منوعات

ثورة 1919: حدث غيّر مجرى حياة المصريين وكان مُلهما للعرب

“هز الهلال يا سيد، كراماتك لأجل نعيد.. يكفى اللي حصل، كام يوم ووصل، بقى زرع بصل.. ياما شفنا من الستات، طلعوا وعملوا مظاهرات.. هز الهلال يا سيد، كراماتك لأجل نعيد”.

 تلك الأنشودة التي كتبها بديع خيري ولحنها وتغنى بها فنان الشعب سيد درويش، احتفاء بثورة 1919، عادت وعاد صداها يتردد، مع إحتفال مصر، بمرور مائة عام على هذه الثورة الأم. غير أن هذا الاحتفال من قبل كثير من المثقفين المصريين، والعديد من الهيئات والمؤسسات الثقافية-الرسمية منها وغير الرسمية- جاء مصحوبا بطرح  تساؤل –يبدو خبيثا- من قبل البعض،هل تستحق ثورة 19 أن يتم الاحتفاء بمرور مائة عام عليها؟

يجيب أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، بجامعة القاهرة، دكتور محمد عفيفي على هذا التساؤل- بأن ثورة 1919، تعد- دون أى مبالغة -واحدة من أهم الثورات الشعبية في تاريخ مصر، والعالم العربي، حيث لعبت دورا هاما في التشجيع على اندلاع العديد من الثورات في العالم العربي. فوفقا للمؤرخين العراقيين، كانت ثورة 1919 في مصر، بمثابة المحرك لقيام ثورة العشرين ضد الإستعمار الإنجليزي في العراق، والتي اندلعت عام 1920.

Image result for ‫دكتور محمد عفيفي‬‎

دكتور محمد عفيفي

 ويشير عفيفي، الذي كان يتحدث خلال ندوة نظمتها وحدة أبحاث القانون والمجتمع، بالجامعة الأمريكية بالقاهرة- تحت عنوان “مئوية ثورة 1919 وإشكاليات في التأريخ والقانون” إلى أن ثورة 19 لعبت دورا في دعم الثورة في السودان عام 1924، والتي عرفت باسم ثورة على عبد اللطيف، الذي قال نجاح ثورة 19 في مصر، كانت بمثابة الدافع له للقيام بالثورة في السودان.

Image result for ‫الثورة السودانية 1924‬‎

كما أن ثورة 19، تركت أثرها على سوريا، حيث يؤكد المؤرخون السوريون على أن ثورة 19 كانت تمثل مفتاح الأمل الذي دعم قيام السوريين بثورة 1925، ضد الاستعمار الفرنسي، بالإضافة إلى تأثير ثورة 19، على الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث انطلقت حركة المقاومة الوطنية الفلسطينية عام 1920، مرورا بإنتفاضة البراك عام 1929، وصولا إلى الثورة الكبرى عام 1936، وفي كل ذلك يقول المؤرخون الفلسطينيون على أن ثورة 1919، في مصر، كان لها الفضل في دعم الحركة الوطنية الفلسطينية.

ثورة حققت أهدافها

ويؤكد عفيفي على أن معيار المؤرخ في الحكم على نجاح أي ثورة مختلف تماما عن حكم رجل السياسة، حيث يحرص المؤرخ على قراءة الحدث في سياق أبعاده الاجتماعية والتاريخية، في هذا الإطار يمكن النظر إلى ثورة 19 باعتبارها ثورة  حققت نجاحا كبيرا، اعتمادا  على كونها  تمكنت من تحقيق مطالبها التي اندلعت من أجلها. فالمطلب الأول المتعلق برفع الحماية البريطانية عن مصر  تحقق، وبغير رفع الحماية  لم يكن لمصر أن تكتسب أي شرعية دولية، فحين فرضت بريطانيا الحماية عام 1914، كانت مصر ولاية عثمانية، ولذلك فإن المشروعية الدولية لمصر قامت على ثورة 19 وما حدث بعدها من رفع للحماية البريطانية، وما ترتب عليها من إعلان ميلاد المملكة المصرية عام 1922، وقطع الصلة بالدولة العثمانية في 1923.

المتغير الثاني الدال على نجاح ثورة 19- وفقا لرؤية عفيفي- يرتبط بدستور 1923، ذلك الدستور الذي جاء إستجابة لمطالب كل فئات الشعب المصري، الذين كانوا يخرجون منذ عام 1914، يهتفون “الدستور يا أفندينا”. وهنا يؤكد عفيفي على أن ثورة 19 ودستور 23 لم يأتيا من فراغ، وإنما كانا نتاج نضال طويل للشعب المصري، بدأ مع النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

ويعتبر الدكتور عفيفي أن دستور 1923 كان منجزا تشريعيا وقانونيا كبيرا من منجزات ثورة 19، وقد  كان من الدساتير المتقدمة للغاية، إذا ما قيس بمعيار الفترة الزمنية التي صدر فيها، لافتا إلى أنه نص في مادته الثانية عشرة على أن “حرية الإعتقاد حرية مطلقة”، وهو مبدأ متقدم للغاية، فرض نفسه على الدساتير التالية عليه، إلى أن يختفي في دستور 1970. أما الإنجاز القانوني الهام الاّخر لثورة 19، إضافة لصدور دستور 23،  فتمثل في صدور قانون الجنسية المصرية، والذي شغل حيزا كبيرا من المناقشات التي دارت حول من هو المصري، وفكرة القومية المصرية.

ويختتم د. محمد عفيفي حديثه بالإشارة إلى التغير العظيم الذي شهده المجتمع المصري إبان هذه الثورة، والذي عبر عنه الفنان النحات المصري الكبير “مختار” حين اختار الفلاحة المصرية لتكون رمزا لمصر في تمثاله نهضة مصر، وهنا يذكرنا “عفيفي” بالمثل الشعبي الذي جرى تداوله قبيل ثورة 19، “إذا طلع من الخشب ماشة، يطلع من الفلاح باشا”، بمعنى إذا تمكن الشخص من أن يصنع من الخشب “ماشة” ليمسك بها الفحم المحترق، فسيتمكن الفلاح من أن يصبح باشا، فقد كان المجتمع ساكنا فى مكانه لا يتحرك  وجاءت تلك الثورة لتحدث فيه تغيرات هائلة، فأصبح بإمكان الفلاح أن يصبح باشا، كذلك التحول الهائل فى دور المرأة ونظرة المجتمع إليها، حيث خرجت النساء للمرة الأولي للمشاركة في أحداث الثورة في 16 مارس عام 1919، وما تبع ذلك من تغيرات جذرية شملت مجمل الحياة الاجتماعية في مصر.

قضايا وإشكالات

مئوية ثورة 1919 طرحت العديد من القضايا المتعلقة بالتوثيق التاريخي للأحداث الكبرى في مصر، وفي هذا السياق تشير منى أنيس مدير قسم التحرير بدار الشروق إلى العديد من المشكلات التي يعاني منها الأرشيف المصري بشكل عام، وقد ضربت مثلا على ذلك بإنتشار العديد من المزادات الدولية التي يتم فيها بيع الوثائق المصرية في الخارج.

منى أنيس

ومن واقع خبرتها في مجال العمل على الأرشيفات الوطنية البريطانية، رصدت “منى أنيس” وجود مئات المجلدات التي تتعلق بتاريخ مصر خلال فترة الإحتلال البريطاني، ومع ما تحمله هذه الوثائق من رؤية محدودة للأحداث التاريخية،- من وجهة نظر المحتل- إلا أنها تظل ذات أهمية لمجمل الباحثين في المجال التاريخي. وفي هذا الإطار توصي منى أنيس بضرورة أن تقوم مؤسسة ما- سواء كانت حكومية أو غير حكومية- بالعمل على نسخ هذا الأرشيف، حتي يتسنى للباحثين المصريين  الاستفادة منه، وذلك في إطار خطة عامة لتطوير المؤسسات المصرية التي تهتم بجمع الوثائق والمخطوطات، مع العمل على سن تشريع قانوني يتيح للباحثين حرية الإطلاع على هذا الأرشيف.

في هذا السياق  أيضا أوصي الكاتب الصحفي سيد محمود بضرورة العمل على تطوير بيت الأمة بإعتباره أحد أهم الاّثار المتعلقة بأحداث ثورة 1919.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق