ثقافة

يوسف إدريس بعيون روسية(2-2): أمير القصة القصيرة وناقل عذابات المهمشين

أطلق عليه النقاد لقب «تشيكوف العرب»، إذ تميز يوسف إدريس (مثله مثل الأديب الروسي الفذ «أنطون تشيكوف») بالقدرة على الإمساك باللحظة الخارقة واقتناصها وإبداعها فى الزمان والمكان المناسبين، والكتابة المعبرة عن المهمشين والبسطاء وعذاباتهم .كما أن كلا منهما كان طبيبا ومارس الطب.

 لكن يوسف إدريس ينفى عن نفسه وجود أي ملمح للتقليد في  أعماله وإن كان يعترف بوجود صوت «تشيكوفي» في بعض أعماله الاولى، وفق ما تنقل عنه أستاذة الأدب العربي، بمعهد الاستشراق بموسكو، فاليريا كيربتشنكو، في دراستها  «يوسف إدريس.. خفايا الإبداع»، حيث تستدعي قصتا «على أسيوط»، و«المأتم»، ليوسف إدريس رابطة ما مع قصتي تشيكوف «الصبي الشرير»، و«توافه الحياة».

ملامح البدايات

في أعماله المبكرة، لم يحب إدريس الكتابة عن الأشخاص ذوي الطبيعة الشريرة، فعلى النقيض من ذلك فإنه أبطاله في هذه  الأعمال، طيبون منفتحون روحيا على بعضهم البعض، وأفعالهم الشريرة، تفرضها ظروف الحياة القاسية، وأيضا القيم الأخلاقية المقبولة في بيئاتهم.. وفي بواكيره القصصية أيضا تظهر دلائل تأثير الحياة القاسية على النفس البشرية، بشكل عرضي، فـ «إدريس» يؤمن بالناس، ويؤمن بالحياة، وبأنها تحمل معها تغييرات قريبة، ولعل هذا ما يصبغ تلك الأعمال بصبغة من التفاؤل.

كان عام 1954، عاما محوريا في حياة يوسف إدريس، حيث صدرت أول مجموعة قصصية له «أرخص ليالي»، وذلك في خضم مجادلات شهيرة على الساحة الأدبية المصرية، حول المواقف الفكرية والفنية للواقعيين الجدد، عُرفت «بصراع الشيوخ والشباب». غير أن يوسف إدريس لم يشارك في ذلك الجدل، الذي ملأ الصحف المصرية آنذاك. وفي أغسطس من نفس العام تم اعتقاله بتهمة الاشتراك في نشاط شيوعي، حيث قضى ثلاثة عشر شهرا بالسجن، وخرج من تلك التجربة، محملا بموقف تباعد فيه عن رفاقه الشيوعيين، حيث أشار إلى أنه «لم يستطع الموافقة على إخضاع إبداعه لأهداف السياسة اليومية، لأنه يعتقد أن رسالة المبدع، أكثر إتساعا بكثير، من ذلك».

بين الهم الوطني و الإنساني

تبدو الأعوام من 1956 إلى 1959، هي الأكثر إنتاجا في تاريخ يوسف إدريس الأدبي، حيث كتب القصص والمقالات والمسرحيات، وتأتي محاولة صياغة قصته، «جمهورية فرحات»، في شكل مسرحية ذات فصل واحد، و ثم مسرحية أخرى من فصل واحد هى «ملك القطن». وفي عام 1958، يؤلف مسرحية من ثلاثة فصول وهى «اللحظة الحرجة»، التي تتناول قضية المقاومة في مدينة بورسعيد، أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

خلال تلك الفترة كتب يوسف إدريس، أهم أعماله «الحالة الرابعة»، و«مارش الغروب»، و«أبو الهول»، و«شيخوخة بدون جنون»، و«قاع المدينة»، و«حادثة شرف»، و«سره الباتع»،  ليتوج مسيرته الإبداعية  لهذه الفترة برواية «الحرام».

تكتسب قضايا الوطن، مكانة خاصة في أعماله خلال تلك الفترة، متأثرا بأحداث كبرى عاشتها مصر بدءا من جلاء الإنجليز، وتأميم قناة السويس، وصد العدوان الثلاثي، فيحتفي إدريس بتأميم القناة، في «صح»، و«أهى لعبة»، ويشعر بالسرور من إدراكه بأن الشعب يستطيع بنفسه إمتلاك وإدارة أملاكه وثرواته، ويفخر بشعبه، وبالبسطاء البواسل الذين دافعوا عن وطنهم ودحروا المحتل، فى  «البطل»، و«الجرح».

غير أن  ذلك لم يتعارض مع أن ينشغل يوسف إدريس، بقضية «السقوط»، بكل ما يعنيه من تدمير أخلاقي للشخصية، بتأثير عوامل اجتماعية غير صحية، حيث يتجلى ذلك في قصته الطويلة «قاع المدينة»، وفي قصص «مسألة شرف»، و«الستارة»، وفي قصته الطويلة «العيب»، التي صدرت في 1963.

أما رواية «البيضاء»، والتي قال يوسف إدريس إن فكرتها جاءت له في ليلة رأس السنة بين عامي 1955، و1956، بتأثير ما أحاطه من مشاعر الوحدة والفراق غير المحتملة، والتي ضاعف من حدتها سرور وصخب الجموع المحتفلة في الشوارع، بتلك الليلة، فقد استغرق في كتابتها أربعة أعوام، تخللتها إنقطاعات عدة، ورغم تلك الإنقطاعات إلا أنه قد إنتابه الإحساس بأنه قد كتب تلك الرواية «في ليلة واحدة طويلة كئيبة».

«البيضاء» كما تتناولها فاليريا كيربتشنكو، رواية خاصة للغاية تعكس حياة وطبيعة كاتبها، فيحيى بطل الرواية يشبه كثيرا يوسف إدريس، ذلك إن قصة حياتهما في جوهرها واحدة. غير أن كيربتشنكو تعود لتؤكد على أن «البيضاء»، ليست سيرة ذاتية ليوسف إدريس، رغم التسليم بالتشابه الشديد بين بطل الرواية، ومؤلفها. إلا أن أهم ما أثير عن تلك الرواية، تمثل في ذلك الحد الفاصل الذي وضعته بين يوسف إدريس، ورفاقه من الشيوعيين.

ترك يوسف إدريس عمله في المجال الطبي عام 1958، وإلتحق بالعمل بمنظمة المؤتمر الإسلامي، التي استمر بها لمدة لم تتجاوز العام، ثم انتقل للعمل بهيئة تحرير جريدة الشعب، ثم الجمهورية، وطيلة أعوام الستينيات سافر إدريس إلى العديد من بلدان أوربا، إلى جانب الإتحاد السوفييتي، ومن ثم أصبح اسم يوسف إدريس مشهورا خارج مصر، حيث ترجمت أعماله إلى العديد من اللغات الأوربية والأسيوية، وفي عام 1966، تقلد يوسف إدريس وسام الجمهورية، إضافة إلى جائزة نقدية، تقديرا لإسهاماته الأدبية.

فاليريا كيربتشنكو

مجرى إبداعى جديد

يغلب على إبداع يوسف إدريس خلال السنوات الأولى من الستينيات تأثره الشديد  بالأديب الروسي العظيم ديستويفسكي، ،حيث يبتعد عن واقع الحياة الملموس، ويكتسب تفكيره الإبداعي خواص التأمل والتجريد. فيصيب التغير أبطال قصصه .فرغم أنهم مازالوا من ذات الشخوص، من فلاحين وعمال وموظفين، وأطباء، إلا أنهم افتقدوا استقامتهم الحياتية،  ومن ثم يصبحون غريبي الأطوار، وتصبح فرديتهم متضخمة، لكي تستر ما هو تقليدي داخلهم. فقصة «العسكري الأسود» 1962، تأتي من وحي دائرة إبداعات «ديستويفسكي»، والتي يتناول فيها قضية العلاقة بين «الجلاد والضحية»، مع التركيز على تأثير العنف على نفس من يرتكبه.

في ربيع عام 1962، يسافر يوسف إدريس إلى الجزائر للمرة الثانية، كمراسل صحفي لجريدة الجمهورية، حيث  كان قد سافر إليها من قبل عام 1961، مشاركا ثوار الجزائر في حربهم ضد الإحتلال الفرنسي كطبيب معالج للثوار. في تلك الزيارة الثانية يشهد يوسف إدريس على أحداث الأزمة السياسية التي عاشتها الجزائر في الأيام الأولى لاستقلالها، وفي نهاية رحلته للجزائر يزور إدريس إسبانيا، حيث قضي بها أسبوعين ليؤلف عنها كتاب «رجال وثيران».

تجارب مسرحية

«الفرافير» تلك المسرحية، التي نشرت عام 1964، يقدمها يوسف إدريس، على انها محاولة منه لإيجاد مسرح محلي مصري خالص، غير أنها في ذات الوقت تتناول موضوعا عصريا إنسانيا، في إطار فني مناسب لها. وفي هذا الإطار يشير إدريس إلى أن الإختلاف بين المسرح المصري وأى مسرح أخر ،يجب أن يكون نابعا من إختلاف التراث الفولكلوري للشعب، ذلك التراث الذي يعبر بصدق عن مخزون أي شعب، هنا تتساءل فاليريا كيربتشنكو، إلى أى مدى نجح يوسف إدريس في تحقيق فكرته تلك في الواقع؟

تستوحي مسرحية «الفرافير»، فكرة مسرح السامر الشعبي المصري، فالشخصيات الرئيسية فيها، هم أبطال مسرح السامر، وقد وضع إدريس بعض الممثلين في موقع المشاهدين، حيث يصعدون من حين لآخر إلى خشبة المسرح، وكأنهم يمثلون الجمهور.، بناء المسرحية يبدو كأنها ارتجال حي من قبل الممثلين. وتنتهي هذه المسرحية، حين يتوجه «فرفور»، بطل العرض، إلى الجمهور ليطالبه بحل لمعضلته، والخاصة بسؤاله «لماذا يجب أن يكون خادما بينما يبقى “السيد»دائما سيدا؟

تلقي يوسف إدريس عام 1966، دعوة من جامعة شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية، لإلقاء سلسلة من المحاضرات عن الأدب  المصري المعاصر، ليعود مع بداية عام 1967، ليتم تعيينه مديرا لهيئة المسرح الحكومية، والتي كانت تضم خمسة مسارح، غير أن عمله هذا لم يستمر سوي عدة أشهر ليعود إلى عمله بجريدة الجمهورية.

تأتي نكسة 1967، فيتعامل معها يوسف إدريس بوصفها مأساة وطنية، ومن ثم يؤيد مظاهرات 1968، وتأتي مقالاته الصحفية في تلك الفترة محملة بتساؤل حول هل من الممكن تنظيم العلاقة بين الإنسان والدولة بطريقة لا يقهر فيها المجتمع الفرد؟

ليبلور فكرته تلك في مسرحية «المخططين»، التي نشرت بمجلة المسرح عام 1969، والتي يصور فيها  المجتمع في صورة كاريكاتورية، يتحول كل عضو فيه إلى إنسان آلي.

وفي سبتمبر عام 1969، تصدر المجموعة القصصية الشهيرة ليوسف إدريس «النداهة»، وينتقل في ذات العام للعمل بجريدة الأهرام، ويتم نشر خمس قصص جديدة له في ملحق الأهرام عام 1970، يتبعها صدور مجموعة «بيت من لحم» عام 1971.

قبل أن يبلغ يوسف إدريس الخمسين من عمره عام 1977، يصاب بمرض شديد بالقلب، غير أنه يستمرفي كتابة  مقالاته  بجريدة الأهرام تلك المقالات التى أثار الكثير منها جدلا واسعا فى الأوساط الثقافية المصرية والعربية، حتي تتوفاه المنية في الأول من أغسطس عام 1991، عن عمر يناهز أربعة وستين عاما، تاركا خلفه العديد من الأعمال الإبداعية التي تصلح حقا كمرآة يمكن من خلالها ملاحظة التحول الذي شهده المجتمع المصري خلال تلك الفترة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق