منوعات

«إذا تساوت المرأة مع الرجل عم الرخاء».. كتاب ينتصر لحقوق الجنس الناعم

إذا حصلت المرأة على حقوقها  وتساوت مع الرجل  عّم الرخاء، هذه هي الخلاصة التي يصل اليها كتاب نشر مؤخرا في الولايات المتحدة تحت عنوان ” المساواة للمرأة = الرخاء للجميع، وهو من تأليف كل من الخبير الاقتصادي والاستاذ الحالي بجامعة جورج تاون، “أوجوستو لوبيز كلاروس“، والكاتب والروائي الإيراني،”باهية ناخجافاني“.

ويعد هذا الكتاب الذي نشر لأول مرة في الولايات المتحدة في شهر أكتوبر من العام الماضي، أحد أول الكتب التي تقدم طرحا يربط مباشرة بين المساواة بين الرجل والمرأة من جانب، والتقدم الاقتصادي  والرخاء  من جانب آخر. حيث يوضح أن عدم المساواة بين الجنسين، سواء في التعليم أو الاقتصاد أو القانون أو الرواتب، أدى إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار في جميع فئات المجتمعات التي تمارس هذا التمييز ضد المرأة.

ويربط الكتاب مباشرة بين التفاوت على أساس نوعية الجنس، وبين الاضطرابات السياسية، ويبرز دور القوانين التمييزية في قمع المرأة، ويقدم خريطة مختصرة لما يتعين عمله لدفع المجتمعات صوب مزيد من المساواة على أساس النوع، والتي تعنى ألا تعتمد الحقوق والمسئوليات والفرص المتاحة للنساء والرجال على كونهم ولدوا ذكورا أو إناثا ،ولكن على التوزيع المتساوي للمقدرات الاقتصادية وللفرص والقدرة على التأثير اعتمادا على الجدارة والكفاءة.

يبدأ الكتاب، الذي يقع في 312 صفحة من القطع المتوسط، بشرح كيفية تجذر التمييز ضد المرأة في جميع دول العالم تقريبا، وذلك عبر الدساتير والقوانين المدنية  وقوانين الأسرة والضرائب والعمل. ويبدأ من حيث انتهى تقرير البنك الدولي الذي بحث قوانين 189 دولة تمثل 98% من الناتج الاقتصادي العالمي، وكشف أن قوانين التمييز تؤدي إلى مجتمعات متفاوتة بدرجة كبيرة، خاصة فيما يتعلق بالدخول وفرص العمل والملكية، وتثبط المرأة  وتحول دون انضمامها إلى القوى العاملة والانخراط في المجتمع المدني، وهو ما يتمخض عنه – ليس فقط مجتمعات مفككة وطبقية، وإنما أيضا فجوات ضخمة في معدلات مشاركة المرأة في سوق العمل والسياسة والتعليم مقارنة بالرجل على المستوى العالمي.

وكان لوبيز كلاروس قد ترأس وحدة في البنك الدولي أنتجت تقارير مهمة عن أوضاع المرأة من شاكلة “Women, Business and the Law” (المرأة والعمل التجاري والقانون)، كما كتب ناخجافاني العديد من الروايات التي تناولت هذه القضية بعمق، مثل رواية “The Woman Who Read Too Much” (2007) (المرأة التي تقرأ أكثر من اللازم).

اّثار مدمرة

بين دفتي الكتاب، يغوص الكاتبان في أعماق الأوضاع المتدنية التي تعيشها المرأة في الوقت الراهن، حيث تواجه معدلات مرتفعة

من العنف وفرصا أقل في التعليم والعمل، ويحذران من أن التأثيرات السلبية المتسارعة لعدم المساواة سيكون لها آثار مدمرة على الجميع، خاصة إذا استمرت بهذه الوتيرة المخيفة. لكن الأهم هو أن الكاتبين يتجاوزان بكفاءة حدود الجدل الثقافي والأيديولوجي، ويؤكدان أن عدم المساواة على أساس النوع، لا يمثل فقط سقوطا أخلاقيا، وإنما تبديدا مدمرا للموارد الاقتصادية، ومن ثم، فإن أي تخطيط اقتصادي لا يقوم على مواجهة هذه القضية يمثل ضربا من العبث.

في هذا السياق يقارن الكاتبان بين اقتصادات الدول القائمة على التمييز بين الجنسين، وتلك التي تعزز المساواة الحقوقية بين الجنسين، بما يُظهر – بجلاء – التداعيات السلبية التي يتركها عدم المساواة على الاقتصادات المحلية والإقليمية والعالمية على السواء.

ويجمع الكتاب بين البحوث العميقة في تخصصات مختلفة ليبرهن على المعادلة الحسابية البسيطة التي يعرض لها عنوانه، ويقدم دليلا قاطعا على ضرورة قيام الحكومات بمنح الأولوية للمساواة بين الجنسين لأسباب – بعيدا عن الجوانب الأخلاقية والثقافية والأيديولوجية – تتعلق بالأساس بالاستقرار الاقتصادي.

ويتناول لوبيز كلاروس وناخجافاني العديد من طرق استعباد المرأة، بما في ذلك النمو السكاني وقتل الأطفال، والعنف ضد المرأة بأشكاله المختلفة، والعمل، ودور الثقافة، والحقوق، والحريات، والمنظومة التشريعية والقانونية، وتعليم الفتيات.

تكلفة باهظة

تكمن أهمية ” كتاب “المساواة للمرأة = الرخاء للجميع في أنه يدفع بالقارئ دفعا نحو التفكير في الكفاءة الاقتصادية من منظور جديد، ورؤية الإسهامات المهمة التي تقدمها المرأة في مجال الصحة والرفاة في. ويؤكد الكتاب أن التكلفة التي سيتكبدها الاقتصاد العالمي ومجتمعاتنا المحلية سترتفع إلى درجة كارثية إذا واصلنا تجاهل الظلم الواقع على المرأة، والذي يشكل عقبة كؤودا أمام التقدم الاقتصادي. ويستكشف الكاتبان تداعيات الإبقاء على المرأة خارج المعادلة ويحددان تكلفة المظالم التي تُعانيها  المرأة على المستويين الاجتماعي والاقتصادي.

بينما قد يبدو من المبالغة المستهجنة وضع لافتة بالأسعار على قضايا حساسة، مثل تشويه الأعضاء التناسلية للمرأة والعنف المنزلي والقتل، يؤكد الكاتبان بلباقة أن التحديد الكمي للتكلفة الحقيقية التي تكبدها هذه الفظائع للاقتصادات المحلية والعالمية يمكن أن يشجع على اعتماد ميزانيات أكبر لمواجهة هذه القضايا. ولضمان مزيد من المصداقية والتأثير، كان يمكن للكتاب أن يقدم مزيدا من نماذج الخبرات الفردية التي عايشتها بعض النساء لتوضيح وتوثيق مادته النظرية. ولكن في ظل غياب هذه النماذج وتلك الخبرات يقدم الكتاب رؤية كونية أكثر شمولية للسياسة والتطبيق.

ففي الفصل الذي يحمل عنوان “سؤال الثقافة” (The Culture Question)، يفند الكاتبان الشكوك حول العلاقات المتداخلة بين الجنس والثقافة، ويحللان بعمق المخاوف المثارة من  مواجهة الأصول الثقافية لعدم المساواة بين الجنسين، والتي لا يمكن أن يؤدي الصمت عنها إلى تحقيق أي تقدم على هذا الصعيد.

Related image

أفكار عميقة

وكما يحدث عادة، عندما تتطرق مناقشات حقوق الإنسان إلى المرأة، فإن الاهتمام يتحول إلى قضية المحافظة على الثقافة. لكن الكاتبين يفككان هذا التوجه، ويقدمان أفكارا عميقة تتعلق بإمكانية إعادة تعريف الثقافة من منظور المحفزات الاقتصادية، ويستدعيان خبرات مجتمعات الشتات كنموذج على ذلك. فبمجرد إقصائها عن القيود الاقتصادية الخاصة بالدولة، تزدهر العديد من مجتمعات الشتات، حيث تتولى النساء زمام القيادة في المواقع والمناصب الاجتماعية والاقتصادية. تكشف هذه الظاهرة بجلاء عن الدور المحوري الذي تقوم به المحفزات الاقتصادية في تحديد ملامح الموقف من مسألة النوع، كما أن الأدلة التي أوردها كل من لوبيز كلاروس وناخجافاني في هذا الفصل تصلح أن تكون أساسا يستند إليه صانعو السياسات من أجل التراجع عن المبرر الثقافي عند محاولة فرض تغيير مؤسسي.

لم يقدم الكتاب ما يشبه الدليل الإرشادي لإحداث هذا التغيير، مثلما لم يقدم حلولا جذرية للقضايا التي عبر عنها بقوة ووضوح؛ وهو ما يجعل العديد من القراء في انتظار جزء ثان من الكتاب يبحث تدخلات السياسة العامة بتنوعاتها، من أجل خلق التحول الذي ينشده لوبيز كلاروس وناخجافاني لتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد الاقتصادية على المستويين المحلي والعالمي الذي يفضي إلى تحقيق الكفاءة الاقتصادية التي يبشران بها.

رغم ذلك، يظل هذا الكتاب خريطة مثالية لصانعي السياسات الذي يحتاجون إلى فهم الصورة الأشمل للامساواة  على أساس النوع  وتداعياتها؛ حيث استخدم الكاتبان لغة واضحة، وعضّدا نظريتهما بنماذج وحالات من جميع أنحاء العالم. كما قدم هذا الكتاب إلى القراء  أفكارا رصينة وتحليلات عميقة للروابط العديدة بين ظلم المرأة من جانب والركود الاقتصادي وعدم تدخل رجال السياسة لرفع هذا الظلم بحجة السيادة الوطنية أو الثقافية من جانب آخر.

 

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق