منوعات

«القلة».. ثلاجة الفقراء وموروثهم الشعبي الذي يقاوم الزمن

بنت من طين، مليحة، صامدة تتحدي الانقراض، دليل أصل المنشأ وقوة التربية، ونظافة ربة البيت وبركتها، ثلاجة الفقراء المنعشة في أيام الهجير شديدة الحرارة، وتاج البهجة العالى في احتفالية سبوع المولود.

إنها “القلة”، قبلتنا التي تبل ريقنا في أيام الحر والشقاء، تلك التى تقف باكتنازتها ورقبتها الطويلة وشفتها الرقيقة في المشربيات والشرفات والنوافذ. وقُلَّة كل شيءٍ معناها: قمَّته وأعلاه. والجمع قُلَلٌ وقِلال، غير أنه من الصعب أن نقف على  معنى محدد للقلة .فربما يرجع معناها للشيء القليل، أو لمن قصرت قامته، أو نسبة إلى القَلُّودُ وهو البئرُ الكثيرة الماء، أو القَلْدَاءُ، وتعني ناقةٌ قَلْدَاء أي طويلة العنق، ويقال أن الاسم الحقيقي هو “قِلّة” بكسر القاف وليس بضمها، نظرًا لصغر حجمها.

والقلة نوع من أنواع الجرار ،ويطلق عليها البعض أحيانا “جرّة” وهى تُصنع من الفخار، وتتعدد أحجامها وأشكالها، فهي مخروطية الشكل قاعدتها أكبر من شفتها، تأخذ شكل حبة الكمثري، ولها رقبة أسطوانية الشكل، وبداخل الرقبة فتحات صغيرة من الداخل لتنظيم خروج الماء، يسمي “شباك”، وهو أشكال كثيرة، يتألف من زخارف بدائية التشكيل مخرمة لكتابات وحيوانات وأسماك، وقد اختفت الآن تلك الاشكال وأصبحت ثقوبا صماء جافة.

نشأة القلة قديمة، قدم الحضارات ذاتها، فصناعة القلة مسجلة على جدران كل من معبد الأقصر ومعبد حتشبسوت في مصر القديمة، بل إنها في الماضي كانت أحد العناصر الأساسية فى البيت، لكن هجوم المدنية والأجهزة الحديثة من ثلاجات ومبردات، جعلها تتراجع بل وتشرف على الانقراض والتلاشي من الذاكرة التراثية. لكنها مع ذلك، تقاوم الزمن بقوة، حيث لا يزال الكثير من الناس يحبون اقتناءها والشرب من مائها الرائق “المرصرص” والذي يعني المثلج دون أن يؤلم الأسنان أو الحلقوم أو المعدة.

وأشهر أنواعها “القلة القناوي” نسبة إلى محافظة قنا بجنوب مصر التى تشتهر بصناعة وإنتاج القلل، وهي نوعان، “القلة البيضاء” وتتميز بلونها المائل للبياض وطولها، والنوع الآخر أقل طولا، وتسمي “القلة الحمراء” وهى قلة لونها أحمر ولها يدان مثل ضفائر شعر الفتيات للامساك بها أثناء الشرب.

وللقلة غطاء مخروطي الشكل من نفس مادة صناعتها، يوضع عليها كي لا يقع فيها شيء، ً، ولأنه ينكسر بسهولة فقد تطور وأصبح هذا الغطاء من النحاس. وكنت اعتقد وأنا صغير أن هذا الغطاء يوضع على القلة كي لا يخرج المارد منها، ذلك المارد الذي يعوم ويلهو في مائها، و يمرض ويعاني الوحدة والانكسار والجفاف والقيظ إذا جف ماؤها، لذا فإن هذا المارد يظل ماردًا طيبًا وغير شرير كلما ظلت القلة التى يسكن فيها ممتلئة بالماء، ويحقق بعض الأمنيات لأصحاب البيت، وعندما يجف الماء فأنه يخرج غاضبًا ويبدأ في عقاب أهل البيت.

أما وقفة القلة فهى وقفة فريدة، فدائماً نراها هي وأخواتها في النوافذ، وقد وُضعن في “صينية القلل” وهي عبارة عن إناء دائري الشكل مصنوع من النحاس ويستخدم في حفظ القلل، وكذا في استخدامات بديلة لشطف الأيدي، وأنواع الصينية  تكون حسب ثقلها ومادة صناعتها، وقد كانت إحدى القطع الهامة في جهاز العروس.

لها في الريف مكانة

وللقلة في الريف وضع خاص بل، مكانة ومحبة خاصة، هي وزلعة الماء، حيث تُملأ القلل من الزلعة التى تأتي بها الفتيات فى الصباح الباكر من البئر العذبة أو من وابور المياه الذى يخرج ماء صافيا رائقا من باطن الأرض ليروى الزرع والناس أيضا، أو من الطلمبة الحبشية التى تخرج الماء أيضا من أعماق الأرض عذبا وصافيا. وقد كانت ربة البيت تهتم بنظافة قللها وزلعتها جيدًا، ربما أكثر من اهتمامها بنظافتها الشخصية، حتي لا يقال عليها: “القُصّة والمقصوص والزلعة مليانة سوس”، وهذا دليل على إهمالها وعدم اعتنائها.

كما كانت ربة البيت تراقبها على مدار اليوم حتي لا تخلو من الماء، لأن مد اليد للشرب منها ثم أكتشاف فراغها من الماء تأكيد على الإهمال وعدم العناية بل والتشاؤم أيضا من خلو البيت من البركة.

والقلة تصنع من الفخار وهو الطين المحروق، ويتم حرقها في أفران خاصة، والفخراني هو صانع الفخار، وقد أرتبط الفخار بالكثير من الممارسات السحرية الشعبية مثل “كسر قلة” وراء الشخص الذي لا يُرغب في عودته إلى المكان مرة أخري. لكن على الطرف الآخر هناك ممارسات سحرية خيَّرة تتمثل في بعض الكتابات أو الرسوم على القلل تدعو للتفاؤل وجلب الخير والسعادة، منها هذه الإشارات والرسوم على شبابيك القلل الإسلامية. وحتي الآن لا تزال القلة عنصرا أساسيا في احتفالية “سبوع المولود” خصوصا إن كان أنثى، بينما “الإبريق” للمولود الذكر.

ورغم أهمية القلة في التراث الشعبي المصري، فإننا لم نجدها في تفسيرات الأحلام إلا بمسمي “الجَرّة”، ولها الكثير من الدلالات، فمن رأى أنه شرب نصف مائها فقد نفد نصف عمره، وقيل الجرة إمرأة أو خادم أو عبد، وربما يختلف التأويل فقد حكي أن رجلاً أتى ابن سيرين فقال: رأيت كأني أشرب من قلة ضيقة الرأس.. فقال له: تراود جارية عن نفسها.

وقد أُخذ من القلة مصطلحان شهيران وهما “كسر الرقبة”، و”توسيع الزُور” وذلك عندما تتعقد بعض الأمور في حياتنا ونحتاج إلى أمر قاطع أو بعض المحايلة والصبر. واكثر من يستخدم القلل الآن بائعو الترمس والفول السوداني كذلك بائعو حب العزيز، حيث توضع لمن يريد أن يشرب كأنها سبيل لله. وقد كان من عادة بعض الناس أن يصّفوا أمام بيوتهم قللاً نظيفة ملأى في رمضان ليشرب منها المارُون وقت الإفطار. وشبهوا الكمثري بقلل الشربات، فقالوا “زي قلل الشربات يا كمثري”.

البحر بيضحك ليه

وإلى وقتنا الحالي يظل في الغناء الشهير وخاصة لفتيات الريف “البحر بيضحك ليه وأنا نازلة أدلع أملا القلل” ما يثير النفس ويملأها بالبهجة والحب، كما لا يفوتنا التذكير بتلك الأغنية الشهيرة التي كتبها الشاعر بديع خيري وقام بتلحينها وغنائها فنان الشعب “سيد درويش” والتي تبقى دليلا على الأصالة وعلى مواجهة القلة للمستعمر الإنجليزي، حيث كانت الأغنية تدعو إلى رحيل الانجليز عن مصر وذلك بكسر القلل خلفهم وكان مطلعها يقول: مليحة قوى القلل القناوى. رخيصة قوى القلل القناوى. قرب حدانا وخدلك قلتين. خسارة قرشك وحياة ولادك. ع اللى ماهواش من طين بلادك.”

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

إغلاق