منوعات

أحمد بهاء الدين (3-3): نموذج فريد لعلاقة المثقف بالسلطة

أثبتت كل الدراسات التي بحثت علاقة المثقف بالسلطة بعد ثورة يوليو 1952 أن أحمد بهاء الدين قدم نموذجاً فريداً لهذه العلاقة، جعله أكثر موضوعية وأكثر مصداقية.. كثيرون غيره من الكتاب والصحفيين ومن عموم المثقفين اقتربوا من السلطة حد الالتصاق، وبعضهم اقترب حد الالتحاق، وقليلون هم الذين حافظوا على درجة معقولة من الاستقلالية في الرأي، والأقل هم الذين انحازت مواقفهم لقناعاتهم وحدها، سواء أيدوا صاحب السلطان أم عارضوه، من هؤلاء القلة القليلة كان «أحمد بهاء الدين»، الذي كان حتى في موقفه وعلاقته مع السلطة ،متسقا مع دوره ومشروعه التنويري والكبير الذي تناولنا أركانه الأساسية في مقال سابق.

استقلالية بهاء الدين وحرصه الدائم عليها مهما كلفه الأمر يشهد بها كل الذين تابعوا مسيرته الصحفية من منتصف الأربعينيات بالقرن الماضي وحتى توقف قلمه عن الجريان في نهر مهنة البحث عن المتاعب.

نزاهة شخصية وضمير يقظ

سألت الكثيرين ممن كانوا في السلطة أو اقتربوا منها عن «أحمد بهاء الدين» واجتمعت كلمتهم على نزاهته الشخصية وضميره اليقظ، واستقلاليته التي ظل يحرص عليها طول الوقت. الوزير محمد فائق الذي تولى حقيبة الاعلام في وزارة عبد الناصر التي تشكلت عقب الاستفتاء على برنامج 30 مارس سنة 1968 قال لي بالحرف الواحد: «أحمد بهاء الدين كان يكتب متفقاً مع سياسة الدولة بدون أية معلومات أو تعليمات، بينما كانت تعليمات الرئيس عبد الناصر لنا: أن يوضع محمد حسنين هيكل في الصورة بشكل دائم».

الأستاذ كامل زهيري رئيس مجلس إدارة دار التحرير ونقيب الصحفيين الأسبق قال لي: أحمد بهاء الدين كان خجولاً، يكتم في نفسه، وكان أكثر اتزاناً، وكنت أسميه كيميائي الكلام، كان يستطيع أن يلخص الموقف في كلمتين، وكان يصك العبارات الدقيقة كأنه جواهرجي، هو صاحب تعبير الدولة العصرية، والفجوة الحضارية وغيرهما من العبارات التي صارت اليوم على كل لسان.

Image result for ‫كامل زهيري‬‎

نقيب النقباء.. كامل زهيري

مشكلة «أحمد بهاء الدين» كما يراها كامل زهيري أنه ظل طول الوقت شديد الحساسية تجاه استقلاليته، معتزاً بنفسه، وكان يقول وهو على رأس جريدة الأهرام: أنا مضطر أنشر صور جيهان السادات لكني لست مضطراً بالنسبة لزوجة رئيس الوزراء عبد العزيز حجازي، كان بهاء يؤيد عن اقتناع، وليس عن أوامر، وكان يؤيد عن قناعة، وأعتقد أن الهزيمة في سنة 1967 هزت بهاء جداً، وتركت داخله مرارة شديدة.هذه المرارة لم تكن مجرد مشاعر حزن، ولكنها صارت مواقف يعبر عنها «بهاء الدين»، ولعل موقفه وهو نقيب الصحفيين من نتائج الهزيمة يدل ليس فقط على شجاعته واستقلالية رأيه، ولكنها تحولت إلى موقف آثر أن يعلنه في وقته ويتحمل نتائجه راضياً.

Image result for ‫الوزير محمد فائق‬‎

الوزير محمد فائق الذي تولى حقيبة الاعلام في وزارة عبد الناصر

نقيب الصحفيين الحر

كان «بهاء الدين» قد انتخب نقيباً للصحفيين من دون منافسة (بالتزكية) في أعقاب نكسة يونيو 1967، وفي فبراير من عام 1968 اندلعت المظاهرات الطلابية احتجاجاً على نتائج المحاكمات التي صدرت ضد المسئولين عن الهزيمة، وكانت هزيلة وهزلية، وطالب المتظاهرون بإعادة هذه المحاكمات، وكانت نقابة الصحفيين واحدة من الجهات التي توجهت إليها جموع الطلاب الثائرين، آملين أن يصل صوتهم إلى الرأي العام، ورأى النقيب «أحمد بهاء الدين» أن الواجب يحتم عليه أن يدعو مجلس النقابة لاجتماع طارئ مساء اليوم نفسه، وانتهى الاجتماع إلى إصدار بيان تأييد لجوهر المطالب التي رفعها الطلاب المتظاهرون، وفوض المجلس النقيب في صياغة البيان الصادر عن الاجتماع.

وذهب الأستاذ الي منزله وأغلق الهاتف (حتى لا يتلقى اية اتصالات للضغط عليه) وكتب بيانا شديد اللهجة وبه موقف واضح، واستيقظ مبكرا وذهب الي النقابة ليشرّف بنفسه على كتابة البيان على الآلة الكاتبة وتوزيعه على كافة الصحف ووسائل الاعلام.

Related image

تبنّى البيان المطالبة بمحاسبة المسئولين عن النكسة، كما طالب بإعادة النظر في قضية الديمقراطية، وشدد على المشاركة الحقيقية في القرار، وإصدار قوانين تنظم الحريات وتكفل الضمانات الكفيلة بعدم التراجع عنها أو الانقضاض عليها، وإجراء انتخابات اللجان النقابية ومجالس النقابات التي تجمدت وحرمت من حقها من انتخاب قياداتها، وتحقيق العدالة في توزيع الأعباء المترتبة على الاستعداد لإزالة العدوان.

يقول «أحمد بهاء الدين» في حوار أجراه الدكتور مصطفى عبد الغني إن هذا البيان آلم عبد الناصر كثيراً وأثار غضبه، وتصادف أن قابل عبد الناصر السفير سامي الدروبي وكان مقربا منه وفي نفس الوقت كان الدروبي من أصدقاء بهاء المقربين، وقال عبد الناصر للدروبي: كنت غير متوقع من صاحبك كده، وعندما استفسر منه سامي الدروبي قال عبد الناصر: البيان اللي طلع بيه كان طعنة خنجر في ليلة مظلمة، واستطرد عبد الناصر قائلا: أخبرنا النقابات ألا يعملوا اضطرابات أو مظاهرات أو أي شيء يؤثر على عملنا فقام هو وأصدر هذا البيان، وبهاء لا يعرف ظروف الفترة، وهو لا يعرف أنني موجوع من النكسة بما فيه الكفاية، وأن البيان بهذه الحدة يمكن ان تستغله قوي متربصة بمصر في هذا التوقيت.

أرادت بعض الأجهزة أن تحمّل الكاتب الصحفي صلاح الدين حافظ سكرتير عام النقابة وقتها مسئولية كتابة البيان وتوزيعه، فرد بهاء أنه المسئول وحدة وهو الذي يتحمل النتائج، فعرضت الأجهزة علي عبد الناصر القبض على بهاء الدين أو عقابه فرفض بحسم أي مساس به، وقال: «ده أحمد بهاء الدين وأنا عارفه. هو مخه كده»

وفي تقييم لاحق لما جرى يقول «أحمد بهاء الدين» عن هذه الواقعة: «يبدو أن الدولة كانت تنظر إلى الحدث بمنطق آخر، وأكثر ما يؤلمني الآن أن عبد الناصر قال للدروبي قبل أن يفارقه اذهب إلى بهاء وقل له: لماذا فعلت ذلك في مثل هذه الليلة؟».

Related image

بهاء الدين وعبد الناصر

ابتعاد «أحمد بهاء الدين» عن السلطة وحرصه الشديد على استقلالية رأيه، باعد بينه وبين سلطة جمال عبد الناصر، وايمان عبد الناصر بنزاهة بهاء الدين بعد أن تأكد عبر ممارسات عدة من أن بهاء الدين يصدر عن قناعاته كان ذلك هو ما حفظ بهاء الدين طول الوقت، ويرجع محمد حسنين هيكل أسباب عدم اللقاء المباشر بين عبد الناصر وبهاء الدين إلى بعض التقارير التي اتهمت بهاء بأن له اتجاهات بعثية، وكان عبد الناصر ينفر من ذلك، ولم تكن هذه المعلومات بطبيعة الحال صحيحة، ولكن كان لبهاء أصدقاء بعثيين مثل ساطع الحصري وسامي الدروبي وغيرهم ، فقد كانت علاقته على مستوى إنساني وصداقات ولم تكن علاقة تنظيمية، عبد الناصر تأكد بعد ذلك أن بهاء ليس بعثياً، ولكن الدائرة كانت قد أغلقت حول عبد الناصر وكان من الصعب أن يجلس أحد معه.

وبعد وفاة عبد الناصر كان قلم بهاء الدين من أقوى الأقلام التي دافعت عن عبد الناصر وتجربته، وتصدى بهاء للحملة التي نالت من عبد الناصر في السبعينات، وكتب مقالات كثيرة في جريدة الأهرام ولعل عموده الشهير بعنوان «موتوا بغيظكم» يمثل نموذجا جلياً للتمسك بالمبادئ، في الوقت الذي انقلبت معظم الأقلام على عبد الناصر مجاراة للعهد الجديد.

Related image

مع السادات

علاقة «أحمد بهاء الدين» بالسادات كانت قد بدأت قبل أن يتولى السادات السلطة، بالتحديد في العام 1957 حين اتصل به السادات ليعلمه أنه تم اختياره للانضمام الى اللجنة المصرية للتضامن الآسيوي الأفريقي يقول بهاء: وقبل أن يضع سماعة التليفون قال لي على فكرة أحب أقول لك إن الرئيس عبد الناصر شخصياً هو الذي وضع اسمك بين أعضاء اللجنة، أنت ونجيب محفوظ، قالها بلهجة توحي بأنه يظن أنني أعرف جمال عبد الناصر شخصياً وهو أمر غير صحيح.

سافر بهاء الدين في رحلات سياسية مع أنور السادات، والسفر كما يقول يرفع الكثير من التكلف بين رفاق الرحلة، وهكذا اقترب بهاء الدين من السادات في تلك الفترة قبل أن يتولى السادات الرئاسة.

وجاء أول احتكاك مباشر مع السادات في الأسابيع الأولى لرئاسته حين اقترح رجاء النقاش رئيس تحرير مجلة وكتاب الهلال على «أحمد بهاء الدين» بصفته رئيساً لمجلس إدارة دار الهلال أن تتولى المؤسسة إعادة طبع أربعة كتب بقلم أنور السادات، منها كتاب بعنوان (يا ولدى هذا عمك جمال)، وكتاب (قصة الثورة كاملة)، وكتابان آخران يضمان مقالات أنور السادات التي سبق أن كتبها في جريدة الجمهورية، وكان رأي النقاش أن هذه الكتب في تلك الفترة لابد أن تلقى رواجا كبيرا.

يقول «بهاء الدين»: طلبت إلى رجاء النقاش أن يترك لي الكتب الأربعة لألقى عليها نظرة جديدة، وبالفعل راجعت الكتب الأربعة التي سبق لي ـ طبعا ـ أن قرأتها في ظروف مختلفة، خصوصاً خلال العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 عقب تأميم القناة.

وكان رأي «بهاء الدين» أنه نظراً لاختلاف الظروف، ولتولي السادات موقع الرئيس لم يعد من المناسب أن يعاد نشرها بهذه الصورة، وكانت تضم مقالات تسب إنجلترا وفرنسا سبا شديدا مقذعاً وأشياء أخرى من هذا النوع رأى أنه من غير المناسب إعادة طبعها كما هي بعد خمسة عشر عاما.

يقول «أحمد بهاء الدين»: وبعد أيام قليلة دق جرس التليفون في منزلي ذات ليلة وكان المتكلم هو الرئيس الجديد أنور السادات، وبعد تحية قصيرة عاتبني على أننى لا أراه، وقلت له: سيادتك تعرف شعوري، وأنا أجد حرجاً في الاتصال بك، وأنت في دوامة عنيفة من المسئوليات، والزوار من أنحاء العالم، وأعتقد أن سيادتك سوف تطلبني إذا أردت منى أي شيء، وقال السادات إنه سمع أننا في دار الهلال سنعيد طباعة كتبه المذكورة وأنى متردد، وهو لا يرى مانعاً في إعادة نشر هذه الكتب، وقلت له: إنني قرأت الكتب من جديد، وأعطيته فكرة عن بعض ما فيها مما لا يجوز إعادة نشره، وقد أصبح رئيسا للدولة، ونحن في ظروف نحسن فيها علاقاتنا بالدول الأخرى، ولذلك اتجه تفكيري إلى أن نصدر كتابا واحدا يضم أهم ما في الكتب الأربعة، ونستبعد منه ما لا يجوز نشره، ويكون كتابا كبيراً بعنوان (من كتابات السادات)، وشكرني الرئيس السادات بحرارة على أننى نبهته إلى ذلك، ووافق على الاقتراح الجديد، بل إنه أصبح بعد ما قلته له أكثر حرصاً منى، وقال لي: عظيم، وأرى بعد ذلك أن تنتقى من الكتب ما تراه صالحا للنشر، وأن نراجعه معاً ذات ليلة، وسوف أتصل بك لهذا الغرض عندما أجد الوقت.

ونسي السادات، موضوع الكتب وشغلته عنها مهام أخرى، وتناسى بهاء الدين، ولم تنشر الكتب بعد تنقيحها إلا منذ ثلاث سنوات.

كان «أحمد بهاء الدين» قد اختير في التغييرات الصحفية الموسعة التي جرت في أبريل 1964 رئيسًا لمجلس إدارة دار الهلال ورئيسًا لتحرير «المصور»، وظل بهاء الدين في رئاسة مجلس إدارة دار الهلال لأكثر من سبع سنوات حتى وقعت أحداث مايو سنة 1971، وفوجئ بهاء الدين بصدور قرار السادات « بتعيين يوسف السباعي رئيسًا لمجلس إدارة دار الهلال، ونقل أحمد بهاء الدين رئيسًا لمجلس إدارة روزاليوسف» ، وغضب بهاء غضباً شديداً وكتب للسادات رسالة عنيفة قائلا: «لقد اخترعت الثورة صحفيين وكتابا ودكاترة في كل مجال، ولكني لست أحد اختراعات الثورة، فمن حقي أن يؤخذ رأيي في أي أمر يتصل بي شخصياً، فلا أقرأه في الصحف دون سابق علم، ولا أتحرك كقطعة شطرنج من مكان إلي مكان بلا رغبة».

وتدخل محمد حسنين هيكل بين السادات وبهاء الدين، لمحاولة حل الأزمة واقترح عليهما أن ينتقل بهاء إلى الأهرام كاتباً، وتم الأمر على هذا الشكل، وابتعد بهاء الدين عن المناصب الصحفية من مايو 1971 حتى مايو 1974 حين أصبح الخلف الثاني لمحمد حسنين هيكل في رئاسة تحرير الأهرام بعد فترة على أمين التي لم تستمر أكثر من ثلاثة شهور، وقد أسندت رئاسة مجلس الإدارة إلى الدكتور محمد عبد القادر حاتم، وعُيّن أحمد بهاء الدين رئيسًا لتحرير الأهرام، وظل في هذا المنصب إلى أن عُيّن إحسان عبد القدوس رئيسًا لمجلس الإدارة، وعلى حمدي الجمال رئيسًا للتحرير في 11 مارس 1975.

قبل ذلك كانت هناك قصة البيان الذي أصدره عدد من المثقفين والكتاب والأدباء في عام 1972 يرفضون فيه حالة اللاسلم واللاحرب وجاء فيه عبارة استشاط منها السادات غضباً: «لقد كثر الكلام عن المعركة دون معركة، حتى صارت المعركة مضغة في حلوقنا لا نستطيع أن نبتلعها ولا نستطيع أن نلفظها». فأصدر على الفور قراراً بنقل كل الموقعين على البيان إلى مصلحة الاستعلامات عقابًا لهم، وكان ضمن الموقعين «أحمد بهاء الدين» الذي كان وقتها يشغل منصب رئيس اتحاد الصحفيين العرب، وكان السادات يحمله المسئولية عن هذا البيان.

ولكن المياه بين السادات وبين بهاء الدين عادت لمجاريها بعد حرب أكتوبر 1973 حيث كتب بهاء الدين بطلب من إبراهيم المعلم صاحب ومؤسس دار الشروق كتاب «وتحطمت الأسطورة عند الظهر»، وقرأ السادات الكتاب وسعد به، وفوجئ «أحمد بهاء الدين» بتليفون من رئاسة الجمهورية يبلغه بموعد مع الرئيس السادات ذات نهار في استراحة كنج مريوط، وحين التقاه يقول بهاء: ذهب أنور السادات إلى الموضوع فوراً، وقال لي أنه قرأ الكتاب وأنه فرح لأن أول كتاب عربي يعلق على حرب أكتوبر جاء منى بالذات، وقال في الوقت نفسه أنه مع ذلك دهش أن يأتي هذا العمل منى بالذات. فلما أبديت دهشتي لدهشته واستغرابي لهذا التصور منه، وتساءلت عن سببه، قال لي بصراحة: لأنك ضدي.

ومرة أخرى سألت عن معني كلمة أننى ضده. وقلت له إنني اختلفت مع بعض سياساته، واستطردت قائلاً: إنني يا ريس لا أريد العودة إلى تفاصيل ما حدث، ولكن أسمح لي وقد صارحتني بهذا الشكل أن أقول: أننى العاتب عليك، سيادتك تعرف أننى حين أخالف رأيا لحاكم لا أفعل ذلك لا لطموح شخصي، ولا لحساب أحد آخر، ولكن كما كنت تقول لي لمجرد أن «مخي كده».

وذكرته ضاحكاً بأنه في أكثر من مرة أيام حكم عبد الناصر الذي لم أقابله قط ولم أعرفه شخصياً قط، كان «أي السادات» يقول لي أحياناً إن التقارير قدمت من فلان وفلان أو من جهاز كذا وكيت للرئيس عبد الناصر تطلب إليه الأمر باعتقالي، ولكن كان الرئيس عبد الناصر يرفض دائماً ويقول: «لا.. سيبوه هو مخه كده، احنا راقبناه كثيراً من أول الثورة، وتأكدنا أنه لا علاقة له بأحد، ومع ذلك. استطردت قائلاً: يا ريس ورغم العشرة القديمة والمعرفة بهذا، فقد اتخذت ضدي اجراءات ومواقف دون أن تسألني مجرد سؤال في التليفون أو عن طريق أحد أصدقائك عن: إيه الحكاية»؟

وقال السادات: هل نسيت مظاهرات وأحداث ١٩٧٢ وبيان الكتاب والصحفيين؟، لقد كنت أنت شيخ هذا البيان، واستخدمت العجوز المخرف بتاعكم توفيق الحكيم، وعندما قررت نقل هؤلاء إلى الاستعلامات استثنيناك أنت وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ، وإذا بك تريد كتابة مقال في الأهرام دفاعاً عنهم. أنا كنت في عز الإعداد للمعركة وأنت وقفت مع الذين قالوا بملء الفم أنه ليس هناك معركة ولا حاجة، غيرك لا نحاسبه على ذلك، ولكننا كنا نقول دائماً أيام جمال عبد الناصر التي ذكرتها الآن أنك عاقل وتفهم ما بين السطور، فكيف وأنت تعرفني تصدق أننى كنت أضحك عليكم بحكاية المعركة؟

وقلت له: سيادة الرئيس إنني لن أدافع عن نفسي في هذا الموضوع ولكنى أريد أن أدافع حتى عن أصغر طالب جامعي خرج في المظاهرات وهتف ضدك مقتنعًا بأنه لن تكون هناك معركة، واستطرد «بهاء» في حديثه مع الرئيس السادات إلى أن قال له: اسمح لي يا سيادة الرئيس أن أقول بكل صراحة أننى اقتنعت فعلاً بأنه لن تكون هناك معركة مهما حدث، فما بالك بآلاف الشباب والطلبة والمثقفين في كل المجالات؟! إنني مرة أخرى أرجو ألا تعتبر كلامي هذا دفاعًا عن نفسي ولكن عن كل شاب خرج إلى الشارع في المظاهرات!».

واحتقن وجه السادات واحتسى عدة رشفات من كوب شاي ونفث الدخان من غليونه عدة مرات». ويختتم الأستاذ «بهاء» الحكاية قائلاً: «وانصرفت من هذا اللقاء في «كنج مريوط» معتبرًا أن صلحًا آخر، أو هدنة أخرى قد عقدت».

Related image

وحين جلس بهاء الدين على مقعد هيكل في الأهرام جاءته المشاكل تسعى من كل حدب وصوب، رآها جميعاً أقل حدة من مشكلة قابلته مع الرئيس السادات واستمرت قائمة بدون حل زمناً طويلاً، حتى ترك رئاسة تحرير الأهرام، وهنا يقول بهاء: «بدأت أشعر أن الرئيس السادات يكره هيكل أكثر مما تصورت أول الأمر، ولم يكن شعوره المتزايد بالنقمة على هيكل شخصياً هو المشكلة، ولكن المشكلة أنني بدأت أشعر بأن نقمة السادات تعدت شخص هيكل إلى جريدة الأهرام، كنت أشعر أنه يكره الأهرام ذاتها، وأحياناً كنت أشعر أنه يتمنى لو أغلق عينيه وفتحهما فلا يجد الأهرام».

حاول «بهاء الدين» ترويض مشاعر السادات تجاه الأهرام، ولكن مشكلته الحقيقية معه بدأت بعد ما بدأ في انتقاد سياسة الانفتاح الاقتصادي الذي أسماه انفتاح السداح مداح، ويعترف بهاء الدين “أن الأوضاع التي كشفت عنها سياسة الانفتاح كانت هي بداية الشرخ الحقيقي بين السادات وبيني، شرخ أخذ في الاتساع بعد سنوات كتبت فيها مراراً ضد السداح مداح تحت عناوين التنمية، والبناء، والاعتماد علي النفس، وعدم تكرار مأساة التبعية الاقتصادية، لكنني كنت نغمة نشازاً، كنت أقول للسادات إن أسلوب المساعدات الأجنبية نحونا ليس هو الأسلوب البريء المطلوب. انهم يا ريس لا يريدون لمصر أن تغرق، وهم أيضا لا يريدون لها أن تقف على قدميها، فهم يريدونها طافية على سطح الماء فقط، لا هي غارقة ولا هي تتنفس بحرية.

لخص «أحمد بهاء الدين» علاقته مع السادات بقوله مرة: الرئيس السادات في خلال ثماني سنوات قد صادقني مرارًا، ونقلني من مكاني كعقاب مرة، وفصلني من العمل الصحفي مرة، وأوقفني عن الكتابة مرتين، وكان هذا الصعود والهبوط، المتوالي مصدر حيرة لكثير من السياسيين والزملاء الصحفيين والقراء.

وهكذا بدأت مسيرة التباعد عن السلطة من جديد تتسع خطواتها، حتى وصلت إلى الفراق النهائي، بعد أن رفض بهاء الدين كتابة خطاب السادات في أعقاب انتفاضة يناير 1977 التي كان السادات يسميها انتفاضة الحرامية، وهكذا أسدل الستار عن رحلة قصيرة في حياة أحمد بهاء الدين وهو بالقرب من صانع القرار، ليترك المجال من بعده لهؤلاء الذين يتقنون فن الكتابة لقارئ وحيد هو الرئيس.

Image result for ‫انتفاضة 1977‬‎

الفيديو جرافيكس

نص: بلال مؤمن

تحريك ومونتاج: عبد الله إسماعيل

الوسوم

محمد حماد

كاتب وباحث في التاريخ والحضارة

مقالات ذات صلة

إغلاق