الحدث

في يوم عيدها: من «أم البشر».. إلى «أم الدنيا».. الأمومة أصل الأشياء

هي الرحمة بلا حدود.. هى الواحة و الراحة.. هى الحنان الذى لا ينفد والحب الذى لا ينضب.. طاقة العطاء المفتوحة وسنبلة الخير الممنوحة من رازق العباد وواهب الحياة.. الأم – كتعبير مطلق – هى الحياة على اتساعها.

والأم بالتأكيد لفظ مؤنث، لكنها حين تزداد أنوثة تصبح فى عاميتنا المصرية «أَمَّة» بفتح الألف وتشديد الميم المفتوحة، أما حين نضم الألف مع تشديد الميم المفتوحة فانها تصبح «أُمَّة» وهى جمع من البشر يتفاعل في المصالح والتقاليد، فإذا خفضت تشديد الميم مع فتحها وفتح الألف تتحول إلي ( أَمَة ) أي الجارية، وبين الأُمّة المشددة والأَمَة المحررة تقع المرأة الشرقية، وتثور، وتناضل أيضا.

أم أبيها

و «أُمُّ» كل شيء: أصله وما يجتمع إليه غيره، لذا نجد: أُمُّ البَشَرِ حَوَّاءُ، وأم الكتاب سورة الفاتحة، وأم القرى مكة، ويقال عنها أيضا أم الرحمات، وأم أبيها السيدة «فاطمة الزهراء»، وكان الرسول «ص» يناديها ب «أم أبيها» لأنها كانت تراعيه كما تراعي الأم ولدها.

وأم المؤمنين لقب يطلق على جميع زوجات النبي «ص»، لكن أكثر من أطلق عليهن لقب أم المؤمنين كانت السيدة عائشة بنت أبي بكر، زوجة النبي «ص»، وأم معبد وهي واصفة الرسول، وهي صحابية استضافت النبي محمد «ص» في خيمتها أثناء رحلة هجرته مع صاحبه أبى بكر الصديق من مكة إلى يثرب. وقد سألها صلى الله عليه وسلم، شراء شيء يأكلانه، ولم يكن عندها شيء، فرأى النبي شاة لها هزيلة، فاستأذنها في حلبها، فلم تمانع، فوضع يده على ظهرها وسمى الله ثم دعا بالبركة، فامتلأ ضرعها لبنًا، فشرب هو وصاحبه ثم رحل.

.أم هاشم، وأم العواجز، لقبان يطلقان على السيدة زينب الطاهرة الشريفة، حفيدة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم،  صاحبة المقام الشهير بالقاهرة.

ويظل الدين الاسلامي أكثر دين سماوي أوصي بالأم ومكانتها، وكرر تلك الوصية، فقال سبحانه: «ووصّينا الإنسان بوالديه حَملته أمه وَهْناً على وهن، وفِصاله في عامين أنْ اشكر لي ولوالديك إليّ المصير»، بينما يقول الأمام الشافعى فيها: وَاخْـضَـعْ لأُمِّــكَ وأرضها، فَعُقُـوقُـهَـا إِحْـدَى الكِبَــرْ، ويقول شاعر النيل حافظ ابراهيم: الأُمُّ مَـدْرَسَــةٌ إِذَا أَعْـدَدْتَـهَـا..أَعْـدَدْتَ شَعْبـاً طَيِّـبَ الأَعْـرَاقِ.

ويوجد بعض النساء أطلق عليهن اسم الأم كصفة، مع إنهن لم ينجبن، كالسيدة صفية زغلول «أم المصريين» وهي زوجة الزعيم سعد زغلول، وابنة مصطفي فهمي باشا رئيس وزراء مصر، لقبت بأم المصريين إثر مشاركتها في المظاهرات النسائية ابان ثورة 1919. وقد عاشت مع الزعيم سعد زعلول في بيت الأمة – بمنطقة المنيرة بوسط القاهرة.

صفية زغلول «أم المصريين»

أم الدنيا

وإذا ما تركنا بيت الأمة في منطقة المنيرة بوسط القاهرة واتجهنا شرقا ناحية مقام سيدنا الحسين سنجد بجواره ضريح «أم الغلام»، وله بعض الحكايات الشعبية الأسطورية، حيث يقال: أنه عندما حدثت موقعة كربلاء ووقع الكرب والبلاء وقطعت رأس سيدنا الحسين، طارت رأس سيد الشهداء لتعبر البلدان وتهبط فى حجر سيدة فلاحة بسيطة تكنى بأم الغلام، وعلمت الفلاحة لمن هذا الرأس الشريف وعلمت أن جنود يزيد بن معاوية قد جاءهم الأمر ليبحثوا عن الرأس الشريف فى شتى بقاع الأرض وانهم سيصلون الى مصر خلال أيام، وقررت الفلاحة أن تحمى رأس الحسين لتقوم بافتدائه برأس ابنها الغلام، وهكذا عندما جاء جنود معاوية أعطتهم أم الغلام رأس الغلام بدلاً من رأس الحسين رضى الله عنه التى دفنتها أمام بيتها، وأم النور هي المدبرة المعالجة، صاحبة البركات والنفحات، وهي مريم بنت عمران، السيدة العذراء والده سيدنا عيسي المسيح، ويقال عنها «أم النور تدبر الأمور»، والأم تريزا راهبة ذات اصول ألبانية كانت تدعو للصلاح والحب برفقة مجموعة ضخمة من الأطفال المشردين والعجزة وكانت تعني بهم وترعاهم، حازت على جائزة نوبل للسلام عام 1979، وتوفيت في كلكتا في 5 سبتمبر 1997 م بعد مرض عضال. اسمها الأصلي آغنيس جونكزا بوجاكسيو.

وتشتهر مصر بلقب «أم الدنيا» ويعتقد الكثيرون أن السبب وراء تسمية مصر بهذا الاسم هو المزايا والخيرات التي منحها الله سبحانه وتعالى لمصر وتميزها عن غيرها من البلدان، ولكن هذا خطا شائع، فتسميتها بذلك الاسم، يعود إلى السيدة هاجر زوجة سيدنا إبراهيم، وأم سيدنا إسماعيل، وكان يطلق عليها أم العرب، حيث أنها كانت مصرية ومن قرية اسمها الفرما فى مصر.

وإذا تركنا حجر الأم وبدأنا في الانطلاق والمشاغبة، سنجد أنواعاً مرعبة من حشرات وعناكب، فنجد «أم أربعة وأربعين»: وهي دويبة سامة كثيرة الأرجل ومخيفة، لذا يطلقها البعض على بعض السيدات اللاتى يظهرن الكثير من الحسد والخداع والمكر في حياتهن، و«أم قويق» وهي البومة، ذات رأس مستدير ورقبة مسطحة وسيقان طويلة. ويقال عليها  أيضا أم السهر، وهي تعيش في كثير من الأماكن، وتكنى بها أيضا المرأة كثيرة المشاكل والشجار أينما حلت. وأكثر الحيوانات التي تحمل اسم أم هو الضبع ويختلف اسمه حسب المنطقة خاصة المناطق الصحراوية، فنجده يُطلق عليه: أُمُّ رِمَالٍ، وأم جعار، وأم عامر، وأم عمرو، وأم جابر، وهناك أيضا أم حلس وهي الأتان أي أنثى الحمار، وأشهر أتان في التاريخ تلك التى حملت سيدنا المسيح عيسي وأمه مريم بنت عمران وبرفقتهما يوسف النجار في رحلتهما المقدسة إلى مصر،

وهناك أمنا الغولة، اسطورة شهيرة عن المرأة التى تخرج من الترعة ليلاً وتنادي على من يسير وراءها ثم تخطفه ولا يعود، وكانت تلجأ لحكايتها الأمهات لإخافة صغارهن كي يناموا ولا يتمادون في السهر، وأم الشعور امرأة اشتهرت بإداء الألعاب البهلوانية، وكانت تستطيع أن تسير فوق الحبل على ارتفاع كبير، وتحمل معها شاة صغيرة فتذبحها كأنها تسير فوق الأرض، عاشت في عصر الخديوي اسماعيل بمصر.

وفي الأمثال يقال «أم الأخرس تعرف بلغي ابنها» أي إن أم الأخرس الأصم تتعود على إشارة ابنها وتعرف لغته وتفهم ما يريد، و«الأم تعشش والأب يطفش» والمراد أن الأم تحوط على صغارها وتحنو عليهم، وهو مثل يضرب لحنان الأم، و«أم قويق عملت شاعرة في السنين الواعرة» أي أن البومة لا تحسن إلا الصياح في الأماكن الخربة، فمن العجائب أن تدعي نظم الشعر.

مقام السيدة زينب «أم هاشم»

أمومة.. وتأميم

وكل فتاة منذ صغرها تحلم بحلم الأمومة، نرى هذا واضحًا في البنات الصغيرات وهن يلعبن بعرائسهن ويحتضننها، فعاطفة الأمومة مرتبطة ارتباطا بيولوجياٌ بالأنثي – أي أنثي – وبالتالي فإننا نغضب ونثور ونعتبره أمرا غير طبيعى عندما تترك الأم أبناءها رغبة في زوج جديد أو حلم تحلم به بمفردها، ونتجنبها لهذا السبب ونخشي منها لعدم فهمها تلك العاطفة الربانية.

ولأن حضن الأمومة وحجرها يتسع للكثير، جاء منه التأميم، وهو اخضاع عدد من الشركات والمؤسسات للدولة، وكأن أشهر تأميم في التاريخ الحديث، تأميم البترول في عهد مصدق بإيران في منتصف اربعينيات القرن الماضي، وتأميم قناة السويس في مصر عام 1956، وبسببه تم العدوان الثلاثى على مصر. وكثير من دول العالم لجأت للتأميم في فتراتها التاريخية الحرجة، وهو ما اتبعه أن صارت الحكومة أمًا للشعب فى تلك الفترة الصعبة، إلا أن شعوبها لم تدرك هذا، وظلت عاشقة لهذه الأمومة الحكومية دائما، حيث يلجأ الناس في كل تصرفاتهم لحكوماتهم، حتي بعد أن صارت حكوماتهم أمهات عاجزة كسيحة لا تقدم لهم أي شيء.

وإذا ما استرحنا من تلك الرحلة، فسنعود – حتما – إلى حضن الأم، حيث نحتفل بعيدها في بداية شهر الربيع من كل عام، وتحديدا في اليوم الواحد والعشرين من شهر مارس ويكون جميلا أن نلتهم بعضا من «أُمُّ الخُلول» وهو حيوان بحريّ من الرخويات، عبارة عن محارة صغيرة الحجم بيضاء الصَّدفة، تكثر في البحر المتوسِّط تُملَّح وتُؤكَل، وبجواره طبق من «أم جابر»، وهو طعام شهي من الحب المدقوق واللحم، بعدها سنختم تلك الوجبة العامرة بطبق «أم على» ممتلئ بالرقاق والسكر وغارق في الزبدة واللبن الدافئ الشهي، وحيث يكون مناسبا أن نستمع لـ «أم كلثوم» وهي تشدو بإحدي أغنياتها أو نستمع لفايزة احمد وهي تغني اغنيتها الخالدة: «ست الحبايب»

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق