رؤى

قدمه طه حسين للقارئ العربي: «فولتير».. المتمرد المطرود من رحمة الكنيسة

لعب طه حسين ذلك المفكر المصري التنويري دورا مميزا في تقديم العديد من الأدباء والمفكرين الغربيين، الذين أثروا الحياة الثقافية في أوروبا، إلى القارئ العربي. وكان عميد الأدب العربي يحاول من خلال ذلك التأكيد على قضية التواصل والتفاعل الحضارى بين الشرق والغرب.

على رأس من استشهد بهم طه حسين من المفكرين الغربيين في هذه المسألة كان الأديب الفرنسي الشهير فولتير،  صاحب المقولة الخالدة فى التاريخ «قد أختلف معك في الرأي ولكنني على استعداد لأن أدفع حياتى ثمنا لحقك فى أن تعبر عن رأيك». وقد قدمه طه حسين من خلال ترجمته لرواية «زديج» أو «القدر» هي عرض فلسفي لمشكلة القضاء والقدر،  حيث تتناول هذه الرواية قصة الشاب «زديج» الذي يتصف بكل صفات الرشد والنباهة، يقدم يد المساعدة للكل، ويتبوأ مراكز عليا في قلوب الناس أو الأمراء أو الحكام من الجنسين، لكن المشكلة أن كل سعادة تنقلب في نهايتها إلى شقاء، وكل أمر لمصلحته ينقلب ضده، وهكذا دواليك.

لكن طه حسين لا يكتفي بتقديم الرواية إلى القارىء العربي عبر ترجمتها من الفرنسية إلى العربية، بل كان حريصا على أن يقدم  مؤلفها (فولتير) قبل ذلك من خلال تسليط الضوء على حياته ومسيرته.

في البداية يشير طه حسين إلى تاريخ ميلاد فولتير في أواخر القرن السابع عشر، وبالتحديد عام 1694، لأسرة تنتمي للطبقة الوسطى، في باريس، تلك الطبقة التي قد تمكنت في ذلك الحين من أن تحقق مراكز متميزة في التجارة والصناعة والأعمال الحرة بوجه عام، كما استطاعت أن تجد لها موضعا في بلوغ المناصب العامة، بعد أن كانت مقصورة على طبقة الأشراف.

وراء القضبان

نشأ فولتير في بيئة إجتماعية على علاقة بالصالونات الأدبية في باريس، تلك التي يُروى فيها شعر «راسين» و«موليير»  و«كونسي»، وغيرهم من الأدباء المنتشرين في باريس في ذلك الوقت، فتأثر فولتير بهذه الحياة الأدبية، وكان أكثر ميلا إلى الشعر. وقد حاول والده أن يصرفه عن حياة الأدباء التي تتسم بالمزج بين الحياة الثقافية واللهو، إلا أنه لم يتمكن من ذلك، حتي أنه بلغ به الأمر أن يستصدر أمرا بالقبض على فولتير، وإرساله إلى السجن، حيث قضى بعض الوقت. وكان والده يعتقد أن هذا التصرف سيجعله ينصرف عن حياة الأدباء.

راسين                                                          مليير

كان فولتير يندفع على حد وصف طه حسين في حياة اللهو إلى أقصى الحدود، إلا ان هذا لم يمنعه من أن يكون على علاقة قوية بالطبقة العليا في فرنسا، وهو ما جلب عليه العديد من المشكلات التي بلغت حد إرساله إلى السجن لمدة عام كامل، لم يخرج منه إلا بمساعدة عدد من محبيه، الذين تمكنوا من التوصل لاتفاق مع الحكومة. تمثل هذا الاتفاق في أن يخرج من السجن، على أن يغادر فرنسا، فقبل فولتير هذا الاتفاق، وغادر  إلى إنجلترا حيث مكث بها ثلاث سنوات، اتصل خلالها بالفلاسفة والشعراء ورجال المال والسياسة البريطانيين. وخلال تلك الفترة كتب واحدة من أعظم قصائده القصصية والتي يروى فيها حياة هنري الرابع والحروب المدنية في فرنسا، ثم عاد إلى فرنسا ليستكمل رحلته.

رؤى نقدية وفلسفية

لم يكن فولتير أديبا فحسب، بل كان ماهرا في جمع المال، وكان بيته كما يصفه طه حسين، معملا للأدب والفلسفة والتاريخ، والنقد على إختلاف أنواع النقد، كان يُصدر كتبا ورسائل ومقطوعات، كان عمله أشبه بالعمل الصحفي، غير أنه لم يكن يصدر جريدة، بالشكل التقليدي المتعارف عليه.

كما كان صاحب رؤية نقدية، وقد اتخذ من الحياة الفرنسية محلا للنقد في المجالات السياسية والاجتماعية، ولم يكن يكاد يمر شهر دون أن يكتب رسالة أو كتابا صغيرا، ينتشر بين الناس في باريس، ومنها إلى كل أرجاء فرنسا، حتي أصبح في العشرين سنة الأخيرة من حياته مسيطرا على الرأي العام الفرنسي بل والأوروبي كله، على حد وصف طه حسين.

تأثر فولتير بقراءته لترجمة «ألف ليلة وليلة»، فألف عام 1748، ذلك العمل الأدبي البديع «زديج»، الذي ترجمه طه حسين، عام 1947، خلال إقامته في باريس، وقدمه للقارىء العربي، في إطار سعيه –كما ذكرنا-للتأكيد على التواصل الحضاري بين الشرق والغرب.

قصة زاديج تعد إحدى قصص فولتير التي عنى فيها ببعض المشكلات الفلسفية، التي شغلت الفرنسيين بشكل خاص خلال القرن الثامن عشر، وهى مسألة القضاء والقدر ومكان الإنسان وإرادته منهما.

بطل قصة «زديج» فتى من أهل بابل، يسميه فولتير زديج، بمعنى الصادق، هذا الفتي البابلي تعرض للكثير من المحن في وطنه، الأمر الذي دفعه نحو الهجرة إلى مصر وسوريا، وكان في حله وترحاله مُعرضا بشكل دائم للكثير من المشكلات، حتي أنه كان دائما يقابل بالشر، كرد على قيامه بعمل الخير، فكان يستقبل ذلك بالحيرة والإذعان، وبالصبر والإحتمال، حتي أصبح ملكا على الدولة البابلية العظمى.

حكاية «زديج»-كما يراها  طه حسين- هى عبارة عن عرض لفكرة القضاء والقدر، كما خُيل لفولتير أن الشرقيين يتصورونها، غير أنها لا تقتصر على طرح فكرة القضاء والقدر فحسب، بل أنها تتعلق بنقد فولتير للحياة الإجتماعية الأوربية بشكل عام، والحياة الفرنسية بشكل خاص، ذلك أن فولتير كما أشار طه حسين قد اتخذ من مدينة بابل رمزا لمدينة باريس، وقصر بابل رمزا لقصر باريس.

وقد كره فولتير الإضطهاد الديني وقاومه مقاومة عنيفة، ولهذا أصبح بغيضا لدي رجال الدين في فرنسا، حتي انه حين توفي عام 1778، رفض رجال الدين أن يدفن في باريس في المقابر المسيحية، واضطر بعض أصدقائه إلى تهريب جثمانه خارج باريس خلسة، وذهبوا به إلى «شامباني» وهناك قام أحد القساوسة بدفنه وفقا للطقوس الكنسية، وقد عزل من عمله بسبب ذلك.

إلا أنه ما كادت تمر نحو عشر سنوات، على موت فولتير، حتى قامت الثورة الفرنسية، ومن ثم قررت فرنسا- ممثلة في نوابها- بأن يتم نقل جثمان فولتير من مقابر «شامباني» إلى مقابر «البانثيون» حيث يستقر عظماء فرنسا، ليصبح الرجل أكثر خلودا من كارهيه.

Related image

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق