رؤى

«عبء النوستالجيا»: الماضي حين يصبح خطرا على المستقبل

تعودنا أن نقصر الأشواق على الأزمنة الفائتة، بشخصياتها وأحداثها، وكأننا بلا مستقبل يمكن رسمه والاشتياق إليه بالمثل. مسكونون طوال الوقت بالماضي أكثر من انشغالنا بالحاضر.

ربما يعود ذلك إلى تعليمنا الذي يمجد الماضي بصور شتى على حساب الآتي، أو لانشغالنا المبالغ فيه بالموت بحيث لا نجد ضرورة للاهتمام بالحياة، أو بما هو أبعد من خطواتنا، في زمانها ومكانها. وقد يرجع الأمر إلى إحساسنا بفشل الحاضر، ومن ثم فإن تصوراتنا بشأن القادم تصورات يائسة؛ فما تأسس على فشل هو بالبداهة فاشل كأساسه. عملية  “الاشتياق إلى الماضي” ملازمة إيانا للأسف؛ فالواقع الذي لا يتجدد يعززها واضمحلال الوعي يقويها وغياب الثقافة التنويرية يقدمها على غيرها تقديما.

ولهذه  الحالة مصطلح  يوناني الأصل هو “النوستالجيا”، وهي كلمة من شقين معناهما الشوق والألم.. فهي تشير، في أصلها اليوناني – كما تقول المعلومات  المتوفرة بشأنها- إلى “الألم” الذي يعانيه المريض في إثر “حنينه” للعودة إلى بيته وخوفه من عدم تمكنه من ذلك للأبد.

المسألة نفسية تماما وفق هذا الإيضاح، لكن الأمم اليقظة نجحت في تخطي الحواجز النفسية مهما تكن متغاضية عن الآثار الضارة الفردية المحدودة. فلم تسمح لهذا الشعور بأن يتطور تطورا سلبيا عاما، كما تطور لدينا وشمل معظمنا تقريبا، بل حجَّمته وأحكمت ضبطه. فبمقدار ما كان للجميع حريتهم في مديح الماضي وتفضيله على سواه لو شاءوا، كان شرطها الوحيد، بالتربية القويمة وتنمية السلوك لا الإعلان الفرماني، ألا يقتلوا المستقبل بالماضي وألا يعطلوا الحاضر به، على عكس ما يجري في بلادنا ،التي فشا فيها الإيمان بالجذور ،وصار كقبضة فولاذية تتحكم في جميع الأمور.

نحن بحاجة ماسة إلى مستقبل علمي مضيء لا تغيب عنه الأخلاق الرفيعة. أما الغرق في بحور الذكريات، مع اجترار أفكار السابقين، فلن يفضي إلى مثله أبدا. فمستقبلنا المرجو مرهون بخلاصنا مما فات، والمعنى ليس تمزيق الغابر ولا التنكيل به، لكن وضعه في خانته الطبيعية والاستفادة منه بمقدار الطلب لا الإقامة الدائمة فيه والتغنى المستمر به.

جاء الوقت الذي يجب أن نناقش فيه القضية باستفاضة، منبهين لخطرها وطارحين فيها رؤانا على الملأ، ومنتظرين تفاعلا إيجابيا صادقا حولها، حتى لا نتأخر والخلق حولنا يتقدمون، ولا نهدر أشواقنا باتجاه واحد، وحقها أن ترفرف للأمام كما أهلكنا أجنحتها في الطيران إلى الخلف.

 

 خلخلة النوستالجيا

إن الإرهاب الذي نقاسي فظائعه لم يكن إلا نتيجة لهذا الحنين الماضوي القتّال.. فالإرهابي شخص يعيش كيانه في زمن حديث منجذبا بشدة إلى زمن قديم ،حتى أنه يحاكي الزمن القديم في شكل رجاله كما يحاكيهم في الآراء والأعمال بصورة تخصه طبعا. لا يبالي بانقطاعه التام عن زمنه بل لا يفقه أنه منقطع عنه بالأساس، وربما رأى أن الآخرين هم الغرباء عن الدين الذي يؤمن به.. الدين الذي ليس هو الإسلام النقي, كمثال، وإنما الإسلام الذي صهره بخواطره وقوانينه الشخصية، معتبرا نفسه، ومن اتبعوا خطاه، هم الناجون أصحاب الجنة.. ولا يتورعون جميعهم عن ارتكاب الخطايا الفاحشة (المبررة عندهم) من أجل إقامة دولتهم المنشودة المستنسخة “ذات الأعلام السوداء”.

لكي نخلخل ذلك الضلال الذي يسميه أصحابه بالحق المبين؛ علينا أولا أن نخلخل مسألة “النوستالجيا” التي هي المحرك الفعلي لهؤلاء المجرمين المجانين، الذين يذبحون رقاب البشر أسهل مما يذبحون رقاب الدجاج.

لا ينبغي أن يُفهم هذا الرأي بوصفه معاداة أو إهانة للماضي، أو رغبة في محوه بالمطلق. بل إن الهدف هو تخفيف ضغط الماضي على ما تلاه بمعاملته بلطف وذكاء لا بإهدار قيمته.

إن كثيرين ممن أقلقهم وجود التوحش باسم الدين في العالم، اعتمادا على القاعدة السلفية؛ طالبوا مطالب شتى، بعضها يستحيل عمليا، لكنهم وجدوها ضرورية لإنقاذ الدنيا من غدر التشدد الديني، منها إلغاء التعليم الديني أو الحد من انتشاره، وتنقية الكتب التراثية وتفعيل الحوار مع الكيانات المتطرفة، إلى جانب البعد الأمني الصارم الذي لا يمكن تجاهله مع أمثال هؤلاء الاعتقاديين المسلحين العتاة. لكن ما نطالب به هنا هو شيء أعمق، ربما لم يلامسه أحد بالكيفية التي يلامسه بها هذا الطرح، أن نبحث في الجذور بحثا استقصائيا محاولين العثور على مفاتيح أخرى خلاف المملوكة، تفتح لنا الطرق المغلقة.. وأهمها هو ضرب “النوستالجيا”، ولو برفق مبدئيا، وتوجيه الناس بأناة إلى النظر صوب المستقبل المهمل.

اّلة حديثة وفكر قديم

تقدمت الدنيا تقدما مذهلا فيما بعد الألفية الثانية.. اعتمدت على الحداثة كليا في إدارة أوجه الحياة المختلفة؛ فلم تعد البنايات الغاصة بالموظفين، حتى في القطاع الحكومي الفقير، تخلو من الأجهزة التكنولوجية المعقدة التي يعاملها أصغر واحد ببراعة لافتة.. حصل الأمر لدينا كما حصل في الغرب وفي البلاد العربية الأغنى من قبلنا، لكن بقي شيء يخصنا ويخص العرب ليس جميلا ولا مبشرا ،هو أننا جعلنا آلة الغد أسيرة ليوم أمس.

إنه الميراث الحزين.. التكرار الذي يورث البلبلة لا الأصالة، والانهيار لا الشموخ، والعصبية لا الوداعة.. أدعم ما أدعيه بحكايات الجدات والأمهات للصغار ببيوتنا؛ فبدايتها الأثيرة هي “ما كان في سالف العصر والأوان” ولا تبدأ مرة- بطول ما سمعنا- بالشموس القويات مخترقات الغيوم ،ولا بتوقعات سين التسويف وأمنياتها.. كأن خيالنا مات وسواعدنا عجزت؛ فلم يعد لنا إلا البكاء على الأطلال.

الوسوم

عبد الرحيم طايع

شاعر وكاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق