مختارات

المنحى الصوفي في رحلتي العياشي وأوليا جلبي

مثل التصوف عامل جذب كبير لكثير من علماء وفقهاء ورحالة القرن الـحادي عشر للهجرة، وهذا الأمر ينطبق بشكل جلي على كل من: أبي سالم العياشي، وأوليا چلبي. أما العياشي؛ فبفضل انتمائه إلى مؤسسة الزوايا في المغرب وانتسابه فعليا إلى الطَريقة الشاذلية، أولى اهتماماً كبيراً في رحلته بمختلف الطرق الصوفية التي كانت منتشرة على طول الساحل من المغرب حتى الإسكندرية؛ وصولاً إلى أرض الحرمين الشريفين. وهو يعلل سر اهتمامه هذا بالقول: «وإنما ذكرت من ذلك شيئا قليلا؛ لئلا تتشوف نفس الناظر في هذا الكتاب إلى من تنسب إليه هذه الطرق لغرابة أكثرها بقطرنا؛ ما عدا الشاذلية وشعبها، والله تبارك وتعالى ينفعنا بمحبتهم، ويرحمنا بالتطفل عليهم بمجرد الانتساب العاري عن الاكتساب، فهو المتفضل على الإطلاق، بجاه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم».

والحال أن رحلة العياشي تقدم لنا رصدا دقيقا بمعالم واتجاهات الـحياة الروحية: مشرقا ومغربا إبان القرن الحادي عشر للهجرة. فمن جهة أولى، حاول العياشي تسنين مظاهر وسلوك الطريق الصوفي من خلال تتبعه لعدد مهم من أسانيد لبس الـخرقة الصوفية، وردها إلى جذور نبوية. ومن جهة أخرى، بدا العياشي في دروب نصه الرحلي متصوفا سنيا عميق الإيمان، شديد التعلق بمحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، فضلاً عن– في ما تؤكد نفيسة الذهبي- «أنه يقتدي بالسلف الصالح، ويقدر شيوخ التصوف وأهله، ولكنه صاحب حس نقدي وله نظرة صريحة إلى بعض المفاهيم والأقوال التي يأخذ بها العامة؛ لأنَها صادرة عن رجل صالح أو قطب من أقطاب التصوف من دون تأويل، وقد ألح في أكثر من مناسبة على ضرورة التأويل، وصرح بأن لكلام الأئمة ظاهراً واضحاً، ولكنّ مراميه الخفية لا ينالها إلا العارف المجتهد العامل المتخلق بأخلاق المتصوفة».

ومن شيوخ التصوف الذين لقيهم العياشي في رحلته: الشيخ زين العابدين الطبري (ت 1078هـ)، إمام المقام الإبراهيمي، الذي يقول في حقه العياشي: «وفي يوم الأربعاء المذكور ذهبت إلى شيخنا زين العابدين الطَبري، فوجدته بداره وسلَمت عليه، ورحَب بي كثيرا، وعزيته في أخيه شيخنا أبي الحسن، وواعدني يوم السَبت لتلقين الذكر ولباس الخرقة، واعتذر بكثرة الأشغال بولايته الفتوى، مضافة إلى إمام الـمقام، مع شغل البال بأيام الموسم، فلمَا كان يوم السَبت لقيته بالمسجد الحرام بإزاء باب السلام، ولَقَنني وأجاز لي الـخرَق الثلاث: القادرية، والسهروردية، والكبرَوية».

في الـمقابل من ذلك، لا ينسى چلبي- الذي كان والده من أرباب الصوفية- أن يعرض في ثنايا رحلته للتَكايا الصوفية، بوصفها مؤسَسات تربوية تزكوية، فذكر أنَه توجد «داخل مدينة الكعبة ثمان وسبعين تكيَة خاصَة بالمشايخ الكبار. تكون جميعها مشحونة بالضيوف والـمجاورين، ولكنَ أعلاها مقاما وأروعها هي: أعتاب حضرة مولانا [جلال الدين الرومي]؛ فهي وكأنَها جنَة إرَم، كما أنَها مكان مريح لمن يريد السَماع، وملجأ لذوى الحاجات والفقراء. مليئة بالورود، والمقصورات البديعة، والنَافورات وأحواض المياه، والأسبلة [جمع سبيل]، ومزدَانَة بالسَلسبيلات. وجميع ظرفاء مكَة، وأرباب المعارف فيها، والأدباء يجتمعون فيها، ويقضون فيها وقتا جميلا، في صفاء نفسي، وسكينة روحانية (…) وقد قام الدَرويش محمَد هندى اللاهورى ببناء هذه العتبة الطَيبة من أمواله الخاصَة. وقد أصبح هو شيخها بإجازة من الشَيخ مولانا زاده محمَد أفندى في قونيه. ولكن في وقت رحلتنا فقد كان الواعظ والنَاصح هو غمجي على أغا زاده فرهاد چلبي، وكان شيخا للسَجادة. وقد أكمل مع قراءة القرآن المثنويَ المعنويَ [للرومي] الذي يعتبر تفسيرا للقرآن، وبه أكمل سائرَ الفنون، هو عالم متصوف، غوَاص في بحر المعارف».

إلى جانب هذه التكيَة الكبيرة ذكر چلبي تكايا أخرى؛ في مقدمتها: تكيَة الشَيخ عبد القادر الجيلانى، وتكية الشَيخ على، وتكية بابا خراساني، وتكيَة جلال الدين أكبر؛ أحد سلاطين الهند، وتكيَة حسن الرَاعي، وتكيَة السيد أحمد البدوى [ت 675هـ]، وتكيَة بهاء الدين النَقشَبَندي [1318- 1389هـ]، وتكيَة إبراهيم الدسوقى [ت 676هـ]، وتكيَة حاجى بكتاش ولى. وعلى النَاحية الشَمالية على قمَة جبل أبي قبيس العالية، نجد تكيَة الشَيخ اسماعيل الخلوتى. وقد قام سعادة الشَيخ عبد الرَحمن المغربي بتحويل منزله الشَريف إلى تكيَة؛ وهو صاحب علم وكرامة فى المذهب المالكي.

ومن الأماكن الصوفية التي أتى على ذكرها العياشي وهو في المدينة: «الرباط المنسوب لقطب الأولياء مولاي عبد القادر الجيلاني، رضي الله عنه، وهو قريب من المسجد (…) وزادنا غبطة في سكنى ذلك الرباط مجاورة شيخنا جمال الدين الهندي النَقشبندي». ثمَ يتحدَث عن رباط آخر فيقول: «فانتقلنا منه [رباط الجيلاني] إلى رباط النَخلة الـمجاور لرباط النساء، وهو تحت السليمانية».

ضمن هذا السياق، أشاد العياشي بالطَريقة النَقشبندية التي وجدها شديدةَ الاقتراب من مذهب أهل السنَة والجماعة، شديدةَ الشَبَه بالطَريقة الشَاذلية التي ينتمي إليها، فقال في ذلك: «ولَمَا كانت طريق ساداتنا النَقشبندية- مع نفاستها وظهور محاسنها ولطيف أسلوبها وجريانها مع الكتاب والسنَة – قلَما توجد في أرض الـمغرب، بل لا يعرفها أهله حتَى بالاسم؛ لبعد مشايخها، فلم تصل تآليفهم إليه، ولا دَخل هذه البلاد أحد من أهلها فيما نعلم، مع اكتفاء أهل المغرب منها وعن غيرها من الطرق بالطَريق التي بان رشدها، واتضح أمرها، وأمنت غائلتها، واستقامت أصولها، وجرت مع ظواهر الكتاب والسنَة فصولها؛ طريق القطب الجامع، وشمس المحافل والمَجامع، الإمام أبي الحسن الشَاذلي وأتباعه أئمَة الهدى والحق، وأصحاب الإخلاص والصدق، رضي الله تعالى عن فريقهم، وجعلنا من سالكي طريقهم، ولَعَمري- وما عمري عليَ بهين- ما طريق ساداتنا النَقشبندية منها ببعيد، وما أصولها إلا كأصولها عند كل موفَق سعيد».

وممن لقيهم من شيوخ النَقشبندية في مكَة: الشَيخ جمال الدين الهندي (توفي بالمدينة سنة 1076هـ)، اجتمع به في رحاب المدرسة الداودية، «جمعني به شيخنا وصاحبنا الشَيخ علي باحاج اليمني، بعدما سألته عمَن هو اليوم في الـحرمين أفضل هذه الطَائفة النَقشبندية، فدلَني على الشَيخ جمال الدين وعلى رجل آخر من أصحاب الشَيخ تاج الدين؛ إلَا أن الشَيخ جمال الدين أكثر منه عبادة وزهادة وإقبالا على الطَريق. وكنت كثير التَشَوف إلى لقيا أحد هذه الطَائفة؛ لمَا كنت أرى من محاسن أصحابها وجدهم واجتهادهم في الكتب الـمؤلَفة في طريقهم. فلمَا اجتمعت بالشَيخ جمال الدين أخذت عنه طريق السَادات النَقشبندية ببيته، وذلك ظهر يوم الأربعاء المذكور، وشيخنا هذا أعبَد أهل زمانه، مقبل على شانه، مراقب للحق في سره وعلانه، منقطع بالحرمين الشَريفين لعبادة ربه».

وممَن أخذ عنهم الذكر على طريق النقشبندية: الشيخ أبو مهدي عيسى بن محمد الجعفري الثعالبي، الذي تلقى منه الذكر على طريق السادات النقشبندية، وألبسه الخرق الثمانية التي ضمَّنها الشيخ أحمد بن أبي الفتوح الطاوسي الحنفي كتابه المسمَّى: جمع الفِرَق لرفع الخِرَق، وكان ذلك يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة، خاتم عام اثنين وسبعين وألف.

نقلا عن: الحياة

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: