الجنان بتشريح حكم شرب الدخان» تأليف اللكنوي، و «تبصره الأخوان في بيان أضرار التبغ المشهور بالدخان» للطرابيشي … بالإضافة لمخطوطات محفوظة في مكتبات جامعة الملك سعود ومكتبة تشتربتيي ومكتبة الإسكندرية، بالإضافة لقائمة محترمة من المراجع المميزة باللغة العربية واللغات الإنكليزية والفرنسية والتركية.

نقلا عن: الحياة

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق