ثقافة

إن كنت من محبي اقتناء الكتب فعليك أن تقرأ هذا المقال

كيفين ديكينسون –كاتب وباحث أمريكى فى العلوم الإنسانية

ترجمة و عرض: تامر الهلالي

ربما يجب علينا أن نشعر بالخوف من اختفاء عادة لازمت بني البشر على مر الأجيال، وهى عادة شراء الكتب واقتنائها، قد يكون علينا أن نخشى من انقراض  تلك العادة مع أجيالنا المقبلة، وأن تختفي المكتبات المنزلية الخاصة، وحتى المكتبات العامة، فى ظل التقدم المذهل الذى يتيح لنا أن نقرأ الكتب من خلال هواتفنا المحمولة أو عبر شاشات الكمبيوتر التي نحتفظ بها في بيوتنا وأماكن عملنا.

لكن رغم كل هذه المخاوف، فإلى وقتنا الراهن ما زال هناك من يحبون شراء الكتب وامتلاك المكتبات الخاصة، فإذا كنت من هؤلاء الذين ما زالوا قابضين على تلك العادة القديمة الجميلة، وإذا كنت تحب الكتب بشكل مرضي، أو تذهب إلى متجر الكتب للتحقق من الأسعار، فتشتري كتبا ربما لم تكن تعلم بوجودها مسبقًا.. إذا كنت مدمنا على شراء الكتب المستعملة، وتحب حتى رائحة الكتب التي تعلق بك وإذا كانت لديك مشكلة وهي أن عادة شراء الكتب تفوق قدرتك على قراءتها، فقد يكون هذا المقال مهما بالنسبة لك.

وفقًا لعالم الإحصاء «نسيم نيكولاس طالب»، فإن مكتباتنا الفائضة على احتياجاتنا أو قدرتنا على القراءة ليست علامة على أننا نعاني من خلل فكري، بل العكس تماما هو الصحيح. وفي كتابه الأكثر مبيعا بعنوان (البجعة السوداء…تأثير الأشياء غير المحتملة) يبدأ «نيكولاس طالب» بعرض لظاهرة اقتناء الكتب لدى المؤلف والباحث غزير الإنتاج أمبرتو إيكو، الذي ضمت مكتبته الشخصية 30 ألف كتاب. ويقول طالب: «عندما كان إيكو يستضيف  الزوار، كانوا يتعجبون من حجم مكتبته وافترضوا أنها تمثل حجم معرفته – والتي بالتأكيد كانت موسوعية- لكن القليل من الزوار الأذكياء أدركوا الحقيقة، وهي أن  مكتبة إيكو لم تكن ضخمة لأنه قرأ الكثير ؛ بل كانت ضخمة للغاية، لأنه أراد أن يقرأ أكثر من ذلك بكثير».

ويشير طالب إلى أن إيكو أجرى عملية حسابية بسيطة ووجد أنه لا يمكنه قراءة سوى حوالي 25200 كتاب، إذا ما قرأ كتابًا واحدًا يوميًا، بين سن العاشرة وسن الثمانين, وهو ما رآه رقما «تافها» ,مقارنةً بمليون كتاب متاح في أي مكتبة جيدة. بالاعتماد على مثال إيكو، يستنتج طالب أن الكتب غير المقروءة أهم بكثير من تلك التي قرأناها.

Related image

الباحث أمبرتو إيكو

بماذا تذكرنا مكتباتنا؟

في مقال لها تقول الروائية البلغارية الشهيرة «ماريا بوبوفا» صاحبة كتاب «التظاهر» ومحررة ومالكة موقع Brain Pickings الثقافي واسع الانتشار): إننا نميل إلى المبالغة في تقدير قيمة ما نعرفه، مع التقليل من قيمة ما لا نعرفه.. فقيمة المكتبة  تنبع من كيفية تحديها لتقديرنا الذاتي من خلال تقديم تذكير دائم بكل ما لا نعرفه.

وتضيف بوبوفا «تذكرني العناوين التي تملأ منزلي بأنني لا أعرف شيئًا عن مسائل وموضوعات ومباحث كثيرة عن التشفير، وتطور الريش، والفولكلور الإيطالي، وتعاطي المخدرات بشكل غير مشروع في الرايخ الثالث، وعالم الحشرات.. نحن نميل إلى معاملة معرفتنا كممتلكات شخصية، تمت حمايتها و ضمنا الدفاع عنها، لكن هذه الأفكار غير المستكشفة تدفعنا إلى مواصلة القراءة، ومواصلة التعلم، ولن نكون بذلك راضين عن أننا نعرف ما يكفي».

Related image

ماريا بوبوفا

تواضع فكري

أما الكاتبة والباحثة «جيسيكا ستيلمان» فتصف  الفكرة بالتواضع الفكري، و ترى أن الأشخاص المكتفين بما لديهم من الكتب كمصدر للمعارف يفتقرون إلى هذا التواضع الفكري، وتقول في مقال لها «أولئك الذين لا يتوقون إلى الحصول على كتب جديدة، أو زيارة مكتبتهم المحلية لديهم شعور بالفخر حيال تضخم مكتباتهم الشخصية، لكن مثل هذه المكتبة مع الوقت تصبح مثل جائزة مهملة على الحائط، كما يعزز ذلك الشعور بالاكتفاء من امتلاك الكتب تضخما في الذات، وأن المكتبة لم تصبح بعد بالنسبة لهؤلاء موردًا حيًا متنامًيا يمكننا أن نتعلم منه حتى سن 80 – إذا كنا محظوظين وعشنا لفترة أطول»

Related image

جيسيكا ستيلمان

هذه الظاهرة التي يسميها نيكولاس طالب anti-library (ضد المكتبة ) قد يتحفظ عليها من يمارسون عادة امتلاك كميات ضخمة من الكتب، مثل الباحث والكاتب «كيفن ميمز» الذي علق على هذا المصطلح قائلا : «أنا لا أحب حقًا هذا المصطلح .. المكتبة هي مجموعة من الكتب، يظل الكثير منها غير مقروء لفترات طويلة من الزمن.. لا أرى كيف يختلف ذلك عن كلمة مكتبة». ويضيف ميمز التسمية المفضلة لدي هي كلمة يابانية و هي: Tsundoku، وهي تعني باللغة اليابانية «مجموعة من الكتب التي اشتريتها ولكنك لم تقرأها» وهي تجمع مشتقات الكلمة وأصلها اللغوي بين مقطعي tsunde-oku (ترك الأشياء تتراكم) .

Related image

نيكولاس طالب

فوائد أخرى

من المعروف أن بعض مدمني اقتناء الكتب يمتلكون مكتبات لا تقل في حجمها عن المكتبات الوطنية الصغيرة، ومع ذلك، فقد أظهرت الدراسات أن ملكية الكتب والقراءة عادتان يتلازمان مع بعضهما البعض ولهما تأثير إيجابي. وقد وجدت إحدى هذه الدراسات أن الأطفال الذين نشأوا في منازل تضم ما بين 80 و 350 كتابًا أظهروا مهارات أكبر في القراءة، والرياضيات، وتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات حين وصلوا إلى مرحلة البلوغ. ورأى الباحثون أن التعرض للكتب يعزز القدرات المعرفية، حيث يجعل القراءة جزءًا من أنشطة وممارسات الحياة الروتينية.

في السياق نفسه أظهر العديد من الدراسات الأخرى أن عادات القراءة تتسبب في مجموعة من الفوائد، فهي يمكن أن تقلل من الإجهاد وتلبية احتياجات التواصل الاجتماعي، وتعزز المهارات الاجتماعية والتعاطف، كما أنها تُضيف بعض المهارات المعرفية. وفيما يخص قراءة الأدب، فقد توصل الباحثون إلى أن قراءة القصص الخيالية ترتبط بالنجاح والإنجاز المرتفع، وتساعدنا على فهم أنفسنا والعالم بشكل أفضل.

في مقالتها، ترى الكاتبة «جيسكا ستيلمان» أن من يعتقدون بكفاية ما لديهم من معارف لديهم تحيز إدراكي يدفعهم إلى افتراض أن معارفهم أو قدراتهم أكثر كفاءة مما هم عليه بالفعل. وتضيف: «نظرًا لأن الناس لا يستسيغون تذكيرهم بجهلهم، فإن كتبهم غير المقروءة تدفعهم نحو ذلك، هذا حتى حال يتم قراءتها على أسوأ تقدير، أو على الأقل تدفعهم إلى فهمً أعمق لمدى كفا ءتهم. وتستطرد «ستيلمان» قائلة: «كل الكتب التي لم تقرأها هي في الواقع علامة على جهلك، ولكن إذا كنت تعرف كم أنت جاهل، فأنت في صدارة الغالبية العظمى من الآخرين». وسواء كنت تفضل مصطلح anti-library أو tsundoku، أو  أي شيء آخر تمامًا، فإن قيمة الكتاب غير المقروء هي قدرته على دفعك و تحفيزك لقراءته.

*تعريف بالكاتب: كاتب و باحث امريكي في العلوم الإنسانية

Image result for Kevin Dickinson

المصدر: The value of owning more books than you can read

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: