رؤى

الاستبداد الخفي ( 2-3): «جوجل».. القوة المخيفة التي تتلاعب بعقول وخيارات المستخدمين

لفهم كيفية عمل الأساليب الجديدة للهيمنة على العقول، يجب أن ننظر أولا إلى محركات البحث عبر الإنترنت، وتحديدا  محرك البحث العملاق “جوجل”، وهو محرك البحث الأهم والأفضل على الإطلاق.

وهنا يشير” روبرت إبشتاين”  في مقالته التي حملت عنوانحملت عنوان The New Mind Control. “Subliminal Stimulation”, Controlling People without their Knowledge (الهيمنة الجديدة على العقل. “التحفيز اللاشعوري”، الهيمنة على الناس دون علمهم) إلى أن أهمية وانتشار هذا المحرك بلغا الحد الذي شاع معه استخدام اسم الشركة كصيغة ’فعل‘ في العديد من اللغات في جميع أنحاء العالم. فقيامك بـ “جوجلة” شيء ما يعني البحث عنه على محرك البحث “جوجل”، وهذه في الواقع هي الطريقة التي تعمد إليها حاليا الغالبية الغالبة من مستخدمي شبكة الإنترنت في جميع أنحاء العالم، للحصول على معلومات في شتى ميادين المعرفة. فقد أصبح “جوجل” النافذة الرئيسة إلى كل أنواع المعارف، وذلك بسبب كفاءة هذه  الآلة البحثية الجبارة في تقديم المعلومات التي نبحث عنها بدقة بالغة ،وفي الحال وعلى الدوام، خاصة من خلال النتائج الأولى التي تظهر على رأس قائمة “نتائج البحث”.

Related image

سر غامض

يوضح إبشتاينأن ترتيب النتائج في ’نتائج البحث‘ أثبت فعالية كبيرة؛ حيث أن 50% من نقراتنا تذهب إلى أول نتيجتين، وأكثر من 90% إلى النتائج العشر المدرجة في الصفحة الأولى من نتائج البحث. وقلما يحتاج مستخدمو “جوجل” إلى الذهاب إلى الصفحات التالية برغم أن أعدادها قد تبلغ الآلاف، مما يدل على أن الصفحات الأولى تحوي معلومات قيمة وكافية. لكن “جوجل” وحده هو من يقرر الصفحات التي تتضمنها نتائج البحث، من بين صفحات الويب التي تحصي مليارات، وهو أيضا من يقرر ترتيبها وتصنيفها. أما الأسس التي تنبني عليها هذه القرارات فتبقى سرا غامضا، بل أحد أكثر الأسرار في العالم التي تستعصي على سبر أغوارها، “مثل سر معادلة كوكا كولا”.

ولأن مستخدمي “جوجل” ينقرون على الأرجح على النتائج عالية التصنيف، فإن الشركات تلجأ حاليا إلى إنفاق مليارات الدولارات سنويا في محاولة لخداع خوارزمية بحث “جوجل” من أجل رفع تصنيفها درجة أو درجتين. فالتحرك درجة واحدة باتجاه أعلى صفحات نتائج البحث يمكن أن يرسم الحد الفاصل بين النجاح والفشل لأحد المشروعات التجارية. أما الوصول إلى تصنيفات المقدمة واعتلاء مواقع القمة فيعني أرباحا طائلة وثروات لا حد لها.

Image result for Robert Epstein

Robert Epstein

توجيه الخيارات

وفي نهاية عام 2012، طرح إبشتاين سؤالا مهما: هل يمكن أن يتجاوز تأثير نتائج البحث عالية التصنيف الخيارات الاستهلاكية؟ وهل تترك نتائج البحث التي تقبع في المقدمة تأثيرا ولو طفيفا على آراء مستخدمي جوجل في الموضوعات التي يبحثون عنها؟

في بداية 2013 وضع روبرت إبشتاين – بمساعدة رونالد روبرتسون، الباحث في المعهد الأمريكي للبحوث السلوكية والتكنولوجيا، في كاليفورنيا – هذه الفكرة موضع الاختبار، وذلك عن طريق إجراء تجربة تم خلالها تقسيم 102 فرد من منطقة “سان دييجو” عشوائيا إلى ثلاث مجموعات. في إحدى المجموعات، اطلع المشاركون على نتائج البحث التي تفضل أحد المرشحين السياسيين (أي النتائج التي ترتبط بصفحات ويب تجعل هذا المرشح يبدو أفضل من منافسه). وفي المجموعة الثانية اطلع المشاركون على تصنيفات البحث التي تفضل المرشح المنافس. أما في المجموعة الثالثة – وهي المجموعة الضابطة – فقد اطلع المشاركون فيها على مزيج من التصنيفات التي لم تفضل أيا من المرشحين. وقد أتيحت لجميع المشاركين من نفس المجموعة نتائج البحث وصفحات الويب نفسها، أما الاختلاف الوحيد فكان في ترتيب هذه النتائج.

رونالد روبرتسون

في البداية، طلب الباحثان من المشاركين تصنيف المرشحين والتصويت لأحدهما قبل الاطلاع على نتائج البحث على موقع “كادودل” – وهو محرك بحث وهمي استخدمه الباحثان – اعتمادا على معلوماتهم البسيطة المسبقة عنهما، إضافة إلى معلومات موضوعية قدمها لهم الباحثان. ولجعل نتائج التجربة أكثر واقعية، استخدم الباحثان انتخابات رئاسة الوزراء في أستراليا في عام 2010 (بعيدا عن الولايات المتحدة الأمريكية) لضمان موضوعية وحيادية المشاركين.

كانت النتائج مذهلة. فقد زاد عدد المشاركين الذين صوتوا لصالح المرشح المصنف أولا في نتائج البحث من المجموعتين الأولى والثانية (المتحيزتين) بنسبة 48.8% عن نتائج التصويت السابق على الاطلاع على نتائج البحث، وهي نسبة تفوق كثيرا ما توقعه الباحثان. أما في المجموعة الثالثة (الضابطة)، فلم تختلف نتائج التصويت الثاني (الذي أعقب الاطلاع على نتائج البحث على “كادودل”) كثيرا عن نتائج التصويت الأول (الذي سبق الاطلاع على نتائج البحث على “كادودل”).

بدا هذا التحول في آراء المشاركين انتصارا علميا ساحقا، وبدا التغيير الناتج عن استخدام “جوجل” – الذي أطلق عليه الباحثان Search Engine Manipulation Effect (SEME) (تأثير تلاعب محرك البحث) أحد أكبر التأثيرات السلوكية التي تم اكتشافها. ولتعميم نتائج التجربة، قام الباحثان بتكرارها أربع مرات على أعداد مختلفة من مناطق مختلفة، وكانت المرة الثالثة على أكثر من 2000 مشارك من جميع الولايات الأمريكية البالغ عددها 50 ولاية. وعبر التجارب، قام الباحثان بتقليل حدة التحيز (أو ما أطلقا عليه ’إخفاء التحيز‘) في الصفحة الأولى من نتائج البحث عن طريق إدراج نتيجة لصالح المرشح المنافس في المرتبة الثالثة أو الرابعة، إلا أن هذا لم يؤثر على التغيرات الدراماتيكية التي تنتج عن الاطلاع على نتائج البحث على الإنترنت.

Related image

تجربة عملية

لكن سؤالا آخر بدأ يلح على إبشتاين وروبرتسون: ماذا لو أجريت التجربة ذاتها على انتخابات محلية في ذروة حملة انتخابية حقيقية يعايشها المشاركون كمصوتين حقيقيين، ويطلعون خلالها على مصادر لا تحصى للمعلومات، إضافة إلى مخزوناتهم المعلوماتية عن المرشحين؟ هل تترك معاينة نتائج بحث “جوجل” التأثير نفسه على التوجهات التصويتية للناخبين؟

للتحقق من النتيجة، انتقل الباحثان في بداية عام 2014 إلى الهند قبيل بدء التصويت في أكبر انتخابات ديمقراطية في العالم، التي تحدد رئيس وزراء البلاد لمدة خمس سنوات. شملت هذه الانتخابات عددا من المرشحين كان أبرزهم راهول غاندي وأرفيند كيجريوال ونارندرا مودي. وشملت التجربة 2150 مشاركا من المدرجين في قوائم الناخبين، والذين لم يقرروا بعد خيارهم التصويتي، واتسع التمثيل الديموجرافي ليغطي 27 ولاية وإقليم من ولايات وأقاليم الهند البالغ عددها 35 ولاية واقليما.

Related image

انتخابات الهند 2014

وبرغم توقع الباحثين أن “تأثير تلاعب محرك البحث” سيتراجع بدرجة كبيرة، أو سيتلاشى تماما في هذه التجربة، إلا أن النتائج جاءت تماما عكس التوقعات. ففي المتوسط أدى “تأثير تلاعب محرك البحث” إلى تغيير التوجهات التصويتية بنسبة تزيد على 20% بصفة إجمالية، وتزيد على 60% في بعض الجماعات الديموغرافية. وأكد 99.5% من المشاركين أنهم لم يكتشفوا حقيقة تحيز التصنيفات البحثية، أو بعبارة أخرى أنهم “تعرضوا لعملية تلاعب خبيثة بأفكارهم”.

ويبرز إبشتاين بعدا آخر مهما في هذه التجربة. فالقدرة على إخفاء ’تأثير تلاعب محرك البحث‘ تعني أنه عندما يطالع مستخدمو “جوجل”، “بمن فيهم أنا وأنت”، تصنيفات بحثية متحيزة “سيبدون بخير حال” ولن يشعروا باي غضاضة. لذا، “إذا قمت الآن بالبحث على جوجل عن ’مرشحي الرئاسة الأمريكية‘، فإن النتائج البحثية التي ستظهر لك ستبدو عشوائية تماما حتى لو كانت في صالح أحد المرشحين، ولن يستطيع أحد – بمن فيهم إبشتاين نفسه الذي اثبت تحيز التصنيف البحثي في “جوجل”– اكتشاف هذا التحيز بسهولة.

 

قوة غير مرئية

ويخلص “إبشتاين” إلى أن الأمر مرعب أكثر مما نظن: “على غرار المحفزات اللاشعورية، فإن ’تأثير تلاعب محرك البحث‘ يمثل قوة خفية لا يمكن رؤيتها، ولكن على عكس هذه المحفزات فإن “تأثير” هذا التلاعب يترك أثرا عميقا على الفكر، مثل لعبة كاسبر‘، الشبح يدفع بك إلى أسفل الدرج”.

وقد توصل الباحثان، اللذان نشرا تقريرا مفصلا عن نتائج تجاربهما الخمس الأولى الخاصة بـ”تأثير تلاعب محرك البحث” في دورية “وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم” المرموقة في أغسطس 2015، إلى نتيجة مهمة فعلا، خاصة فيما يتعلق بهيمنة “جوجل” على البحث. فجوجل يحتكر عمليات البحث على الإنترنت في الولايات المتحدة، حيث يخصص 83% من الأمريكيين موقع “جوجل” باعتباره محرك البحث الوحيد الذي يستخدمونه، وفقا لما نشره مركز “بيو” للأبحاث. لذا، إذا كان “جوجل” يفضل أحد المرشحين في انتخابات ما، فإن تأثيره على الناخبين – خاصة الذين لا يمتلكون توجهات مسبقة – سيؤثر حتما وبسهولة على نتائج الانتخابات.

يمكن الاطلاع على النص الأصلي للمقال باللغة الإنجليزية من هنا 👉

 

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: