مختارات

القاهرة.. الفرار إلى الكهف

كثيراً ما أعاود قراءة قصيدة «الطيور» لأمل دنقل وأتأمل الصورة الفنية التى رسمها وهو يصف الطيور التى يتجدد فرارها كل صباح لتحلق فى السماوات اتقاءً لركلة الرجل ونبلة الطفل. وقد تذكرت هذه الصورة الجميلة وأنا أفكر فى كتابة هذه المقالة الثالثة عن مدينة القاهرة لأرصد فيها فرار قطاعات من أبناء الطبقة الوسطى إلى خارج المدينة أو داخل المدن الجديدة التى أحاطت بالمدينة غرباً وشمالاً وشرقاً. وقد جئت بالصورة الشعرية لأمل دنقل حول فرار الطيور لكى أقدم تفسيراً ربما يكون جديداً ومختلفاً لهذه الظاهرة المطردة الحدوث.

وأبادر بالقول إننى لا أنظر إلى فرار بعض أبناء الطبقة الوسطى ممن اتيح لهم تميز مادى معين إلى سكنى المنتجعات المسيجة على أنه يشبه فرار الطيور فى الصورة الدنقلية، فهذا الفرار للطيور هو فرار متجدد يبحث عن آفاق متجددة للحياة والعيش، ويعاود الحط والطيران كل يوم دون ملل أو كسل رغم قسوة ضربات «النبل وركلات الرجل». أما فرار الطبقة الوسطى فهو فرار دائم لا إلى الآفاق الرحبة الواسعة، وإنما إلى الحبس والانغلاق خلف الأسوار، بحيث يبدو الأمر كأن هذه الجماعات المتميزة مادياً من أبناء الطبقة الوسطى يخلقون لأنفسهم سياجاً من العزلة يتيح لهم عوالمهم الخاصة بعيداً عن صخب المجتمع ومشكلاته المتزايدة.

ومن ثم فإنه فرار ابتعاد وعزلة. ولذلك, وباستعادة المقارنة مع صورة الطيور النادرة, فإنه فرار الكن والتسّيج الذى قد ينتهى بالقعود. ولكن ألا يشكل هذا حكماً متسرعاً وقاسياً على أحوال الطبقة الوسطى؟ ولكنى ابادر بالقول بأن حديثى هنا ليس حكماً أو اتهاماً، بقدر ما هو محاولة لطرح فرضية للنقاش تتعلق بثقافة الطبقة الوسطى التى شكلت مسار حياتها خلال السنوات العشرين الماضية.

لقد طرحت فى المقال السابق حديثاً حول تحول ثقافة الطبقة الوسطى، وتحولها من التركيز على الجوانب المعنوية إلى الجوانب المادية، ومن الروح الجمعية إلى الروح الفردية، ومن الاهتمام بالشأن العام إلى التمحور حول المصالح الفردية. وتطبيقاً على مدينة القاهرة أكدنا أن هذا التحول فى ثقافة الطبقة قد أثر على علاقتها بالمكان والزمان والعمران وعلى ذوقها الجمالى فيما يتصل بالعمران. وامتدادًا لهذه الفكرة، فإننى أميل إلى أن أفسر الفرار إلى داخل الأسوار على الضفاف البعيدة للقاهرة على أنه أحد تجليات هذه الثقافة. فالأصل فى هذه الثقافة الجديدة للطبقة الوسطى أنها ثقافة انكفاء على الذات، وتحصن خلف الدوائر الضيقة للأسرة والمهنة، والجرى خلف التراكمات الذاتية الشخصية دون رغبة فى تراكمات تطوعية تعمل على بناء رأس مال ثقافى واجتماعى قوى.

وإذا ما فهمت الثقافة الجديدة للطبقة الوسطى على هذا النحو يصبح الفرار رمزاً لهذا التحصن، ومؤشراً على تباعد مقصود وترك مقصود لنمط حياة، ولجوء مقصود لنمط حياة أخرى. صحيح أن ثمة ظروفاً موضوعية أخرى ساعدت على ذلك، مثل تحول تجارة العقار إلى تجارة رابحة، ولجوء المستثمرين إلى أساليب مبتكرة للتطوير العمرانى، والتأثر الشديد بالثقافة العمرانية المنتشرة فى دول مجاورة خاصة دول الخليج العربى. كل هذا صحيح ولكن يبقى التفسير الثقافى المرتبط بالتحول فى ثقافة الطبقة الوسطى تفسيراً مغرياً، ذلك أنه يفسر جوانب أخرى فى سلوك الطبقة، خاصة الجماعات المهنية المتخصصة منها.

قد يفسر هذا الفرار على أنه يعكس مزاجاً تباعدياً يتكون لدى هذه الجماعات. واقصد بالمزاج التباعدى فى هذا السياق التوجه نحو ترك المجتمع وفئاته المختلفة، وتطوير اتجاهات نحو الهجرة إلى الخارج أو نحو الفرار إلى الأطراف. ويعمل هذا المزاج على تحويل التباعد من المستوى الاتجاهى التصورى إلى المستوى الواقعى، أى أن يصبح التباعد واقعاً حالاً مجسداً على الأرض. ويعبر الفرار إلى ما وراء الأسوار خارج المدن خير تعبير عن هذا المزاج، كما يعبر عنه موجات الهجرة إلى الخارج، خاصة الهجرة الانتقائية إلى أوروبا وأمريكا وكندا والتى ينخرط فيها شباب ممن حصلوا على أجود أنواع التعليم وأكثره تخصصاً. ولاشك أن هذا المزاج التباعدى وما يصاحبه من فرار يخلق أشكالاً أخرى من التباعد الاجتماعى والسياسى، يمكن أن نراها مجسدة فى انخفاض مؤشرات رأس المال الاجتماعى لدى هذه الفئات.

ومن هذه المؤشرات انخفاض معدلات الثقة بمستوياتها الأفقية والرأسية، وعدم القدرة على تطوير علاقات بناءة مع الآخر المختلف، والسعى نحو نقد الآخر، وعدم القدرة على التشبيك الاجتماعى غير المجتمع المدنى، والنفور من العمل العام، وانخفاض مستويات المشاركة الاجتماعية. وقد يدفع البعض ضد هذا الرأى بالقول إن هذه الطبقة التى نتحدث عنها هى عينها التى تدير كل هذه الرعاية والإعلان لدفع الناس نحو التبرع للمشروعات العامة فى مجال الصحة وحماية الفقراء والجماعات ذات الاحتياجات الخاصة. ويحق لى أن أدافع عن فكرة التباعد والفرار فى ضوء هذا السلوك نفسه.

فإذا سألنا أنفسنا لماذا تختار هذه الطبقة هذا المدخل الإحسانى فى التنمية، ولماذا لا تعتمد على مدخل تشاركي؟ الإجابة واضحة وهى أن المدخل الإحسانى يجعلها دائماً فى «الفوق» بعيدة، كما يجعل الفقراء والمحتاجين إلى المساعدة هناك، ضعفاء دائماً، ومنتظرين دائماً لهذه النقود والخدمات الاحسانية. وفضلاً عن ذلك فإن هذه الحملات الإعلانية والإعلامية تعمل على إعادة إنتاج منظومة تباعدية بين طرفى العلاقة فيبقى الإعلاميون والمعلنون دائماً هنا، ويبقى هؤلاء الضعفاء هناك، كل فى مكانه ومكانته، دون أى منحى تشاركى يقوم على التقارب والدمج والتمكين الفعال الذى لا يضع الأجهزة الإعلامية حاجزاً فى علاقات التفاعل الاجتماعى بين طبقات المجتمع.

وبعد فربما أكون قد جاوزت الحد فى التفسير والتأويل وأنا اتأمل عملية الفرار إلى الحصون المسيجة فى أطراف المدينة، ولكن هذا الحديث قد سيق على هذا النحو فى إطار الأمل ببعث جديد لوعى الطبقة الوسطى، وبعث جديد لطموحات هذه الطبقة لعلها تفر إلى آفاق الإبداع والانجاز والمشاركة المواطنية الفعالة، وأن يكون فرارها أشبه بفرار الطيور التى ترتاد آفاقاً جديدة كل صباح، دون أن تفر إلى الكهف الذى يذكرنا بنسيج العنكبوت والأوهام.

نقلا عن: الأهرام

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: