ثقافة

مبدعون تحت مقصلة التكفير:(3-3): من «الطعن» في الدين إلى «خدش» الحياء العام

ونواصل الإبحار في «ملف التكفير»، ذلك السيف المسلط على رقاب المبدعين، وتلك الآفة التي أُبتلى بها بنو العرب منذ عهود بعيدة وحتى اليوم، وفي هذه الحلقة الثالثة والأخيرة من الملف نستعرض بعض أسماء من طالتهم وطاردتهم الاتهامات والملاحقات والسجن بسبب كتاباتهم ،بدءا من تهمة التكفير والمساس بالدين وصولا إلى خدش الحياء العام.

نصر حامد أبوزيد «نقد الخطاب الديني»

ولد نصر حامد أبو زيد بقرية «قحافة» التابعة لمحافظة الغربية في 10 يوليو 1943، ونشأ في أسرة ريفية بسيطة. في البداية لم يحصل على شهادة الثانوية العامة، واكتفى بالحصول على دبلوم المدارس الثانوية الصناعية قسم اللاسلكي عام 1960، نظرا للظروف الاقتصادية التى كانت تمر بها أسرته. عمل أبوزيد بهذه الشهادة ، ومن ثم التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة وحصل علي ليسانس اللغة العربية بتقدير ممتاز وعين معيدا، ليحصل بعدها على درجة الماجستير من نفس القسم والكلية في الدراسات الإسلامية عام 1976 وأيضا بتقدير ممتاز، ثم درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية عام 1979.

Related image

نصر حامد أبو زيد

 ونتيجة أفكاره التي طالَب من خلالها بالتحرُّر من سُلطَة النصِّ الديني بما في ذلك التَّفسِيرات المتعدِّدة للقرآن الكريم، حُرم  نصر حامد أبوزيد من ترقيته الجامعية كأستاذ بقسم الدراسات الإسلامية. حيث رفض الدكتور شوقي ضيف ترقيته. ومن ثم جاء الدكتور عبد الصبور شاهين رئيسا للجنة الترقيات بجامعة القاهرة، فتقدم أبوزيد حينها ببحث عنوانه «نقد الخطاب الديني» من أجل الحصول على درجة الاستاذية، لكن الدكتور عبد الصبور شاهين رفض الترقية ورمى «نصر» بتهمة الإلحاد وقد أُثيرت  القضية على نطاق واسع لدى الرأي العام حيث تخطت أسوار الجامعات المصرية، بعدما تحولت من مجرد رفض للترقية إلى اتهام بالردة. وفي كتابه «التفكير في زمن التكفير» يروي أبو زيد قصته مع عبد الصبور شاهين، الذي اتهمه بالكفر، فيقول «ولأن شاهين ليس فردأ بل مؤسسة، فقد تداعى إلى نداء التكفير كل صبيانه، ومكمن الخطورة هنا أن يبارك أساتذة جامعيون ممارسة الاختلاف الفكري في قاعة المحكمة بدلاً من منابر الفكر».

ولكن بعد أن تغير رئيس جامعة القاهرة، وتولى الدكتور مفيد شهاب رئاسة الجامعة حصل أبوزيد على درجة الترقية وصار أستاذا، إلا أن ذلك لم يعجب بعض أنصار التيارات المتأسلمة والسلفية، فانبرت لتكثيف الهجوم عليه، ووصمته بالكفر ونجحت هذه التيارات في رفع  قضية «حسبة» للتفريق بين نصر أبوزيد  وزوجته الدكتورة ابتهال يونس، وبالفعل حُكم بالتفريق بين الدكتور نصر وزوجته.

بعدها غادر نصر حامد أبو زيد وزوجته من القاهرة ليستقر بهما الحال في هولندا حيث عمل أبوزيد أستاذا للدراسات الإسلامية بجامعة لايدن لعدة سنوات قبل أن يعود إلى القاهرة مريضا ليرحل عن عالمنا في الخامس من يوليو عام 2010 بالقاهرة إثر اصابته بفيروس لم يعرف الأطباء ماهيته، تاركا العديد من المؤلفات والكتب من أهمها «الاتجاه العقلي في التفسير: دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة» و«فلسفة التأويل: دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي» و«أنظمة العلامات فى اللغة والأدب والثقافة: مدخل الى السميوطيقا» و«مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن».

حلمي سالم «شرفة ليلي مراد»

تعرض الشاعر الكبير حلمي سالم لأزمة دامت أكثر من عام على خلفية قصيدته الشهيرة «شرفة ليلى مراد» التى نشرت بمجلة إبداع الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب عام 2007، فقد أّدخلت قصيدته في تفسيرات دينية لإثبات تهمة الخروج عن الإيمان.، وظلت معركة طويلة لم تنته ولم يستسلم سالم، ونشر القصيدة ضمن ديوان «الثناء على الضعف»، لتبدأ المعركة مرة أخري حيث تقدم مجمع البحوث الإسلامية بتقرير إلى النيابة العامة يتهم فيه حلمي سالم بأن ديوانه يحتوى على قصيدة «تحمل إلحادا وزندقة» ولكن فى النهاية خرج سالم والتنويريون منتصرين في معركتهم ضد سلطة رجال الدين الرسميين.

الشاعر «حلمي سالم»

أحمد الشهاوي .. «الوصايا في عشق النساء»

أحمد الشهاوى واحد من الشعراء الذين عملوا بالصحافة حيث وصل إلى منصب مدير تحرير مجلة نصف الدنيا التابعة لمؤسسة الأهرام، وهوعضو الموسوعة العالمية للشعراء، وحائز على جائزة اليونسكو في الآداب وجائزة «كفا فيس» في الشعر. سنوات طويلة هي عمر رحلة ممتدة بدأها الشهاوي مع الشعر وأثمرت ما يزيد عن اثني عشر ديوانا شعريا. من أعماله  «ركعتان للعشق»، الأحاديث «السفر الأول»، «كتاب العشق» –الأحاديث «السفر الثاني»، «أحوال العاشق». وصدر له في السنوات الأخيرة «نواب الله»، «أنا من أهوي 600 طريق للعشق، «وصايا العشق».

الشاعر «أحمد الشهاوي»

في عام 2007 أصدر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف فتوى كتاب «الوصايا في عشق النساء» لأحمد الشهاوي بدعوى تناوله الفاظا فاحشة ومنافية لتعاليم الدين وتمس بالعقيدة. فما كان من الشهاوي إلا أن أقام دعوى قضائية ضد قرار مصادرة كتابه اختصم فيها  مجمع البحوث الاسلامية وشيخ الأزهر آنذاك الدكتور محمد سيد طنطاوي.

وقد اعتبر محامي الشهاوي في هذه الدعوى، أن الفتوى التي أصدرها مجمع البحوث الاسلامية بمصادرة الجزء الاول من كتاب «الوصايا في عشق النساء» تضمنت كلمات من شأنها  إهدار دم الشهاوي، حيث ورد بها أنه كافر كفرا صريحا، وأن  الدكتور عبدالعظيم المطعني، وهو أستاذ بالأزهر، صوّر الكتاب بأنه مثل «بروتوكولات حكماء صهيون».

كما رد الشهاوى  على ذلك بأن في كتابه هذا «أحيا فنا ادبيا متروكا وهو فن الوصية ،ولم يعتمد الاقتباس او الاتكاء او الاعتماد على القرآن الكريم او السنة النبوية، وانما ارتكز عليهما بشكل عفوي، وفقا لتكوينه الثقافي والديني، وأن النصوص الشعرية والنثرية التي وردت في الكتاب قابلة للتأويل».

وكان الجزء الأول من «الوصايا في عشق النساء» قد صدر في طبعتين بالقاهرة، إحداهما عن الدار المصرية اللبنانية في يناير 2003، والثانية بعدها ببضعة شهور عن سلسلة «مكتبة الأسرة» التابعة للهيئة المصرية العامة للكتاب. وقد أثار الكتب ضجة في أعقاب صدوره، ووجه أحد نواب البرلمان المصري بياناً اعتبر فيه أن الكتاب «يتضمن مجموعة من العبارات التي تستهين بالدين وتستفز مشاعر المسلمين» مطالباً بتحريك الجهات الرسمية من أجل مصادرته وسحبه من الأسواق. إلا أن لجنة القراءة بالهيئة العامة للكتاب قررت في اجتماع لها أن الكتاب لا يحتوي على أية شبهة إساءة للدين أو استفزاز لمشاعر المسلمين، وأن كل ما ورد فيه من بعض الألفاظ التي اعترض عليها النائب البرلماني هي عبارات متداولة في اللغة العربية، وأن ما ورد في الكتاب من نصوص قرآنية هي ثلاث آيات قصيرة موضوعة بين علامات التنصيص ولا تختلط بالنص الأصلي. وقد تجدد ا لجدل حول الكتاب مع محاولة الشهاوي إصدار الجزء الثاني من الكتاب، حيث أفتى مجمع البحوث الإسلامية بمنعه أيضا.

أحمد ناجى: «استخدام الحياة»

«استخدام الحياة» رواية للقاص الشاب أحمد ناجي صدرت عام 2014 وتسببت في صدور حكم بسجنه لمدة عامين بتهمة خدش الحياء العام. الرواية التي يصنفها بعض النقاد على أنها تنتمي لأدب ال «ديستوبيا» أو ما يعرف بأدب المدينة الفاسدة،   قامت صحيفة «أخبار الأدب» بنشر الفصل الخامس منها ضمن ملف عن القاهرة في مطلع عام 2015، تضمن الفاظا  وتعبيرات أثارت حفيظة المحامي هاني صلاح توفيق الذي تقدم ببلاغ ضد، في مطلع 2015، اتهم فيها أحمد ناجي ومجلة أخبار الأدب بخدش الحياء العام لما تضمنه هذا الفصل من الرواية من مشاهد جنسية فاضحة.

وفي 2 يناير 2016 عُقدت محكمة جنح بولاق أبو العلا أولى جلسات المحاكمة، وتم تبرئة ناجى من التهمة، وهو الحكم الذي رفضته النيابة وقدمت استنئافا على البراءة لاتهامه بـ«خدش الحياء العام»، وفي 20 فبراير 2016، حكمت محكمة مستأنف جنح بولاق أبوالعلا، بحبس «ناجي»، عامين، وتغريم طارق الطاهر رئيس تحرير جريدة أخبار الأدب التى نشرت الرواية 10 آلاف جنيه.

وقد أثار هذا الحكم وقتها ضجة في الأوساط الثقافية المصرية، حيث وصفه الدكتور جابر عصفور وزير الثقافة الأسبق بأنه «فضيحة جديدة للدولة المصرية أمام العالم في الخارج، وفصل جديد من فضائح الحريات» وقال إن هذا الحكم «يعيد الأحكام القضائية التي أودت بحياة نصر أبوزيد وفرج فودة». فيما دشن عدد من الكتاب والفنانين الشباب حملة تحت عنوان «احرق عملك الإبداعي»، على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» لتجميع نسخ من أعمالهم الإبداعية سواء كانت كتباً أو صوراً فوتوغرافية أو لوحات فنية، وحرقها أمام مقر دار القضاء العالي في القاهرة، احتجاجاً على إدانة الكاتب أحمد ناجي.

اللافت في هذه القضية أن الرواية التي أوصلت ناجي للحبس، هي بشهادة كثير من النقاد والادباء، عمل أدبي متواضع القيمة أدبيا وجماليا، وقليل من القراء المصريين والعرب مر عليها، بالإضافة إلى أن صحيفة «أخبار الأدب» التي نشرت فصلا من الرواية، لا يقرأها في الغالب إلا الأدباء والمتخصصون. ومع ذلك فقد شهدت الرواية  اقبالا كبيرا ولافتا من قبل القراء عقب وصولها إلى المحاكمة ووصل عدد  قرائها إلى مايزيد عن مليون قارئ، هو ما يؤكد قاعدة أن الممنوع مرغوب دائما، وأن فتح أبواب ونوافذ الحرية للإبداع سيطرد كل ما قبيح و يبقى كل ما هو جميل، ينفع الناس ويمكث في الأرض.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق