فن

روائع الطرب المنسية في تاريخ العندليب الأسمر

تتخذ محاولات تصنيفه أكثر من مسار، فهو مغني الثورة، ومغني لحظات الانتصار والانكسار، والمغني الأكثر تعبيرا عن مشاعر وأحاسيس أجيال من الشباب منذ بزوغ نجمه وإلى الآن. كان غناء عبدالحليم حافظ لثورة يوليو  ومبادئها وأحلامها، ثم التعبير عن حالة الحزن التي لازمت المصريين في أعقاب هزيمة يونيو 1967 سببا رئيسيا في محاولات توصيفه بمغني السلطة، لكن الحقيقة أن انتماء حليم للطبقة الوسطى المصرية التي استحوذت عليها شعارات ومبادىء ثورة يوليو جعلت منه «مغني الجماهير» و«مطرب الشعب» الأقرب للتعبير عن حالة مواطنيه الوجدانية موقفا بموقف وحدثا بحدث .يتضح ذلك في أغاني حليم التي عكست أجواء الفرحة في أعقاب العبور العظيم عام 1973.

ويبقى حليم حالة وجدانية امتزجت بآمال الجماهير المعلقة ما بين حب ضائع ولقاء منتظر وشوق لا ينضب. أغنياته تحمل شعورا إنسانيا خاصا، يحلو لأجيال متعاقبة من الشباب العربي أن يلتصق بها ويعايشها ويجد فيها نفسه. من منا لم يمر على بوابة حليم؟ أو يستنشق عبير شوقه؟ أو يستشعر آهات هجره وحرمانه وفراقه؟ تلك الأغاني الطازجة المٌفعمة بمشاعر لم تفتر مع مرور الزمن، ولا استطاعت تجارب الحب الإنسانية تجاوزها. فحليم الذي رحل عن عالمنا في الثلاثين من مارس عام 1977 سيظل باقيا ما بقي الحب وبقى الشجن.

روائع منسية

تصادف مرور عبدالحليم حافظ على نهر الأغنية العربية مع مرور جيل من الفنانين المصريين لا يقلون عنه شغفا بالفن والحب والحياة، إذ ليس من السهل أن يتكرر لقاء ثلاثي عظيم كحليم وصلاح جاهين وكمال الطويل( أغنية صورة)، أو لقاء يجمعه مع كمال الطويل والشاعر الكبير صلاح عبدالصبور كما حدث في أغنيته الأولى التي تقدم بها للإذاعة المصرية «لقاء» عام1951،  قبل أن يشدو باثنتين من روائعه الغنائية وهما «يا حلو يا أسمر» و «صافيني مرة» عام 1952 من كلمات سمير محجوب وألحان محمد الموجي.

لقد عكست الأغاني الأولى لحليم ورفاقه نغمة الحب والشغف ومعانقة الحياة، فشبابهم الفني أينع  مع حيوية جمهورية مصرية وليدة في أعقاب 1952، أطلقت مشاعر أمل جارفة في نفوس المصريين، وفجرت منابع الفن ومناجم الإبداع. وهكذا كانت أغانيهم ترجمة لنبرة التفاؤل التي سكنت قلوب المصريين بشأن الغد، وهو ما تجسد في روائع غنائية عديدة مثل: «ذلك عيد الندى»، «أقبل الصباح»، «مركب الأحلام»، «في سكون الليل»، «فرحتنا يا هنانا»، «العيون بتناجيك»، «غني..غني»، «الليل أنوار وسمر»، «نسيم الفجرية»، «ريح دمعك»،«اصحى وقوم»، «الدنيا كلها»، وكلها أغاني اتسمت بطغيان اللحن التطريبي الجميل ،لكن موجة التفاؤل سرعان ما انحسرت أمام هجمة بلهارسيا شرسة بدأت أعراضها تطارد عبد الحليم مع منتصف الخمسينات لتظهر نبرة حزن في أغانيه بدت منسجمة مع محن قاسية ألمت بالوطن بدءا من العدوان الثلاثي عام  1956 وحالة احباط أعقبت نكسة يونيو 67.

و الغريب أن كثيرا من تلك الأغاني التي غناها العندليب الأسمر في بداية رحلته الفنية والتى ذكرنا عددا منها لم يتوقف عندها الكثيرون، بعد ان دخل حليم مرحلة الشهرة الواسعة، وغنى الأغنيات الأشهر فى تاريخه مثل «جانا الهوى»، «الهوا هوايا» و«جبار» و«انا كل ما اقول التوبة» و«فاتت جنبنا» و«يا خلى القلب» و«قارئة الفنجان» وغيرها من عشرات الأغانى الشهيرة التى شدا بها العندليب.

تحدي

وكما استدعت حالة الإحباط التي رافقت الوطن التحدي والاستنفار للعبور من الهزيمة إلى الانتصار، قفز حليم بأغانيه لينتصر على أحزانه وعذاباته وآلامه الشخصية، ويدعم أحلام وطموحات الجماهير. ففي أعقاب حرب 1967 غنى في حفلته التاريخية أمام 8 آلاف شخص في قاعة ألبرت هول في لندن لصالح المجهود الحربى لإزالة آثار العدوان. و في هذا الحفل قدم أغنية «المسيح» منكلمات الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي وألحان بليغ حمدي، و«عدى النهار»، وهي أيضاً للأبنودي وبليغ، وهما من أهم أغاني حفلات عبد الحليم على مدار تاريخه الطويل، فيما جسدت أغنية «أحلف بسماها وبترابها»، التي  لحنها كمال الطويل من كلمات عبدالرحمن الأبنودي، مرحلة الاستفاقة من صدمة 1967.

أغانى النصر

وقد كان القدر رحيما بحليم الذي غنى للهزيمة والانكسار فلم يحرمه من الغناء للعبور والانتصار، وما إن حل انتصار أكتوبر عام 1973 حتى انطلقت موجات من زغاريد الانتصار على لسان حليم في روائعه الوطنية «ابنك يقولك يا بطل هات لي انتصار» و «صباح الخير يا سينا»، و«لفي البلاد يا صبية» و «عاش اللي قال» كما غنى حليم أغنية «قومي يا مصر» التي لحنها بليغ حمدي وكتبها عبد الرحيم منصور، ويقول مطلعها: «قومي إليك السلام يا أرض أجدادي.. عليك منا السلام يا مصر يا بلادي» ويبدو الطابع الاحتفالي والفرحة العارمة لحليم في أغنيته «النجمة مالت على القمر» من كلمات الشاعر محسن الخياط وألحان محمد الموجي.

النجمة مالت ع القمر فوق فى العلالي..

قالت له شايفة يا قمر أفراح قبالي..

قال القمر بينا نسهر على المينا..

ده النور على شط القنال سهران يلالي..

شاف القمر ع الضفتين زفة وزينة

على مدار تلك السنوات الطوال اجتمع لحليم باقة من أروع الشعراء والملحنين ساهموا معه في تقديم أكثر من مائتي أغنية، كان رأسهم حسين السيد، وفتحي قورة، ومرسي جميل عزيز، والأبنودي، وكامل الشناوي، ونزار قباني، ومحمد حمزة وغيرهم من خيرة شعراء الأغنية العربية، وغنى حليم من ألحان الموجي، ومحمد عبدالوهاب، وبليغ حمدي، وقدم للسينما نحو 16 فيلما بأداء فني رفيع عكس خفة ظله وصدق مشاعره وبساطة أحلامه، وكلها أفلام تدور في أغلب الأحوال حول لقاء طال انتظاره لعاشقين يقف في طريقهما القدر، ومن أشهر هذه الأفلام «الخطايا» و«معبودة الجماهير» و«يوم من عمرى» و«أيامنا الحلوة»و «أبى فوق الشجرة»

لمن خفق قلب العندليب؟

ظلت الفتاة التي خطفت قلب عبدالحليم حافظ بجمالها وساهمت في تكوين أسطورته الفنية لغزا محيرا للجماهير التي شغلها التعرف على السر في تفجر ذلك المعين الذي لا ينضب من المشاعر والعواطف، فتناثرت شائعات وأطلقت تخمينات ،ما بين فتاة الاسكندرية التي التقاها في المصعد، أو سعدية فتاة طنطا عاملة المصنع التي التقاها في الحافلة وحكى عنها بنفسه في مجلة «أهل الفن»، في العدد 264 بتاريخ 19 سبتمبر 1955، أو نجمات السينما كسعاد حسني، وزبيدة ثروت وغيرهما. على أن علاقته بسعاد حسنى تظل العلاقة الأكثر رسوخا وجاذبية والتى أثارت دائما كثيرا من الاقاويل والمساجلات، وحيث ذكر كثيرون أن حليم تزوج سعاد زواجا عرفيا موثقا لمدة ست سنوات كاملة. غير أن إصراره على عدم الإعلان عن هذا الزواج أدى فى النهاية إلى الانفصال بينهما ومن أكثر المتحمسين لصدقية زواج حليم من سعاد الكاتب  الصحفي مفيد فوزى الذى كان قريبا من حليم وألف عنه كتابا أسماه «صديقي الموعود» بالعذاب .وكان عبد الحليم قد التقى بسعاد حسني أثناء تصوير فيلم «البنات والصيف» الذى قامت فيه سعاد بدور شقيقته فاهتم بها كثيرا، ومنذ ذلك الحين نشأت بينهما علاقة عاطفية وانسانية. غير أن بعض من اقتربوا من عبد الحليم نفوا مسألة زواجه من سعاد وفى مقدمتهم صديقه مجدى العمروسي.

وقد شغلت هذه الحكايات مخيلة أجيال متعاقبة من المحبين لحليم، لاسيما الفتيات اللاتي مثّل لهن عبدالحليم حافظ فتى الأحلام الرومانسي العاشق النبيل.

 

الوسوم

بلال مؤمن

كاتب و محرر مصري

مقالات ذات صلة

إغلاق